تناولت قبل أيام البحث في كتاب ” كيف نتعامل مع القرآن للإمام محمد الغزالي (ليس أبو حامد الغزالي) في

مدارسة أجراها الأستاذ عمر عبيد حسنه في أواخر الثمانينات من القرن الماضي ، ولقد طبع هذا الكتاب للمرة السابعة في سنة ٢٠٠٥.

الامام محمد الغزالي لمن لا يعرف هو أحد دعاة الفكر الاسلامي الحديث وتوفي سنة ١٩٩٦ . سماه والده بالغزالي تيمنا بالامام ابو حامد الغزالي المتوفي سنه ١١١١. والغزالي كاتب هذا الكتاب هو مصري ، بينما ابو حامد هو فارسي الاصل ولد في طوس ايران اليوم.

تتلخص مدارسة الغزالي بأن القرآن هو المعجزه المستمرة لنا على هذه الارض ، وهو (القرآن) حدد نفسه مواصفاته باعتباره كلام الله تعالى ، واوضح أنه كامل يستجيب لما كان حالات تاريخية سابقة ، ويستمر باتجاه المستقبل عبر مختلف العصور مستجيبا بمكنوناته التي تنكشف طبقا لحالات الاستدعاء الزماني. فالقرآن الوحيد المعصوم من بين جميع الكتب السماوية ،فهو المرجع الموثق الوحيد للآخرين وقضاياهم أيضا.

بينما نعيش حياه لم نعد نعرف أين نقحم الإسلام والقرآن فيها تارة ، ونبعد الاسلام لأبعد ما يمكن ابعاده تاره أخرى . خشية ، او عدم ثقة ، او تحفظا ، او حماية ربما لما نكنه لهذا الدين من حب كوني ربما ، او حب غريزي ، او قد يكون فطري ،او هو بكل بساطة حب تربينا ونشأنا عليه ، والحفاظ عليه مرتبط بالحفاظ على كينونتنا.

ولكن تعاملنا مع الدين يشبه تعاملنا مع حياتنا ، فنحب بجهل ما هو نور ، ونخلص بتعصب لما لا يحتاج تعصبنا ، حتى اصبحنا مكبلين بعصبة من المشاعر والاحاسيس والافكار التي تكبلت بداخلنا ولم نعد قادرين الا على المشي بها كالأسير المكبل بجنازير وأثقال .

في منطقة تسمي الاسلام دينها في هذه الأيام، تضحي داعش رمزا لما يقره الإسلام شرعا وشريعة ، يتبرأ البعض منا منها لأبعد الحدود ، ويتعاطف البعض منا معها صمتا او حتى جزئيا ، يذهب البعض منا الى ما أصبح يبدو أقل تطرفا(الاخوان) ولقد وقع عليه الظلم نوعا ما في ظلمة اللا-أنسنة المسلمة في هذه الأيام . وانقسم الاسلام مرة أخرى بين تطرف يكفره تطرف ، وبين جهل يظلمه جهل ، وبين تخلف يحجبه تخلف . ويستمر الجميع برفع القرآن عاليا مدعيا صدقا في داخله ، مؤمنا بأن قرآنه وشريعته هي السنة الحقيقية والشريعة الوحيدة الواجبة التطبيق.

ولا أعرف كيف ، ولكن ، وجدت في هذه المدارسة مدارسة حقة تستحق المراجعة ، بما أنها خرجت نتاج دراسة حقة (ليس من قلم هاوية ) ، مبنية على اسس ايمانية لا تزال تستجدي بالقرآن طريقا لخلاص هذه الامة . أضع بين أيديكم ما استحسنته تلخيصا لهذه المدارسة ، علنا توقفنا قليلا وراجعنا انفسنا جميعا ، علمانيون،متدينون، سلفيون، اخوانيون، ……

أهمية هذه الدراسة لا تكمن في إعادة تفسير أو تأويل ، وإنما تكمن في محاولة تخليص الفكر الاسلامي من شوائب كثيرة ،تمهيدا لإحداث النقلة النوعية باتجاه المعرفة والمنهج في مجتمع إسلامي كان سباقا في استيعاب المتغيرات الحضارية العالمية الجديدة والبدء فيها ، فعالمية الخطاب والفكر والتوجه هي من خصائص الاسلام ،الذي اسس اول عالمية دينية بوصف النبي صلعم خاتما للأنبياء ورحمة للعالمين،وبوصف القرآن المجيد خاتما للكتب السماوية ومهيمنا عليها.

ما يحاول الغزالي القيام به من خلال هذه المدارسة هو تحديد كيفية تأثير التطورات التاريخية على موقف الائمة والتزامهم ناحية فروع الفقه ، محاولا بهذا استعادة مكانة الفقه التي تأثرت سلبا بالواقع التاريخي . حيث يحاول مكاشفة توجهات المتدارسين( الحكم والعلم، الفقه والتصوف) لتحقيق الاستقطاب الموحد لفعاليات الامة الاسلامية وتوجهاتها ضمن اطار قرآني جامع بهدف تحقيق القرآن العظيم لحضاره كامله : ” ونزلنا عليك الكتب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين. ”

يؤكد الغزالي أن شروط الوعي المنهجي ،لا يتم بمجرد الانتماء الزماني لهذا العصر ،دون انتماء مكاني. فالنمو والتطور ليس مجرد تراكم كمي لمستجدات معاصرة ،تضاف أو تلحق ببناء المجتمع القديم ، وانما هو تحول كيفي في بنية المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والفكرية، تستدعي تواصلا جديدا مع القرآن ،وبشروط وعي جديد ، يكونها هذا الواقع المستجد.

فالمجتمع المعاصر لا يعني استمرار المجتمع القديم بازمته الفكريه في مرحلة زمنية متقدمة ،وانما يعني ما يصيب هذا المجتمع من تحول تاريخي،يستحق بموجبه صفة المعاصرة، وفق مقاييسها الموضوعية العالمية الراهنة ،التي تمكنه من إعادة وجوده ،وفي ذلك اعادة اكتشاف المعنى القرآني نفسه في واقع متغير، وعلى هذا الاساس فان الكثير من مجتمعاتنا العربيه والاسلاميه قد ترى نفسها معاصره للعالم بالقياس الزمني ،أي لانها موجودة في نطاق هذا العصر ،ولكنها لا تعيش في الواقع حالة عصرية ،تنفتح بموجبها على شروط الوعي الحضاري العالمي الجديد، بما فيه من عقلية نقدية وتحليليه،وتطلع الى ضبط المعرفه بالمنهج ومعالجة مشكلات العصر.

