يوم الأرض ….ذكرى لأرض لم تعد

“هنا باقون..كأننا عشرون مستحيل..في اللد والرملة والجليل .هنا…على صدوركم ،باقون كالجدار

وفي حلوقكم ..كقطعة الزجاج،كالصبار. وفي عيونكم..زوبعة من نار

هنا…على صدوركم ،باقون كالجدار .نجوع.نعرى ،،،نتحدى..ننشد الاشعار

ونملأ الشوارع الغضاب بالمظاهرات..ونملأ السجون كبرياء ..ونصنع الأطفال ..جيلا ثائرا ..وراء جيل . كأننا عشرون مستحيل …في اللد والرملة والجليل ..إنا هنا باقون.”

نداء تحول الى صرخة وكتبه التاريخ ليكون لأعداء التاريخ درسا في حب الأرض والإصرار على البقاء ، أطلقه توفيق زياد في مارس ٣٠ ،١٩٧٦ من الناصرةعندما كان رئيسا لبلديتها ليلحق بقرى ومدن فلسطين بداخل الكيان الإسرائيلي ويمتد الى الضفة وغزة والشتات. ويصبح تقليدا سنويا في صرخة للأرض التي سلبت وسرقت وشرد بعد ان شرد اهلها وقتل وذبح وسجن ابناؤها من نكبة ايار ١٩٤٨ الى مذبحة كفر قاسم في ١٩٥٦ ونكسة ١٩٦٧ ، بعد ان قررت سلطات الاحتلال الاسرائيلي الاستيلاء على الاراضي الخاصة والمشاع في قرى ومدن ما كان حتى وقت قليل يسمى فلسطين .

آطلق توفيق زياد وجموع الفلسطينون في قلب الاحتلال انطلاق يوم الارض في مشهد تحول الى ملحمة تاريخية ،كتبها الشعراء وغسلت بدماء الشهداء الارض نفسها طيلة ما اقترب على اغلاق اربعة عقود مضت .

فأشعلت “اناديكم .. واشد على اياديكم ..وابوس الارض تحت نعالكم.. واقول افديكم ….” نيران الشعب الخامدة منذ الاحتلال وهب الشعب في ذلك اليوم المشهود بإعلان اضراب بالرغم من منع التجول وتكالب المجالس المحلية المتكاتفة مع سلطات الاحتلال ، وتحول الى عصيان واضراب فاجأ الاحتلال الذي كان يجلس على مآسي ما اقترفته ايديه الغاشمة من ذل واستبداد وتهميش وترهيب لمن صمد من الشعب أمام هول المجازر التي اقترفت في القرى والمدن المجاورة اثر الاحتلال. فتحولت المظاهرات التي اجتاحت المدن الفلسطينية وقراها جميعا الى يوم يشكل رمزا باقيا للنضال والمقاومة العربية من اجل الارض.

فالارض في مفهوم الوطن المسلوب عرض وشرف . وفلسطين بأبنائها من نكبة الى نكسة الى خلجة قيادات لم تبخل بالدفاع عن هذه الأرض وأسقتها دموعها ودمائها .

وبينما يصادف يوم الأرض في ذكراه هذا العام ضياعا للأمة العربية في انقسامها وتفككها وتشتتها واختلاف امرها ومؤامراتها التي فاقت بطش احتلال وظلم قيادات ، تمثل ويتمثل في تحول كل منا الى أداة لقمع وكبت ما تبقى من وطن بداخلنا .

نشهد في ذكرى يوم الأرض سفك دماء تعدت الستة التي طالتهم ايدي الاحتلال الغاشية قبل ٣٩ سنة لتيتم ابناءهم ، سفك الدم العربي على يد العربي ، لأعداد تتراكم في المئات والآلاف في حصيلتها.

نشهد في يوم الأرض هذا وطنا لم تعد الأرض فيه هي العنوان في وقت تفشت فيه المستعمرات كالسرطان الذي يستفحل ولا يزال يستفحل في الجسد الفلسطيني واصبح كالمرض المعدي وطال الاجساد العربية البالية .

في يوم الأرض هذا لم تعد الأرض المهودة هي الملاذ .. فالجدار والسياج والعزل والتشتيت بين شوارع وحواجز وثكنات عسكرية ممتدة على كل المساحات وفي كل الاتجاهات. والشتات الداخلي والتقسيم وعدم الامن والايمان بالقيادات حالنا الذي اصبح يهلكنا فنرى انفسنا نتهالك امامنا وما من مغيث ولا من ملبي لنداء …

ولا زلنا كشعب نخرج من قلب الحصار والكبت والظلم في هكذا صرخات ، منددين بالاحتلال وصنيعه من خراب وشتات . نلوح بالاعلام الفلسطينية رغم انوفهم وننشد بأعلى اصواتنا بأن فلسطين لن تزل عربية…. الا ان في داخلنا باتت فلسطين تموت رويدا رويدا ..

فاصواتنا لم تعد تعبئ الفراغات التي ملأها من قبل توفيق زياد ومحمود درويش وسميح القاسم . فأصبحت الهوة كبيرة ما بين اصوات جوفاء كثيرة عقيمة بأجساد سلبت من تحت اقدامها الارض تدريجيا حتى انها لم تعد الا ذكرى يوم آخر من الذل والهوان والعدوان …الذي لم يعد يقتصر اليوم على الاحتلال.

فالإصرار على البقاء والمقاومة عنوان لشعب تحكمه قيادات تركت الأرض وأدرجت المقاومة تحت وطأة الإرهاب يدا بيد مع الاحتلال.

لم نعد نعي في ذكرى يوم الأرض عن اي ارض ندافع ونحارب. لم نعد نعرف ان كنا سنبقى ام سنجد انفسنا في يوم نرحل في تبادل سكاني ما او صفقة فاشلة اخرى تنهي ما تبقى منا ..

فاليوم في ذكرى يوم الارض لم تعد الارض هي عنوان تحدينا ولم تعد الأرض هي من اهم مطالبنا ولم تعد الأرض المسلوبة موضوعا اصلا لاسترجاعنا.

فاليوم في ذكرى يوم الارض نقف نصرخ ونستغيث لأنفسنا من اجل التأكد من اننا لا نزال باقون … ان الانسان فينا لا يزال حيا يتحرك يتفاعل ولا يزال يتذكر بأننا شعب تحت احتلال ….

ولن أجد أبلغ من كلمات درويش في ذكرى يوم الارض في سنة غائبة ” كأني أعود الى ما مضى …كأني آسير امامي…وبين البلاط وبين الرضا ..اعيد انسجامي. انا ولد الكلمات البسيطة ..وشهيد الخريطة…انا زهرة المشمش العائلية . فيا ايها القابضون على طرف المستحيل ..من البدء حتى الجليل..أعيدوا الي يدي…أعيدوا الي الهوية ….

وفي مكان آخر يكمل في نفس القصيدة : ” بلادي البعيدة عني…كقلبي! بلادي القريبة مني …كسجني! لماذا أغني…..مكانا ووجهي مكان؟ لماذا اغني ..لطفل ينام على الزعفران ..وفي طرف النوم خنجر…وامي تناولني صدرها …وتموت امامي …بنسمة عنبر؟”


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s