المقاطعة هي أضعف الايمان ، ولكن ماذا نقول فيمن لا ايمان بقلوبهم

المقاطعة هي أضعف الايمان ، ولكن ماذا نقول فيمن لا ايمان بقلوبهم

كثرت المحاورات بيني وبين بناتي مؤخرا حول المقاطعة . فبين تشدد واشتياق إلى نوع معين من طريقة الحياة تعودن عليها ، بدت المناقشات تأخذ أقطابا تتنافر أحيانا وتتجاذب في أحيان أخرى .

فكل واحدة منهن تبدو وكأنها تقود جيش في معركة خاوية . خاوية من النفر الذي يشكل جيشا ، وهاوية كذلك من الرغبة في الخوض في حرب خاسرة. فكل واحدة ترجع في كل يوم لتناقش نفس الموضوع بنفس الاحباطات ، لدرجة أصبحت إحداهن عدائية في المدرسة وأخبرتها إحدى زميلاتها بأنها متطرفة .

أصبح الدفاع عن مبدأ بالنسبة لطفلة تتمنى ولو بأضعف الايمان، موقنة تماما بعدم الجدوى الكبرى في هكذا خطوه ، ولكنها تصر على انها الخطوة التي تستطيع القيام بها على الاقل ، وكأنها تحرير لوطن بجيوش حقيقيه .

قد تواجه كل منهن انتصارات صغيرة هنا وهناك . فإصرار ياسمينه على عدم استخدام القطار الخفيف أو أي من وسائل النقل الإسرائيلية في ظل الاعتداءات المتزايده على الركاب العرب ، أعطاها بعض القوة . وفي كل مرة يزداد بطش الاحتلال في جرائمه على المقدسيين تجد سيرينا منبرا لترهب زملائها من مغبة شراء المنتجات الإسرائيلية .

ولكن اليوم ، لمست في حوارنا انهزاما. فبينما كانتا تتبضع (وانا انتظر بالسياره طبعا) ، استلمن صاحب السوبرماركت بأريحا ، الذي اخترنه تحديدا لأنه أعلن بأن محله خال من البضائع الإسرائيلية أبان العتداء على غزه ، عند معرفتهن بأنهعاد ليدخل البضائع الاسرائيلية.

لم يفاجئني رد صاحب المحل الذي يعد ترديد ما يقوله الجميع ، ونوعا ما، البنات ،دافعن عن موقفه مع تعاطف .

الحجة ، بأن الرجل يريد أن يقاطع ، وهو شخصيا على حد قوله مقاطع في منزله ، إلا أن الزبائن تطالب بالبضائع الإسرائيلية مما اضطره للانصياع وذلك لسوء المنتج الفلسطيني . وكأن الحوار جزء من برنامج دعائي ، دخل أحد الزبائن ليقول لهن ، “أنا اشتريت لبن حموده وابني تسمم” . فقال البائع : ” ماذا افعل حينما يرد الزبائن لي الحليب لسوئه” .

ووجدتني أدافع عن لبن حمودة والجنيدي كدفاعي عن حماس . ذلك الدفاع ،لا من اجل الحب ، ولكن من أجل الحق ، ولو بأضعف الايمان .

كنت للحظات سأستسلم لهذه المناظرة التي ينهزم فيها المنتج الفلسطيني ويتغلب المنتج الاسرائيلي بقوة لنقفل باب المقاطعة من جديد . إلا أني وجدت نفسي أقول دفاعا : ” كم كرتونه حليب او علبه لبن تبيع حموده وجنيدي ..يوميا ؟ ومن مره يرجع الزبون المنتج؟ ”

لن أدافع عن المنتج الفلسطيني ، لأنه لا بد من مشاكل فيه ، ولكن هذا لا يعني رداءته او افضلية غيره . فمن التجني القول ان الاطفال يتسممون من الحليب . حالات التسمم تكون جماعيه . فأب يعطي ابن السنتين حليب أبقار ، المشكله تكون في جهل الاب ، وليس في تناول الحليب . تخيلت للحظه ان كل كرتونه حليب باتت خارج البراد لأيام وفسدت أصبحت عرضة لارجاعها واتهام المصنع بسوء الجوده.

وقد اقتربت كذلك من التعاطف مع البائع ولكنه ذكرني بأصحاب المحلات والمطاعم الذين يومنون بحرمة الخمر ولا يقربونه انفسهم ولكن يبيعوه في محلاتهم.

لا أعرف ما هي المصيبة الأكبر التي ننتظرها لكي نصحو . ولكني لم أعد اظن بأننا نحيا في حالة سبات . سيقترب بطش الإحتلال على كل واحد في يوم يقترب أكثر ، فالظن بأن أحدا ببرج عالي لن يقترب من مد البطش اليه فهذا محال .

أحزن لكل روح تزهق في سبيل تحرير هذا الوطن من الاحتلال من أجل شعب لا يستحق الحياة . من أجل شعب كافر.

فالكفر آفة الناس هنا . لأن الإيمان لا يجري في أفئدتهم . فهم من قال الله فيهم ” آفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها”.

فالايمان أيها الشعب الكافر ،ليس في عدد المرات التي تذهب فيها الي المسجد ، وليس في الحجاب ؟ وليس في حملكم للقرآن ومشاهدة البرامج الدينيه. الايمان يبدأ بالإحسان . ولقد انعدم الاحسان من هذا الشعب.

فالقدس تودع في كل يوم يتلو شهيد . أطفالنا الرضع ينكل بهم ويسجنون. صرنا نخاف أن نرسل أبنائنا للمدارس خشية تنكيل أو ضرب أو سجن او قتل . الجنود متربصون على زاوية كل آخر شارع . نرى اما اعيننا في كل يوم مأساه عائله فقد ابنها بصره ، او رجله ، او عضو اخر من جسده امام رصاصه غادره. نسمع في كل يوم عن عائله ابنها الشاب او الطفل موقوف في سجون الاحتلال الظالم بتهمه وبلا . المستشفيات امتلأت بالمآسي . البيوت تدمر على اصحابها . جيراننا ، معارفنا ، اقاربنا ..

ولا نقوى على مقاطعة لبعض بضائع .

ولم أكن قط من المتشددين أزاء هذا الموضوع ، ولكني وبينما أحاول عبثا بث روح في هذا الشعب على الاقل من خلال أطفالي بأضعف الايمان ، أشعر بالأسى من سوء وضعنا كشعب . فالمقاطعة البسيطه قد تعمل فرقا كبيرا . ومع الاسف لا نملك حتى هذا…

لأنه ببساطه ….

نحن شعب لم ننزل بهواننا حتى إلى أضعف الايمان ….

لأن الكفر سمة الشعوب التي انهزمت على أنفسها ، فبقيت لقمة يعلك بها عدوها ويرميها …

الكفر هو الدين الحقيقي لمن خلا قلبه من الايمان … بغض النظر عن الدين الذي يحمله والشعائر التي يتربص لنفسه بها …

Leave a Reply