وعليه فنتيجه لهذا الفصام ما بين وجود المجتمعات العربيه والاسلامية اليوم بازمتها التاريخية الفكريه ، وانغلاقها وانشدادها الى الماضي، وكونها تعيش في حقبه الزمن العالمي المعاصر ، اعطاها ذلك شعورا بالمعاصره من جهه ، مع عجزها عن التفاعل المكاني ووالزماني الذي يؤهلها لاكتشاف شروط الوعي العالمي المعاصر من جهه اخرى . لذا يحاول البعض اعاده انتاج مراحل سابقه في مراحل لاحقه ،بالاكتفاء بترديد موضوعات السلف الصالح دون الاخذ بمضمون المتغير التاريخي وضرورة الاجتهاد في عصرنا هذا . فبدلا من ان نجعل السلف الصالح قدوه في الاجتهاد ، جعلنا منهم نماذج للتقليد.

من ضمن المسائل التي تعرضت المدارسة اليها قضية النسخ في القرآن . حيث فسر بعض العلماء على ان النسخ هو انتهاء أحكام بعض الايات ،او رفعها .

اوضحت المدارسه كذلك ان الباب مفتوح لدراسات دينيه مقارنة ،يمكن ان تمهد لاكتشاف عالمية الاسلام وشمولية خطابه ،مما يساعد على اكتشاف خصائص الاسلام.

توجه المدارسه كذلك الى كيفيه التعامل مع القرآن بوصفه مصدرا للعلوم الاجتماعيه والانسانية والثقافة والحضارة.

كيف نتعامل مع القرآن

محمد الغزالي

في مدارسة أجراها الأستاذ عمر عبيد حسنه

نهضة مصر للطباعة والتوزيع والنشرالطبعة السابعة. تاريخ النشر: ٧\٢٠٠٥

 

تلخيص :

 

قد تكون مشكلة المسلمين اليوم كلها في منهج الفهم الموصل الى التدبر وكسر الأقفال من على القلوب والعقول

،وتجديد الاستجابة ، وتجديد وسيلتها ، ليكونوا في مستوى القرآن ،ومستوى العصر ،ويحققوا الشهود الحضاري ، ويتخلصوا من الحال التي استنكرها القرآن : ” أفلا يتدبرون القرآن ام على قلوب أقفالها”.

ان الأزمه التي لا نزال نعاني منها ،ليست بافتقاد المنهج، فالمنهج (اصل المعرفه) موجود، ومعصوم ، ومختبر تاريخيا.لكن المشكلة بافتقاد وسائل الفهم الصحيحة ،وأدوات التوصيل ،وكيفية التعامل مع القرآن . أي منهج فهم القرآن والسنة .

فهنا علينا ان نقرر : بأن الازمه هي ازمة فهم ،وأزمة تعامل ،وأزمة أمية عقلية ،صرنا إليها بذهاب العلم (مناهج الفهم) و (وسائل المعرفة) . لذا يجب أن تنصب الجهود على منهج الفهم،وإعادة فحص واختبار المناهج القائمة التي أورثتنا ما نحن عليه ،والتحرر من تقديس الأبنية الفكرية الاجتهادية السابقة التي انحدرت الينا من موروثات الآباء والأجداد والمناخ الثقافي الذي يحيط بنا منذ الطفولة ، ويتسرب إلى عقولنا فيشكلها بطريقة التفاعل الاجتماعي ،الأمر الذي أدى الى انكماش الفكر والرؤية القرآنيه في واقع حياتنا ، وتحول القرآن من مراكز الحضارة وصناعة الحياة،إلى الركود والتحنط في بطون التاريخ التي تشكلت في عصور التخلف والتقليد والتي حالت دون إدراك أبعاد النص القرآني ،والقدرة على تعديته للزمان والمكان،وذلك أن الصورة التي طبعت في أذهاننا ،في مراحل الطفولة للقرآن ، انه لا يستدعي للحضور الا في حالات الاحتضار والنزع ،والوفاة ،او عند زيارة المقابر…وهي قراءات لا تتجاوز الشفاه.

وهنا المقصود ليس التقليل من اهمية ضبط الشكل وحسن الاخراج وسلامة المشافهة، ولكن الدعوة هنا الى إعادة النظر بالطريقة ،حتى نصل الى مرحلة التأمل والتفكر والتدبر التي تترافق مع القراءه ، وقد يكون ذلك بأن نبدأ التلقين بالأداء الحسن ابتداء ،مع التوجيه اللافت للنظر صوب المعنى ، ولا نلتفت الى ضبط الشكل الا في حالات التصويب ،ولتكن حالات الاستثناء.

وقد يكون من اخطر الاصابات التي لحقت بالعقل المسلم فحالت بينه وبين التدبر والتحقق والتفكر ، هو التوهم بأن الأبنية الفكرية السابقة التي استمدت من القرآن في العصور الأولى ،هي نهاية المطاف ،وأن إدراك أبعاد النص مرتهن بها ،في كل زمان ومكان، وما رافق ذلك من النهي عن القول في القرآن بالرأي،وجعل الرأي دائما قرين الهوى ،وسوء النية، وفساد القصد.

هذا علاوة على ان الاقتصار على هذا المنهج في النقل والتلقي ، يحاصر الخطاب القرآني نفسه ، ويقضي على امتداده وخلوده ، وقدرته على العطاء المتجدد للزمن ، وإلغاء لبعده المكاني : ” وما أرسلناك الا كافة للناس بشيرا ونذيرا. ”

إن الدعوة إلى محاصرة العقل ،والحجر عليه ،وقصر الفهم والإدراك والتدبر على فهوم السابقين ، هو الذي ساهم بقدر كبير في الانصراف عن تدبر القرآن ،وأقام الحواجز النفسية المخيفة التي حالت دون النظر ،وابقى الاقفال على القلوب،وصار القرآن تناغيم وترانيم. وبدل ان يكون الميراث الثقافي وسيلة تسهل الفهم ، وتغني الرؤية ، وتعين التدبر، أصبح- من بعض الوجوه- عائقا يحول دون هذا كله..وشيئا فشيئا ،تتحول القدسية من القرآن الى السنة ،فتجعل السنة حاكمه على القرآن ،ومن ثم انتقلت القدسية لفهوم البشر وبقي الكتاب والسنة للتبرك.

فالمشكلة المستعصية في اختلاط قداسة النص ببشرية التفسير والاجتهاد لذلك النص،وإدراك مرماه ، حيث عد رأي الشيخ او المتبوع في تفسير نص ما أو فهمه،هو الأمر الوحيد ، والممكنو والمحتمل ، والأكمل لمدلول ذلك النص ، وصار رأي أو احتمال آخر ،خروجا عن الإجماع أو نوعا من الابتداع.

ان مناخ التقليد الجماعي جعلنا كذلك ، عاجزين عن الامتداد،ودون سوية التعامل مع القرآن ،فكذلك اصبحنا، دون سوية التعامل مع الواقع المعاصر ، لأننا أوقفنا عطاء القرآن للزمن ، وهو المتغير السريع ، وحاولنا التفاهم معه بفهوم عصر اخر يختلف في طبيعته ،ومشكلاته ،وعلاقاته،ومعارفه عن عصرنا ، وأعطينا صفة القدسية والقدرة على الامتداد والخلود لاجتهاد البشر، ونزعنا صفة الخلود والامتداد عن القرآن ، عمليا ، وإن كنا نرفضها نظريا.

