يذكرني الهجوم السافر على اسلام البحيري ، بذلك الهجوم الاجرامي على نصر ابو زيد وذلك على فرج فودة باواخر القرن الماضي. لم اكن اعي من هو نصر ابو زيد ولا من هو فرج فوده في حينها ، الا انني صفقت وهللت مع المهللين ، وصرخت مع الصارخين من اجل اسقاطهم. فكل من كان يتعرض للاسلام بكلمة كان عدوي الشخصي. وقد اتكلم عن هذا الغباء بشجاعة لصغر سني حينها وليس فقط لجهلي. ولربما حينها ايضا ، لم تكن تكنولوجيا المعلومات متوفرة لمعرفة الحقيقة من كافة ابعادها كما هو الوضع اليوم .

وكبرت وزاد وعيي قليلا ، وتشرفت بدخول عالم المعرفة من خلال فرج فودة ونصر ابو زيد في بعض الحيثيات . وكرست نفسي في مواضع عدة بالدفاع عنهما تعويضا عن جهلي السابق وحكمي المبني على الركض والالتفاف وراء جمهور الاصوات .ومنذ زمن وعيت على الفرق بين ما يقال وبين ما كتب ، وبناء على ذلك مشيت على درب الحقيقة التي سرعان ما تأكدت انه درب استثنائي لا يسلكه المعظم.

وفي ظل الهلهلة الجديدة على اسلام البحيري (آلذي لا اعرفه ولم اشاهده ولم اسمعه) عادت الى ذهني ذكريات الهجوم على نصر ابو زيد واغتيال فرج فودة .

وعلى ما يبدو بان قصور المعرفة الماضي بيد البعض من العارفين لم يكن سببه قلة الامكانيات التي تتوفر اليوم . ولكن الجهل المتأصل فينا . وفي كل يوم يزداد تساؤلي عن هذا الجهل بينما نعيش في زمن يزداد فيه عدد المتعلمين وحاملي الشهادات العليا وكأننا في سباق نحو العلم تحت اسم الشهادة . الا انه يبدو ان السباق فقط نحو لقب فارغ من كل واي مضمون.

فالعلم نور كما قيل لنا عندما كبرنا . ولكن اي علم مقصود واي نور ، فكل شيء يبدو معرفا في مفاهيمنا الا المعرفة الحقيقية . فمع الاسف لم تساعدنا المعرفة من خلال الشهادات التي نجتهد ونحرص على اقتنائها على ان نعرف . بل حاصرنا انفسنا في زوايا شهادات لا تخرج معرفتنا عن كلماتها . وتركنا المعرفة بأيدي اصحاب العرفة السابقين . واكتفينا بمعلومات لا تتعدى الجمل القصيرة عن موضوع علمي هنا وآخر ثقافي هناك . وجلسنا بانبهار امام الشاشة نتثقف بعد البرامج الحية التي لا حصر لها لغسل ذنوبنا من انبهار الاضواء بين فضائح مشاهير وعري اجساد مغنيات وراقصات لنستمع الى الدعاة من كافة الاشكال والاصناف وتبعناهم تبعية الولاة والصالحون من السلف . واصبح الاسلام على الشاشة ينقل مباشرة من فم الرسول علية الصلاة والسلام والصحابة على لسان ذلك الداعي وذاك الشيخ والمفتي . فتصدرت لنا الفتاوي عبر رسائل قصيرة وتويتات واحيانا بصورة بيان . والشاطر ذلك الذي ينقل عن هذا الصحابي او ذاك .

وتدحرجنا في سباق سلفي واخر تقدمي نحو من هو الاحق وما هو الاصلح . نتمسك في مكان ما بدواخلنا باسلام يرجعنا الى حضيض القرون بلا وعي بينما نترك القيم الابدية برسالة هذا الدين.

ففي ظل الهجوم على البحيري ، اكتفى الجميع بنقضه وشجبه او تشجيعه وتأييده بالاستماع لذلك الشيخ او المفتي الذي ينتمي الى المعسكر المؤيد او المخالف. ولم يفكر احدا منا بالرجوع لما يتكلم عنه الرجل بحثا في تلك المصادر.

فقد اكون من اشد المنتقدين للكتب التي صارت تسمى قديمة للسلف الصالح وغيره ، وقد يكون كلامي وبفضل الله مبني على سنوات من البحث والدراسة في هذا المجال ، الا ان ابسط ما يمكن ان يقال هنا ، بأنه من الاجحاف رمي ما حمله التاريخ الثقافي الممتد في الاسلام في هاوية التاريخ . كما هو مجحف في حقنا كمسلمين التمسك بما كتب بحرفيته هكذا بلا وعي ولا دراسة .

والمتعمق في هذا المجال يعرف ويعي تماما بان الحديث عن هذه الامور لا يآتي بتقليب صفحات كتاب ولا التبحر في فكر فقيه . الا انه وفي كلتا الحالات ، لا بد من الاقرار بأهمية ما كان . ولكن من الاهم هو التعقل في كيفية اخذنا له. فأتفق بان الكثير مما جاء بالصحيحين قد لا يكون صحيح ، لانتفاء المنطق في الكثير من المواضع . ولكن مما لا شك فيه ان الجهد الذي بذل من اجل وضع تلك الكتب كان عملا جليلا وتنتفي الضغينة منه في معظمه . الا اننا يجب الا ننسى ابدا والا انتغاضى عن الظروف التي وضعت وكتبت فيها تلك الكتب.

