هناك شيء مفقود

تهدأ فجأة الأعاصير المحيطة في حياتنا ونرفع كؤؤس الاحتفالات والبهجة والفرحة ، فتعاود العواصف هبتها لنختبيء خلف ظلال لا تحمل شجر ولا تتختبىء وراءها بيوت . ثم نخرج من جديد وندعي فرحة ونقيم حفلة ، ونرقص على نغمات موسيقية وأصوات وزعقات . ونعاود الكرة ، فإذا بنا في نواح ونحيب وصراخ بعزاء.
نتابع الاخبار على استحياء ، فتحمل لنا على حبر الايام والاحلام مزاعم لم يبق بها الا ارتدادات لاصوات مللنا سماعها واصابنا القرف من ضجيجيها وعويلها .
اختزلنا حياتنا بصورة شخصية وجماعية ومأدبة طعام وعفش بيت وادعاء لنجاح او استحقاق لما يمكن تعليقه على جدراننا الواهية لنتفاخر بما ليس عندنا ، ونحزن ونلطم ونشجب لمصاب غيرنا … عن بعد وبكلمتين واشارة وانفعال .
حياتنا اصبحت ذلك الجدار الاكتروني الذي نستيقظ وننام ونعيش من اجله .
فرحتنا المسروقة مدونة فيه . وحزننا المكبوت يتلصص من خلاله بمصائب غيرنا .
صرنا نقيم احتفالات ونفتح بيوت اجر . نقدم لوائح ونسن قوانين ونقيم حكومات ونسقط رؤساء على جدار نتخفى وراءه بشخصيات لا تشبهنا . حتى اصبحنا انفسنا شخوص بلا شخصية . فرحتنا ودمعتنا منوطة بإعلان نقدمه عن انفسنا . جرأتنا وخوفنا مرتبط بمصلحة تحدده لنا أسوار ذاك الحائط.
وجوهنا مفتعلة من تعابير لا تشبهنا . جمالنا فوتوشب(د) لناس نتمنى ان نكون هم . شخصياتنا مبنية على مواعظ وحكم لفلاسفة وعظماء لا نعرفهم ولم نسمع عنهم ولا نفكر اصلا بالقراءة لهم . أجسادنا تستتر وتظهر على حسب الطلب .
كلنا امهات مثاليات وابناء صالحون .
كلنا تتدفق منا العدالة في المطبخ والرتابة بالبيت و الاخلاق شيمنا والمواعظ مرشدنا والقرآن كتابنا على حسب دين كل منا .
كلنا نجاحات متلاحقة وانجازات ثاقبة ومفاخرات لتمنيات ينجزها غيرنا .
كلنا نتظافر في العواء والنحيب .
كلنا نتحد في الشجب والذم .
وكلنا نحيا كذبة لم نعد نعرف اين مداها وما هيته .
لا نعرف لما نكذب وعلى من نضحك ؟
حتى اصبحنا اضحوكة من حولنا وانفسنا
حتى اصبحنا نحيب قلوبنا التي تخشى البكاء لكي لا يظهر بالصورة التالية …
فمشي العالم من تحت ارجلنا
وبنيت فوق صوامعنا ابراجا علت امتداد اصوات مفاخرتنا حتى لم يكد لصوتنا صدى يسمع
وامتد الكون الحقيقي فخرج من اناس حقيقيون بانجازات لا نفهم حتى استيعاب مداها وفحواها.
ولا نزال نتفاخر فيما ليس فينا ومنا .
ولا نزال ندافع عن دين لا نفهمه ولا نفقهه
ولا نزال نتداول ايات واحاديث وكلمات لما لا نقرأ
ولا نزال نحلل وننقح ونستنتج ما لا نعرف
ولا نزال ننادي لحقوق نحن مغتصبوها وراء جدراننا
ولا نزال نطالب بحرية نحن مكبلوها
ولا نزال نبكي وطنا نحن دفناه وبعنا ترابه حفنة تلو الحفنة.
ولا نزال نشجب احتلالا نتمنى بقاءه وراء شاشاتنا الملوثة بحماقاتنا .
ولا نزال نقف مع هذا ضد ذاك .
ولا نزال ندعم ذاك الفريق على حساب الاخر الذي لا نعرفه اصلا.
ولا نزال نبكي دموع تماسيح ، ونعرف معرفة جاهل ، ونلبس جود مقتر بخيل ، وندعي ما ليس في نفوسنا ، ونطالب شبه مطالبات ونشجب شبه شجب وننادي بصوت خافت لكف ظلم لا نريده ان يقترب منا .
ونعيش اشباه حياة … لاشباه بشر ….
في غياب معنى القيم ..التي باتت كلاما منسوخا غير مقروء …فقط معروض على غلاف لا يشتريه ولا ينظر فيه غيرنا ….
آغلفة وصور وكلام …واهية فارغة بلا مضامين …
مثلنا ….


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s