فمثلا اخترنا ان نستعمل مفهوم الاعجاز العلمي للقرآن ، وبدأ الناس بالاستغناء عن اي محاولة للابداع والانجاز العلمي ، واصبح الكلام عن اعجاز القرآن العلمي نوع من التعويض.

وعليه ، علينا ان نعي ان لكل علم من العلوم الانسانية والتجريبية مناهج والات وتقنيات خاصة لفهمه وادراكه . ولكل منهج خصائصه وشروطه وميزاته ، ولكل معرفة وسيلتها التي توصل اليها .

ان منهج علماء الاصول ، على دقته وعبقريته في استنباط الحكم التشريعي من آيات الاحكام ،لا يمكن ان يعتمد ليكون وسيلة علماء التاريخ والاجتماع والسياسه…الخ.

على العكس ، ممكن لهذا المنهج ان يكون مفسدا للنتائج والحقائق لو استعمل في غير ميدانه الذي وضع له ، على الرغم من بعض التلاقي والادوات المشتركة أحيانا في ميدان العلوم المتجانسة.

فالمطروح وبإلحاح : كيف يمكن التعامل مع القرآن ،وتدبر آياته ،والإفادة من معطيات العلوم وآلات فهمها ، ليكون القرآن مصدر المعرفة ، وفلسفتها في شعاب العلوم الاجتماعية جميعا ؟ حيث لا بد لنا من العودة للقرآن كمصدر لمعارف الحياة، وفقه المعرفة والحضارة للقيام بدورنا بمسؤولية الشهادة على الناس،والقيادة لهم وإلحاق الرحمة بهم، واستئناف السير الذي توقف من عهد بعيد في كثير من شعب المعرفه التي يمنحها القرآن .

من خلال هذه المدارسة هناك محاوله لاعداد أساسا لنا فكر قرآني قادر على الانطلاق باتجاه الشهود والانجاز الحضاري ،. فهناك حاجه لنقلة ثقافية بشروط ومواصفات لها علاقة بالنظام التعليمي والاعلامي والتربوي ومؤسسات تعليم القرآن وحفظه وتفسيره . مواصفات لها علاقة بالتشكيل الثقافي للأمة بشكل عام .

بالنسبة للغزالي القرآن الكريم هو ما بقي منا في هذه الدنيا. وبقاء القرآن هو العزاء الوحيد عن ضياع مواريث النبوات الؤلى ، لأنه استوعب زبدتها . ” إن هذا لفي الصحف الاولى ،صحف ابراهيم وموسى” .

يحاول الغزالي بمدارسته ان يضع منهجا للفهم الجديد ، للتعامل نع القرآن ، يكون نتيجة لاستقراء الواقع والحاجه والمعاناه الني يعيشها المسلم اليوم، وذلك باعتبار القرآن هو النص الخالد المجرد عن حدود الزمان والمكان والمجمع عليه من قبل المسلمسن جميعا.

يقول الغزالي ان حال المسلمين مع القرآن الكريم تستدعي الدراسه المتعمقة ، حيث ان المسلمن بعد القرون الاولى ، انصرف اهتمامهم بكتابهم الى ناحية التلاوة وما الى ذلك مما يتصل باالفظ والحفاظ على توتر القرآن ، اداءا واحكاما (التلاوة) . ولكنهم بالنسبة لتعاملهم مع كتابهم ، ربما صنعوا ما لم تصنعه الامم الاخرى ، ففصلت الامه الاسلاميه بين التلاوة والتدبر ، فأصبح المسلم يقرأ القرآن لمجرد البركة ، كان الترديد دون الحس بالمعاني ووعي المغازي يفيد ، او هو المقصود.

وعليه ، لا بد من قراءة القرآن الكريم قراءة متدبرة واعية تفهم الجملة فهما دقيقا، ويبذل كل امرىء ما يستطيع لوعي معناها وادراك مقاصدها ، فان عز عليه سأل أهل الذكر.

والمدارسه للقرآن مطلوبة باستمرار ، ومعنى المدارسه هنا: القراءة والفهم والتدبر والتبين لسنن الله في الأنفس والآفاق، ومقومات الشهود الحضاري ،ومعرفة الوصايا والأحكام ، وأنواع الترهيب والترغيب، والوعد والوعيد، ما إلى ذلك مما يحتاجه المسلمون لاستئناف دورهم المفقود.

فالسنه كما قال الامام الشافعي : “فهم النبي للقرآن ، او نضج فهمه للقرآن ، فهو مرتبط به ارتباطا تاما في حياته ،في ظاهره وباطنه”.

والأمه التي نزل عليها القرآن فأعاد صياغتها ، هي المعجزة التي تشهد للنبي صلعم بأنه أحسن بناء الأجيال ، وتربية الامم ، فنخن نرى ان العرب عندما قرأوا القرآن تحولوا تلقاذيا الى امة يسودها العدل الاجتماعي ولا يعرف فيها نظام الطبقات، الى امة تكره التفرقة العنصرية،وتكره اخلاق الكبرياء والترفع على الشعوب.

فبدأت بذلك تختفي الاثار الفكرية والنفسية لاداب الفرس ، ولفلسفة الروم ،لأن القرآن الكزيم جاء بجديد ، حيث حول الكلام والتوجيه من تجريدات ذهنية نظرية جدلية (كما يفعل الرومان والفرس واليونان) ،الى منطق ملاحظة واستقراء ،ومنطق وعي الكون واحترامه،والتعرف على سننه ومشروعية التعامل معه لعمارة الأرض وبناء الحضارة.

من اثار هجر القرآن :

عندما هجرت الامه الاسلامية كتابها ،او على الاقل اخذت تقرؤه على انه تراتيل دينية ، فإنها فقدت صلتها بالكون ، وكانت النتيجة : أن الذين درسوا الكون خدموا به الكفر ، واستطاعوا أن يسخروه لأنفسهم و ومبادئهم، وإلحادهم ووتثليثهم . أما نحن تركنا وعي المعاني، وادراك الاحكام والتحقق بالعاطفة المناسبة من خلال تشرب معاني القرآن ، فقد اختفى من نفوسنا.

العودة الى القرآن :

يرى الغزالي بضرورة العودة لدراسة القرآن ، وتلاوه القرآن مطلوبة ، والتعبد بتلاوة القرآن كان لاستبقاء الوحي الذي صانه الله في الإسلام ،بينما ضاع الوحي القديم بالإهمال ، والتداخل مع التراجم ، وبأشياء كثيرة . نحن أمرنا ان نتلو القرآن ، ولكن يستحيل فصل المعنى عن المبنى .

