بينما أفكر في موضوع يشد القاريء الغير فلسطيني لما يجري بفلسطين، أنظر حولي وأقول في نفسي ؛ ما الجديد فيما يجري هنا او الغريب. على العكس ربما ، قد يبدو الإحتلال رحمة بالمقارنة بما يجري في البلدان المحيطة بنا. كيف كانت القضية الفلسطينية أكبر ظلم حل على العرب والمسلمين وكيف أصبحت فلسطين ، كحجمها على الخارطة نقطة في بحر الدماء التي تهدر يوميا حولنا ، لا بل قد تكون مرفأ أمن وسط شلالات الدم المنهمرة.
ماذا يعني ان يقتل فلسطيني آخر على ايدي سلطات الاحتلال ؟ فالعشرات والمئات يقتلوا يوميا في سوريا والعراق واليمن . ماذا يعني ان يعتقل الشباب ظلما ومن أجل حرية رأي او مقاومة ؟ فالسجون والمعتقلات في الدول العربية مليئة بهذه الحواديت ووسائل التعذيب ربما تفوق ابتكارا من أساليب تعذيب الاحتلال.
ماذا يعني هدم منزل فلسطيني آخر ؟ أو مداهمة بلدة ؟ أو وضع حاجز جديد ؟ ماذا يعني أن يجتاح المستعمرون الأقصى في كل يوم من جديد؟ وماذا يعني أن يتسلم فلسطيني أمر هدم أو مخالفة لإزعاج جاره المستعمر؟وما ذا يعني أن ينام أهل غزة في العراء وسيول الأمطار وسط منازلهم المهدمة جراء القصف الذي لم تخمد نيرانه بعد . وما ذا يعني أن تستمر سلطات الإحتلال بعدم دفع مستحقات أموال الضرائب للفلسطينيين من أجل دفع الرواتب ؟
فالعالم المحيط بنا مليء بقصص أعظم وافدح وأكثر مأساوية . مساجد وكنائس تدمر يوميا في أنحاء العالم العربي . منازل وأبنية ومرافق دمرت وأناس شردت وعائلات اندثرت واللجوء لم يعد قصرا على الفلسطينيين. والفقر منتشر والجوع يفترس أجساد المساكين في الجوار.
وماذا يعني أن نكون جزءا من العالم العربي المسلم المقسم . فالخارطة تتسع إلى انقسام الفلسطينيين بين فتح وحماس. فاليوم أصبحنا نتداخل بعد فرز الديانات بين سنة وشيعة . ونتدحرج بين انتماءات أو تعاطف مع إخوان أو قاعدة أو داعش. بين جيش نصرة وحوثيين وتحريريين وجبهات تحرير. بين عسكر وديمقراطية. بين تدين وعولمة . أقليات بداخل أقليات تفتت . الكل يقمع وويفتك بالآخر الذي لا يشمله مهما قرب قبل وقت ليس ببعيد ويكفر.
إلا أن شعورا آخر غلبني … لأن ظلم الإحتلال لا يضاهيه ظلم مهما كبر أو قل . الإحتلال اغتصاب . مهما تغير وجه المغتصب والظروف يبقى الإغتصاب في مشاعر وأوصال المغتصب كالنقش الذي لا يزول . كالجرح العميق الذي لا يمكن أن يشفى . لأن ذاكرة الاغتصاب أبشع وأقبح من أن تزول أو تداوى أو تجمل .
إعتقال ملاك الخطيب إبنة الأربعة عشر ربيعا اثناء عودتها من المدرسة في الأسبوع الماضي ، قد يكون أهم ما استوقفني . وبدون الحاجة لرسم مشهد درامي لاعتقال ملاك ، والتي تضمنت لائحة اتهامها إلقاء الحجارة وقطع الطريق وحيازة سكين. ولقد تم بالفعل الحكم عليها بالسجن لمدة شهرين ودفع غرامة. في حين تختلف رواية أهل ملاك الذين يروون باكين مصير طفلة أمام أعينهم ، بدون قانون يحميهم أو جهة يلجأون اليها . طفلة بدل أن ترجع الي بيتها من أجل الدراسة لامتحان اليوم التالي ، تعيش تجربة تكبر طفولتها وتسلبها كل حلم أو أمل في الحياة. حياة سيصبح حدود الأفق فيها زنزانة لا جدار.
أكانت مشيئة القدر أن يكون إسمها ملاك؟ ليكون اسمها رمزا في وسط كل هذه الدراما الحياتية المتكررة.
ملاك في سجن الإحتلال.
ولا أستطيع إلا أن أفكر بهذه الطفلة ، كيف سيكون يومها وسط عالم الكبار ؟ كيف ستخرج إلى الحياة العادية وترجع إلى صفوف الدراسة ؟ ماذا ستروي لزميلاتها ؟ وسيسأل الاحتلال والعالم فيما بعد ، عن العنف المتأصل فينا …
وقد يكون هناك من يقول ..شهرين ، سيمروا . شهران في عمر طفلة لا تزال في ربيع عمرها . تجربة صعبة ظالمة على من يكبرها بسنوات عديدة. أم وأب ينامون وطفلتهم تقبع في زنزانة وسط برد الشتاء الذي لا تدفئه البيوت . داخل عالم داكن يرعب الكبار ،فكيف سيكون على جسد طفلة لا تعي بعد أكثر مقررات السنة الدراسية وقد تكون تحلم في جامعة وتغير كل يوم حلمها من طبيبة الى صحفية أو رائدة فضاء.
هذا هو الفرق في المشهد الفلسطيني عنه في الأماكن الاخرى . فالإغتصاب ليس عملية قصرية على جسد ورميه ، بل استباحته وجذه والوقوف على جسد تلو الجسد وادعاء الديمقراطية الحقيقية التي تمارسها فعلا إسرائيل على مواطنيها . وكيل الاتهامات نحو الشرق من تنكيل ودكتاتوريات .
العيش في وطن يحكمه المغتصب يختلف .لأنه على خلاف العيش في دكتاتوريات ، فإن قانون الاحتلال هو السائد ، وهو قانون يسنه حارس أمن في لحظة ما . قانون يكتب في كل يوم من أجل إهانتك والتخلص منك في أي أسلوب كان . تطهير عرقي مستمر . لا يأخذ دوما شكل القتل الجماعي ، وإنما يستنفذك يوميا في كل ما يمكن أن يشكل حياة لك . يجردك من كل مضامين انسانيتك ، يجرك نحو عبودية لا يريدها . لأن العبودية أرحم . فهي تأخذ شكلا ما .
فالمغتصب كالمغتصب . يكره ضحيته لأنها في كل لحظة تذكره بقبحه . مهما اهتم شكليا أو جديا بتحسين الوضع أو اصلاحه ، يعي تماما أنه مجرم.
إعتقال ملاك قد يكون في ظلمه وقهر فعله تجسيد لما يحدث حولنا . كما لم تعد الأمور مقصورة على أشخاص وسط فئة عمرية او جنس. فلقد شهدنا منذ العام الماضي تزايد قتل الأطفال من ابنائنا حتى لم يعد قتل الإحتلال قصرا على الرجال من شعبنا .ولم يعد القتل والإصابة والاعتقال محصور في أماكن التماس مع العدو أو خطوط مواجهة . فالقتل يأتيك وانت خارج من باب بيتك لتناول الخبز والحليب من المتجر المقابل .أو عند ذهابك إلى المسجد اذا استطعت الدخول . وقد تدخل الرصاصة غير مدعوة الى صالتك . وقد تكون انت وعائلتك هدف الغارة القادمة .
وقد تكون


One thought on “إعتقال ملاك

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s