القرآن يتحدث عن ان التلاوة هي اساس التوكل ، واساس التوجه واساس صنع النفس البشرية . ولكن ، القرآن يكلم الرجال ليعيد صياغتهم ، ويكلم الأحياء ليحقق استجابتهم، ويكلم العقلاء ليوجه وعيهم، فيجعل منهم أمة تحمل رسالتها، وفعلت حملت الامه رسالتها لأنها فهمت المقصود من إرسال المعجزة الاخيرة ، وادركت أبعادها ، وتدبرت مقاصدها : معجزه انسانية تتصل بإحياء المواهب الإنسانية ،وتفجير الطاقة البشرية لهذا الخلق، وإعادة بناء وتشكيل العقل الإنساني. ا

تقنيات الحفظ،وضرورة استمرار التواتر في المشافهة :

اليوم ومع التقنيات الحديثه ،أصبح الاعتماد على الذاكره محدودا ، حيث تقوم تلك التقنيات مقام الذاكرة. اليوم وقد وجد القرآن مسجلا ، فقد تكون الحاجه الى حفظ الذاكرة تراجعت، واصبحت الحاجه الى المدارسة والتدبر هي الاكثر أهمية ،على الرغم مما في الحفظ من أبعاد تبقى مطلوبة لأكثر من أمر من مثل: تكوين المرجعية للطفل وانطباعه بأسلوب القرآن وكلماته،وتكوين ملكته اللغوية،إلى جانب استمرار تواتر المشافهة وضروره استحضار الآيات في الأداء العبادي، وان كان الحضور القرآني في النفس الإنسانية سوف لا يغني عنه شيء

من تقنيات الحفظ. وبكل الحالات لا بد من استمرار التواتر القرآني ، وهذا جزء من رسالة الأمة الإسلامية .

ما يريده الغزالي هو طرح الموضوع من جديد وأن يعاد النظر في أسلوب الحفظ وتوصيل القرآن إلى ألأجيال القادمة ،فالأمر يحتاج إلى مدارسة وطريقة تربوية تجعلنا نستجيش المعاني، ونحيا بها ولها ، ولا نكون أشرطة تسجيل و كل ما لديها أنها تستوعب الألفاظ ، وانتهى الامر.

دور المناهج التراثية في فهم القرآن والتعامل معه :

هناك مدارس في التفسير، أو –بمعنى أدق- مناهج متعددة في فهم القرآن، تشكل بمجموعها طرائق السلف ومسالكهم في التناول والفهم، ولقد جاءت هذه المدارس في ضوء تحقيق أهداف بلاغية لغوية أو فقهية أو كلامية أو صوفية أو فلسفية أو تربوية… الخ ..

المدارس الكبرى في التاريخ الثقافي للفكر الإسلامي، تلاشى أكثرها ..هناك الآن مدرسة المحدثين ، وهي مدرسة تكافح باسم السلف، لكن قصرت مهمتها وحصرت اهتمامها بعلوم السنة فقط بعيدا عن الرؤية الشمولية لقيم الإسلام وعطائه الحضاري . هناك مدرسة الفقهاء ،وهي مدرسة اقتصرت على فقه العبادات وما اليه، وجعلت منه إطارا لنشاطها العقلي ،وقلما انخلعت بعيدا عنه،واذا تجاوزته فإلى معاملات الأسواق العادية.

وهناك منهج الأصوليين أو مدرسة الاصوليين، وهي مدرسة فيها دقة وضبط للنظر واستنباط الأحكام .إلا ان علم الاصول اصبح على يد المتأخرين علما مضحكا يتصف بالاتي: الخلاصة،التلخيص،الملخص،المتن،الشرح،الحاشية…

وهناك منهج المتصوفه ، او المدرسه المتصوفه ، وهي مدرسه تشينها الخرافه ،لانها اعتمدت على خطرات القلوب بعيدا عن الضوابط الشرعيه واللغوية،وانتهت الى صوره من الاإرجاء والجبريه ادت الى الإنسحاب من المعركة الاجتماعية. ولكن يزينها انها بحثت في الاخلاق وتهذيب النفس وحسن الصله بالله ، ولا بد مناعادة النظر في منهجها ووسائلها وضبطها بضوابط الشريعة.

وهناك منهج الفلاسفه ، او مدرسه الفلاسفه ، ومن رجالها الاكابر الغزالي وابن رشد . ويجب النظر الى هذه المدرسة من خلال ظرفها التاريخي والمشكلات والتحديات التي واجهت الفكر الاسلامي في حينها . اما النظر اليها بعد ان انتهت الي تجريدات ذهنية بعيده عن الواقع قد يكون فيه تجني.

لكي تنتعش الثقافة الاسلاميه يجب ان تعود هذه المدارس بصياغة جديده تستمد تصوراتها من القرآن والسنة وتكون واقعية، متبنية المنهج العملي الواقعي بعيدا عن التجريدات الذهنيه والمنطق المجرد.

ولا بد ايضا ان تعود مدرسة الادب والمدرسة العلميه الني دفنت منذ ابن الهيثم وجابر ابن حيان. فالثقافة الاسلاميه اليوم توقفت عند الحدود التي جمدت عندها مدارس الفكر الاسلامي.

المدارس القرآنيه الحديثه:

يمكن حصر الثقافه القرآنيه الان في عدد من المدارس :

مدرسه الكثيريين ، ويمثلها ابن كثير وتفسيره الشائع، وما يعيب هذه المدرسه انها ربطت تفسير الايات باحاديث اغلبها ضعيف . (فمثلا سيد قطب اعتمدها ، وغيره حيث بنى عليها المحدثون فكرهم القرآني .

هناك التفسير الفقهي للقرآن ، وهو تفسير طوع الايات لاحكام الفقهاء وطريقتهم في الاستنباط ،ولم يهتم الا بايات الاحكام التشريعية ،اقتصر في ذلك على الحكم الشرعي دون المقاصد الاخرى . (الرازي في التفسير الكبير.)

هناك ايضا التفسير الياني ، مثل الزمخشري وابو السعود والبيضاوي .

هناك تفاسير اخرى بالرغم من بلاغتها العربيه وخدمتها للتفسير البياني الا انها اساءت للفكر القرآني. (مثل قصه زينب بنت جحش) قصص خرافيه .

هناك مدارس اخرى لها فضائل ومآخذ. ولكن من اجل النهوض باسلام صحيح واتباع منهج قرآني سليم ،لا بد من العودة الى ما يوجد من اصول يقينيه عشنا بها عقليا . فنحن نحترم المتواتر والحديث المشهور. اما ان يسري فجأه حديث واهي السند ،ليكون حكما على القرآن ،فهذا بلاء .فيجب ان نسعى لصنع ثقافة قرآنيه جديدة ننقي تفاسير القرآن منها .

شمول الرؤيه القرآنيه

المحاور التي يقوم عليها القرآن ليست مقسمة على اساس ان المحاور المختلفه تنتمي الى تبعيات معينه . ولكن نحن بجهدنا العقلي ، نجيء لايه او طائفه من الايات يمكن ان تكون في قضيه واحده، فنرى ان هذه القضيه تماسكت الايات فيها على عده محاور من كلام الله ،والكون ،والجزاء والنفس البشرية ،والايمان ،والاخلاق ،تماسكا غريبا لا يعرف الا في هذا القرآن.

فهذا يدل على ان التصور الحضاري للقرآن فيه بناء للامة.،ويفتح ابصارها على الكون ،ويمنحها الرؤية المتميزة التي تمكنها من الشهود الحضاري على مختلف الاصعده.

اهمية النظر في الايات الكونية:

القرآن يمنح المسلم رؤية كاملة ومنهجا متماسكا يجعل من الحياة خطوطا متوازية لا تصطدم مهما امتد الزمن، فتجعل العلم مع الايمان، او تجعل ما وراء المادة مع المادة ،او تجعل السرائر الباطنة مع المشاعر الحسية ،لا فواصل بينها.

الحضارة الغربيه ، اصبحت في نظرتها الى الحياه والكون ، واكتشافها لسننه واسراره ، اقرب لان تتكلم في كتابنا منا . فمشكلتهم ان القرآن لم يصل اليهم ، فظنوا ان الدين عائق للحركه وعن النظره المنطلقج ، وربما لان الصوره المجسده امامهم هي صوره معوقه.

التكلف في التعامل مع القرآن :

الكون هو الكون ، والفطره هي الفطره، فانا لا ابدل شيئا من هذا . انا فقط اتجاوب معه. اريد ان يعرف الدين على هذا المعنى القرآني السليم ، ولا ان يفهم من خلال تقاليد الرهبان التي اعتبرها القرآن ضد عن سبيل الله.

فالتصوف مثلا ، كان ممكن ان يقدم للبشريه بديلا مقنعا بعلم نفس جديد . وذلك من تعريف عظمه الخالق عندما فطر النفس وخلق الانسان من طين ونفخ فيه الروح..

التقريب بين الدراسة القرآنيه وبين ما وصلت اليه الانسانيه وحضارتها ،يحتاج منا الى ان نتخلع قليلا عن بعض مواريثنا القديمه التي ليست من ثوابت الدين وقيمه الاصيلة والإفادة من الحضارة الحديثة وما وصلت إليه من ناحية وسائل فهم الكون ، ومن ناحية مردود النظر في النفس الانسانية ،واعتماد كثير منها بعد ضبطها بمبادىء الاسلام ومقاصده الكلية.

أبعاد المنهج المطلوب:

المناهج المختلفه من المدارس المتعدده لم تحقق الفقه المطلوب لايات الله وسننه بالانفس والافاق ،ولم تغن العقل المسلم اليوم بالرؤية الشاملة من خلال الواقع والظروف التي نعيشها ،والتوقف والجمود الذي لحق بالعقل وغيبه عن ساحه الشهود الحضاري.

نحن الان بحاجه الى منهج للتحقق بالرؤيه الشاملة ،الموضوعيه وليس الموضعية..

الامر المطروح هو:

كيف نفيد المناهج القائمه في العودة الى النبع الأصلي القرآني ، وهل هذا الميراث المنهجي ملزم لنا ، وهو لا يخرج عن كونه اجتهادا حقق أبعادا طيبة في تحقيق الرؤية القرآنية؟ وهل يجوز لنا أن نقفز ونتعامل مباشرة مع النص؟ وما هي وسائلنا الامنية لمثل هذا التعامل ؟

ان هناك مناهج نقلناها من اصلها الاول ومجالها الى علوم اخرى ،فأفسادناه..نحن نحفظ أن الإسناد من الدين ، ولولاه لقال من شاء ما شاء ..وهذا حق . فان اتي بسند ديني لما اقول ،فهذا مطلوب . ولكن تحول مجال الأدب ومجالات أخرى إلى روايات: هذا لا معنى له . لقد وجدنا مرويات كثيرة حتى أصبحت الثقافة عندنا وكأنها ثقافة نقول. الأدب عندنا توقف بسبب أشياء وحاصرة من هذا النوع . ممكن جدا أن يعود إلى وصف الطبيعة ،ووصف النفس البشرية بعيدا عن النقول التي تجعل كتب الادب كتب مرويات وهذه واحده.

الشيء الثاني هو أن آيات الأحكام ، اذا ما قيست بالايات الأخرى نجدها أنها أقل الآيات عددا. فالقصص القرآني يسوق قصة كاملة من خمس أو ست صفحات ليخلص في النهاية إلى تربية نفس معينة..فالقول بأن منهج دراسة الأحكام ينقل ليصبح منهجا لدراسة الأخلاق ودراسة التربية فهذا غير صحيح،لأن كل منهج له ضوابط ،ولكل مقصد طبيعته وخصائصه. فالاحكام : هل هي عامه؟ هل هي خاصة؟ هل هي مطلقة؟ هل هي مقيده؟..

ولكن عندما ادرس الاخلاق مثلا ، او التربية،او قصص الامم، او الكونيات وما يتصل بها ،فما علاقة ذلك بهذا المنهج؟

لقد تقلصت في ثقافتنا الإسلامية الرؤية القرآنية الشاملة ،واختزلت المحاور والمقاصد ،وأصبحت المصادر الإسلامية تقرأ على انها فقه..السيرة تقرأ على أنها فقه ،السنه كذلك ،والقرآن على انه فقه .. ولا أقصد بالفقه هنا : المعنى العام الذي يعني فقه الحياه كما ورد في القرآن ، وإنما الفقه الذي انتهى إليه المعنى الإصطلاحي وهو: استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية.

المنهج الأصولي مطلوب ،لتحديد المفاهيم وضبط المعاني، خصوصا فيما يتصل بالدين والأحكام الشرعية والقانون . ولكن العقل القانوني يتطلب أدوات ووسائل ،ويهدف إلى مقاصد غير العقل الفلسفي. والعقل الفلسفي غير العقل العلمي الجديد الذي تعتمد وسائله على التجربة والملاحظة والإستقراء والإحصاءات والإختبارات،والإعتبار بذلك كله للوصول إلى الحقيقة العلمية المطردة ..كل أفق له وسائله الخاصة به ..وقد تعددت الثقافة الإنسانية وتشعبت الاختصاصات التي تبحث الآن عن الكون ،وعن الانسان ،واصبحت العلوم الإنسانية الآن : علم نفس، الاجتماع ،الاقتصاد ،السياسة ،الاخلاق، التربيه،الجمال ،التاريخ .. ولكل علم منهجه وطرائقه ومقاصده.

المشكلة أن العقل المسلم توقف عن النمو في هذه المجالات –لعدة أسباب – مع أن موضوع القرآن هو الإنسان ،ومحل آيات الله هو الكون ، ولا بد للإنسان من التدبر في القرآن ، والتعرف على سنن الكون وقوانينه التي لا يتحقق بدون إدراكها تعمير الأرض.. لكن عصور الانحطاط والتخلف والتقليد ،اوقعت المسلمين في عجز الرؤية وجزؤ النظرة وفأصبح الفقه يعني : استنباط الأحكام التشريعية،والدوران في فلك اجتهاد السابقين، شرحا واختصارا ..اما ما وراء ذلك فأصبح للتبرك،وانحسرت الرؤية القرآنية الشاملة.

لذا علينا انلظر الى الامور بنظره شمولية، فنتابع ونبحث ونتعرف على المنهج الذي يحقق الغاية والمقصد لكل علمك لأن تسخير العلم يعني اول ما يعني. اكتشاف قوانينه التي تمكن من التسخير..فنقل طريقة الفقهاء إلى علماء التربية او علماء النفس لا يمكن، فلكل علم منهجه الخاص.

الحاجه الى فهم السنن القرآنية :

السنن الاجتماعية في القرآن هي القوانين المطردة والثابتة التي تشكل الى حد كبير ميكانيكية الحركه الاجتماعية : حركة المجتمع ،وتعين على فهمها ، وكلمه “سنه” تعني القانون المطرد الذي لا يتخلف الا في قضايا السنن الخارقة. .اما السنن الجارية فلا تتخلف ، وان كان لا يرى إطرادها واضحا وصارما كقوانين المادة.

فالمسلمون قد يكونوا بحاجه لهذه السنن ، وفهمها للتعامل معها وتسخيرها للقيام بأمانه استخلاف وتعمير الارض ، اشد من حاجتهم للحكم التشريعي الذي تضخم وتضخم حتى كاد يشمل الاسلام بابعاده كلها ، مع ان الحاجه اليه تأتي ثمره لاعمال هذه السنن.

فكيف يمكن الوصول بالمفكر المسلم لإدراك هذه السنن من القرآن الكريم والسنة ،والتحقق بأبعادها لتصبح فقها تغييريا،ومناخا تربويا يمكن أن تنشأ عليه الأجيال من خلال النظر في القرآن وتلاوته ،مع الإفادة من التبصر في عمل هذه السنن في الأمم السابقة ” ولن تجد لسنة الله تبديلا.”

الاثار المدمره لتعطيل قانون السببيه:

وجد في الامه الاسلامية خطأ قديم، ولا تزال بعض اثاره باقية الى الان، وهو شيوع فلسفة الجبر ، وهي فلسفه عطلت قانون السببيه تعطيلا كاملا .

فالامه الاسلامية لما غاب وعيها بهذه القوانين ، ونسيت المعنى ،اصبحت تتلقى الانتصارات والهزائم دون وعي ودون استفادة ،ودون البحث في اسباب النصر وعوامل الهزيمة .

فنحن لم نفهم سنن الله الكونية في الارض ،حسب منطق التجربه والاستقراء والملاحظة ، وهو المنطق القرآني الذي عرف من كتاب الله ومن تطبيقات النبوه. ولم نحسن الاستفادة من سنن الله في الحضارات والمجتمعات ، وكانت النتيجه سقوط الامه في قبضات الاستعمار. ولم تنتبه ان المواجهه ليست فقط عسكريه وسياسيه ، ولكن الخلل يكمن انهيار الفكر وعدم التبصر الذي يمكن الاستعمار . فالامه لن تخرج من الشباك الا بقوانين مكتوبه عندها في الوحي النازل عليها ، يجب ان تدرسه، وبالتالي، يجب ان تعيد حساباتها عن ماضيها بعد ان تعرضت للاضمحلال والانحلال عندما فرط في سنن الله الكونية والاجتماعية.

السنن القرآنيه من الادراك الى التسخير:

قضيه ادراك السنن هي الحقيقه التي يجب ان تبقى المدارسة حولها . اصبحنا نسمع بضروره الافاده من هذه السنن ،ولكن هناك قيود التقليد الاجتهادي من ترسيبات الماضي التي لا تزال مسيطره . فالكل متفق على ان القران عرض لسنن وعوامل نهوض الامم وسقوطها ، وفيه سنن لا تخطيء ولا تحابى … ولكن ، ادراك هذه السنن وحسن تسخيرها والتعامل معها ، وكيف يمكن للامه بواقعها الحالي ان تنتقل من موقع المعرفه الى موقع الفعل؟

فالتحول واعمال هذه السنن هو المختبر الحقيقي لادراكها والقناعه بها ، ولكن هذه القضيه لم تشكل مناخا عاما يعشه المجتمع او لم تحفر بعد في واقع الامه المجرى المطلوب لسيرورتها.

ولكن ان تدبرنا الايات ، نقلناها الى حقول الممارسه على الاقل ، او الى ميادين السلوك لنعرف كيف نعمل هذه الايه فيما نعاني منه وفي ما نواجهه .

تصويب مناهج الفكر ووسائل التلقي :

اذا تأملنا ملامح الظاهرة الثقافيه التي عليها المسلمون اليوم،بعمومهم ، نجد ان هناك خللا في تلقي القرآن الكريم، خللا في التعامل مع هذا القرآن . هذا الخلل يعود الى طريقة التدريس، الى مناهج التربية ،الى مناهج التعليم، الى مؤسسات تحفيظ القرآن نفسها .. يشارك في هذا الخلل مؤسسات كثيره عامله في بناء الشخصية.

فاذا اخذنا بسنة السببيه . وهي دليل الوحي عندنا ، والتي كان اهمالها من اهم اسباب التخلف في مجال الدنيا واعمارها، والتواكل في مجال الدين والسلوك ، لو اعملنا هذه السنه ،نستطيع ان نحدد موطن الخلل في نظامنا التعليمي ، وفي التعامل مع القرآن الذي هو منبع ثقافتنا الاصلي الذي احدث الظواهر هذه. فتغيير التعامل مع القرآن ،يجب ان يبدأ في اصلاح الخلل في مناهج التلقي ، ووسائط التوصيل، واعادة بناء العقل على منهج فكري واضح نستطيع به تغيير التعامل مع القرآن.

موطن الخلل:

الخلل واقع في المؤسسات الموكول إليها عملية الإشراف على التربية والتعليم من مناهج وكتاب ومدرس ووسائل معينة. انها لم تستطع ان تكون أداة توصيل صحيحة بين الجيل وبين القرآن ومواريثه الثقافية. فصار هناك توارث للتخلف والمرض . فالمشكلة قد تكون في المؤسسات المنوط بها الان تفهيم ويصال القرآن للجيل.

فاذا كان هناك في جامعاتنا (آلازهر وغيره) من لا يزالون يقرءون القرآن قراءة ذات فهم موضعي محدود للنص – وليس موضوعيا- دون ان يعملوا هذا النص في ما نزل من أجله ، وفي ما انزل على محمد صلعم. ..

فبدل ان تنقل النص في افتتاح مدرسه عسكريه ، يجب ان يكون القرآن هو الذي انشآ المدرسه ،واودع روح القتال في ابنائه. يجب ان يكون البناء التربوي والاعداد العملي والتخطيط الاقتصادي والعسكري مبنيا على ان الادوات تجمع ،والاجهزه تحشد ، ورباط الخيل الجديدة –الدبابات وغيرها –تعد . كل شيء يعد .. هذا هو معنى الجهاد ، وفهم الجهاد من القرآن الكريم.

ان الخلل العقلي في فهم القرآن ، فهما عمليا كما توحي به الطبيعة السهلة التي لا تكلف فيها بين الناس ، فقدناه من مده طويله . ويجب على المعاهد التي تكون الدعاه والتي تكون العلماء ان تستنقذ الامة من الورطة التي وقعت فيها.

فلا بد من “الاحسان” بالقرآن .(حديث لا يركب البحر الا حاج او معتمر او غاز في سبيل الله ) مثلا حديث مرفوض.. كأن الامه لم يكفها اهنا قصرت في فهم العمل حتى تريد إفساد المصدر الذي تأخذ منه المعرفة الدينية. وكم من اعتماد موضوعات في السنن النبوية سببت البلاء للأمة الاسلامية على هذا النحو.

التعامل مع النصوص من خلال واقع التخلف:

قد تكون المشكله الفكرية اليوم هي اننا نحمل تخلفنا ايضا لمواردنا الثقافية ،فنفسر ميراثنا الثقافي من خلال واقع التخلف الذي نعيش فيه، فنصير نلجأ الى لون من التفسير المتخلف ايضا . كنوع من التسويغ للواقع الذي نحن عليه.فننتقي بعض النصوص ،ونعتمد الاخر ،وما الى ذلك، دون النظر الى صحتها من حيث السند ،أو الى الابعاد المطلوب إدراكها ،استشعار المسئولية تجاهها ،هذا لانها توافق الحاله التي نحن فيها ،وكأن هذه النصوص بدل ان تكون دافعا للتغيير اصبحت مانعا منه ، تقرأ بمنهج مغلوط يكرس تخلف الأمة وسقوطها.

لا بد من جعل القرآن يتحول في حياتنا الى طاقة متحركه.. اما ان يوضع بالمتاحف او المكاتب للبركة ، او ان نفتح المصحف ونقأ منه آيه او ايات وينتهي الامر ..هذا لا يجوز.

مما لا شك فيه ان ايات الاحكام كانت من وراء جهد الفقهاء في بعض القضايا وبعض الاجتهادات الفقهية.لكن بقية الايات اهملت (ايات القصص) ، والقصص القرآني فيه الكثير من العلاج.

انقلاب الوسائل الى غايات :

ان من كتبوا في القصص القرآني غلي عليهم إبراز الجانب الفني ، وأخذوا بالناحية البلاغية حتى كادت تكون هي الهدف في أعمالهم ، مع انها ويلة واده التوصيل،القالب الفني الذي يغري الانسان بالاقبال على القرآن وفهم أبعاد الايات ،لذلك فقد تكون المشكله او الاصابة في التعامل مع القرآن في قي : انقلاب الوسائل الى غايات . لقد غابت الاهداف والمقاصد وتركز الاشتغال بالوسائل والاشكال. وغاب من القصص الشهود الحضاري التاريخي الذي لا بد من استصحابه للعبرة وتحقيق الشهود الحضاري للامه المسلمه . فاصبح المطلوب التذوق وتدبر الكلمات هو الغايه مما ادى الي الوضع القائم والذي يشكل معوق بين المسلم وكتابه الخالد.

القصص في القرآن هي اساس التربية ،لا التربيه النفسية فقط بل العقلية ايضا . العقل الانساني يجب ان يحرر من قيود الوراثة المخرفة ،وان يكون قادرا على الحركه بل ان القرآن يهدف الى بناء او انشاء عقل تجريبي .

لا بد من النظر في كل محور من المحاور التي دار عليها القرآن لنعرف كيف أخطأ القدامى ،في بعض ما ذهبوا اليه في عصور الجمود والتخلف ،او كيف وقف اباؤنا ولماذا ؟ لقد ظلمنا القرآن بسوء التعامل معه و يجب ان نحسن التعامل معه كما صنع اسلافنا الاولون. فالمصلحون الكبار هم الذين يبدأون من العدم.

فهؤلاء استطاعوا ان يكتشفوا موطن الخلل فيصلحوه ويكتشفوا القابليات فيوظفوها ويثيروها ويشحذوا فاعليتها.

نحن بحاجه الى تجديد، والتجديد هو انه قد يضطر القائد مثلا الي ان يستحدث اساليب لا وجود لها من المقررات التي عنده . فمثلا القياس ، القياس الة تجيء بأشياء كثيرة مع التطبيق المستمر.

الفقه بين دلاله القرآن واصلاح الفقهاء:

قد تكون المشكله من وجه اخر ، ان معظم العلماء المسلمين ، تاريخيا و بسبب الظروف السياسية التي ادت الى انفصالهم عن الواقع ومتطلباته ، صرفوا جهودهم كلها في استنباط الحكم التشريعي من الايات دون الوقوف عند الاهداف الكثيره الاخرى التي جاءت الايه من اجلها. فجعلوا الايات موضوع الدراسه هي ايات الاحكان التي وضعوا لها اعدادا متقاربه (٣٠٠ـ-٥٠٠) .اما ما وراء ذلك من ايات السنن والقوانين والشروط التي قد تكون اكثر اهميه واولى بالنظر من حيث البناء الحضاري ، وشروط القيام باعباء الاستخلاف الانساني ،فلم يعيروها ادنى اهتمام. وبقيت الايات الاخرى تتلى على التبرك ،الى درجه وصل عند البعض وكآن القرآن اصبح كتابا لفقه ايات الاحكام فقط. حتى الايات التي وردت لتبين اسباب سقوط الامم السابقة وعللها ، جعلوها دليلا لصحه القياس التشريعي.

لقد اصبح كل شيء يفسر من خلال الحكم التشريعي ، وتقدم الفقه التشريعي حتى اصبح تجريدا ذهنيا جامدا بعيدا عن واقع الامه غير قادر على قيادة حركه الحياه والاحياء. وهو انقلاب الوسائل الى غايات . فلقد غلبت الالية الى درجه كادت تغيب معها مقاصد الشريعة ،مما ادى الى تحديد المفاهيم والابعاد الاخرى بالقرآن .

لذا بات لا يرى كثير من المسلمين اليوم في تطبيق الشريعة الا تطبيق الاحكام الفقهية : تطبيق الحدود ،وتحريم المصارف الربويه، بينما يصعب عليهم إبصار بقية جوانب الحياة الأخرى من خلال المناخ الثقافي الاسلامي الذي نعاني منه .

انفصال العلم عن الحكم :

مما لا شك فيه ان الفقه الاسلامي تأثر بانحراف الحكم في العالم الاسلامي ، فكانت الخلافه الراشده تمثل الاسلام تمثيلا هو الاقرب الى عهد النبوه..ثم حدث تحول الخلافه الي ملك . في النظام الملكي الذي اقامه معاوية . فهنا حدث تحول بيقين في قضايا اسلاميه مهمه وبدأ يتجمد الفقه السياسي والدستوري للدوله ،كما تجمد فقه العلاقات الاقتصاديه والمالية .والدوليه كذلك..

هنا نجد الئمه الذين قادوا الامه علميا ، ابو حنيفه ومالك والشافعي.. ، وهم فقهاء التزوموا ناحيه فروع الفقه . كما التزم المحدثون روايه السنن. وغلب عليهم الرغبه بعدم الاصطدام بالنظام القائم. فاستفاضوا بشرح العبادات والمعاملات على النحو الذي وصل الينا.

في العصر العباسي، انهزمت الشورى انهزاما واضحا ،وتأثرت السياسه الاسلاميه تاثرا واضحا بتبني الملوك المعارف التي لا تصطدم بوجودهم ،ولا باحوالهم الاقتصاديه التي تحيط بهم او تحرس سلطتهم. ومن خرج عن هذا اما تصوف وابتعز ،اما عاش يتحمل الاذى .

لذا فان العلم المستمد من القرآن والسنه الصحيحه ، انفصل عن الحكم من عصر مبكر ونكمش واصبح تعليقا مرا ولاذعا عند شخصا كالحسن البصري مثلا.

فهذا ادي الى انفصال اخو ، فانقسم العلم الاسلامي بين فقهاء ومتصوفه . فوجد فقهاء يتعاملون بالمعاملات وظواهر العبادات ، ووجد مربون يشتغلون بالاخلاق والتربيه . فالنتيجه كانت فقدان الروحانيه بفريق وفقدان العلم من الفريق الاخر.

اختلال في العلم الديني :

وهو العكوف على القرآن دون بيان السنن، او العكس . فانضم الى السنه حشد هائل من الموضوعات والواهيات وسببت البلبله في الفكر الاسلامي. وانتهي الي تجريدات ذهنية تكاد تضيع مقاصد الشريعة ،مما دفع بعض الفقهاء للتحول عن القياس الى الاستحسان ولان تطبيق القياس بشكل الي قد يذهب بالمقصد.

فالاستحسان كما تقول الحنفيه ، ليس اتباعا للهوى وانما هو نقل الحكم من ملحظ الى ملحظ اخر .

اما القصص القراني ، فلقد انتقل من دراسه تاريخيه لقيام الحضارات وانهيارها الى دراسة روائيه ليس فيها حس بسنن الله الكونيه اطلاقا . مما اوجد مكانا واسعا للاسرائيليات.

والقصص بالمعني الخرافي انتشر في الامة الاسلامية ومس السنة بسوء.

التفسير القراني ابتعد ايضا عن روح القرآن ومقاصده ، فالمحاور القرآنيه بشكل عام لم تجد من يتبناها ويمشي مع افاقها لكي يحققها في الحياه . فتغلب الاسلوب الفقهي عليه انواع البحث التي كان يجب ان تبتكر في الميادين الاخرى .

الفقه الحضاري:

كلمه فقه تعني اكثر بكثير من المدلول الذي حدده الفقهاء بانه هو استنباط الاحكام الشرعيه من ادلتها التفصيليه.

فعمليه الفقه استخدمت في القرآن لمعنى اوسع بكثير من المعنى الاصطلاحي الفقهي . انه الفقه الحضاري بكل ما تشكل كلمه حضاره من ابعاد.

الفقه هنا هو معرفه مستقر النفس الانسانيه قبل ان توجد وهي في الرحم .نحن حريصون على ان تبقى الامه امه امية .

القرآن فتح النوافذ أمام النظر العقلي :

الواضح ان الاسلام اطلاق للعقل لا حجر عليه ، وإعمال له لا تعطيل لوظائفه ، فقد جاء القرآن دعوة الى قراءة كتاب الكون، وتأمل أسراره وسننه وحث الفرد على التأمل داخل نفسه وخارجها للوصول إلى تعاون أفضل مع بني جنسه،وفهم اتم لوحدات الكون وطبيعة الماده.

ولكن :هناك دور مفقود للعلوم الاجتماعيه والانسانيه علينا معرفه الاسباب التي ادت بنا الى هذا الواقع ، والتي لا تزال اسبابه ممتده . فكثير من العلماء والمؤسسات الشرعية ،وعلماء الدين ،والدارسين ، يجدون الأسهل عليهم أن يتخصصوا بالفقه وأصوله ،ويأخذوا مما كتبه الاقدمون ويختصروا ،ويشرحوا ،وما الى ذالك…كا التوجه الى القضية لأنها أصبحت هي الأسهل من ان ينظروا ويكتشفوا ويستنتجوا في آفاق جديده تقوم على التأمل والنظر ، وقد لا يحسنها الا النفر القليل، ويعزف عنها الكثير ،فيزذاذ التخلف والتراكم ، ويزداد الامتداد في قضية كان امتدادها في الاصل غير طبيعي ..وتتضاءل فرص الابداع ،وتغيب شروط النهوض.

وهذه الفقره ، أكتفي بهذا التلخيص ، وهو تساؤل يطرحه الغزالي ويحاول الاجابة عليه ك

لماذا كان الامتداد في القضية الفقهية فقط، وأهملت بقية القضايا القرآنيه في الكتاب والسنه ؟

يقول : الذي اشعر به من قديم: ان فساد الحكم في العالم الاسلامي له جذور ضاربة في التاريخ ،وآن سطوة الحكم الفردي كان من وراء ، لا آقول ضمور الدراسات القرآنية،بل من وراء ضمور الفقه نفسه ..فالفقه تضخم حيث يجب أن يكون ضعيفا . الفقه الدستوري هو الذي جعل الاوروبيين يبحثون عن العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم ،هذا الكلام يكاد يكون ميتا عندنا بعد الخلافة الراشدة،لأن سطوة الحكم هي التي ألجمت الأفواه ،وجعلت الكلام في فقه العبادات يبدئ ويعيد ، وجعلت الكلام في كل ما يبعد عن الحاكم.

فالفقه عندنا تحول إلى نطاق الفقه الفردي ، وغاب الفقه المؤسسي بابعاده المطلوبة ،والدولة هي مؤسسة المؤسسات.

إنها سطوة الحكم …لا شك ان سطوة الحكم كان لها أساس في إفساد الفكر.


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s