وما ينطبق على البخاري ينطبق على الجميع.

مع الاسف اننا معشر العرب المسلمين في هذا العصر لا نزال نفتقد الى الاعتقال الى العقل. ندعي بان الاسلام كان خلاص الجزيرة العربية من الجهل ، ولا زلنا لا نعي ما هو المقصود من ذلك الجهل . ولا نحاول ان ننظر حولنا وبدواخلنا لنفهم بان الجهل ليس بعبادة صنم او حجر ، ولكنه بالضبط بما نفعله اليوم ، بترك كلام الله الحقيقي (القرآن) والذهاب الى الوسطاء ليدلونا على دروب الايمان . ولست اقلل في شأن كل من يحاول من شيوخ وعلماء . ولست ادعي سهولة الفهم ومعرفة الشرائع والقوانين . ولكننا في ظل التهافت الذي يجري حول هذه الامور مطالبون بالاجتهاد الشخصي من اجل الرجوع الى الكلام الاصيل . الى العبادة الحقة . فلطالما عشنا على اننا كنا ” خير امة اخرجت للناس” ، فكان هذا عندما اصر الرسول على محاربة الجهل والثبات امام الخالق بلا وساطة . فتعرض لما تعرض اليه من نبذ ورفض وسخط بسبب ايمانه بالحق . فكيف نقبل على انفسنا اليوم بمحاربة او اتباع من يجتهد ليقول كلمة حق قد يكون مخطئا او محقا في فهمها او سردها . الم يعي المسلمون بعد لما قال الله في كتابه الذي ندعي قراءته وحفظه وتلاوته ” انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظين” ولما قال ” ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين.” فلماذا تركنا القرآن لكل من يدعي العلم واكتفينا بان نكون فقط تابعين مرددين . اليس من الاجدر ان يكون الرسول هو قدوتنا . اتركنا كل ما قام به الرسول من تحديات وتمسكنا بما قام به الرسول من افعال يومية لا تقدم ولا تؤخر من شأن المسلمين ؟ اليس من الاجدر الاقتداء بتلك البطولة التي رفعته الى منازل الانبياء بسبب صموده وتحديه وايمانه بما لم يتفق مع عشيرته وقومه وحتى سلفه؟ واليوم نهاجم هجوم الوحوش وندافع بشراسة عن كل ما يقول كلمة حق اتفقنا بشأنها او اختلفنا . والحق ليس مجردا بادعاء او اثبات . الحق هو كل اجتهاد شخصي في محاولة الوصول الى الحقيقة . فلما نصر على قمع الاصوات التي تحاول فهم حقيقتها حتى ولو اخطأت . فالاسلام بني على الاجتهاد الفردي . فطولبنا بالرجوع الى قلوبنا عند اشتداد ازمات فهمنا ، فكيف نقوم بالحكم على من قال رأيا مخالفا لما نفقه او انفهم ونصر على محاربته كانه يعادي الله . لما كل هذا الاستهزاء بهذا الدين والاصرار على اهترائه بالتمسك بما لا ينفع ولا يجلب لنا الا التخلف بدل التقدم ويؤكد على اهترائنا كأمة . لقد اعزنا الله بالاسلام واصرينا ونصر ان نذل انفسنا والاسلام بالتمسك بجهلنا .

العالم يرفع بالمحاولة والخطأ. العلم يبنى على النظريات الخاطئة والمحاولات الفاشلة المتعددة والمتكررة . الانسان يصلح حاله بعد النهوض من كل وقوع . هكذا نتعلم ونصبو الى خير ما خلقنا لاجله . ليس من خلال ترديد شعارات لا نفهمها حتى بين شجب وتشجيع. بين اسقاط ورفع لاي حاول ويحاول ان يقترب خطوة نحو الحقيقة التي من اجلها وجدنا ولاجلها نريد ان يصلح حالنا….

كفانا جهلا


2 thoughts on “كفانا جهلا
  1. أوافقك في الفكرة الرئيسة أن حرية الفكر لا تقتصر على عصر وأن باب الاجتهاد يجب أن يظل مفتوحا الى يوم الدين.
    أوافقك أيضا أنه من الاجحاف رمي ما حمله التاريخ الثقافي الممتد في الاسلام في هاوية التاريخ، كما أنه من الاجحاف اقفال باب الدراسة لما قام به الفقهاء في العصور القديمة ومنع أي محاولة لتكييف الدراسات السابقة الى واقعنا الحالي بدرجة اختلافه عن الواقع الاجتماعي والسياسي الذي كان سائدا قبل مئات السنين.
    ولكني أختلف معك في مفهوم الاجتهاد الشخصي كسبيل لبلوغ الكلام الأصيل. فكما لا نتوقع من شخص يجهل علوم الطب أن يفتي في أمور طبية، نرفض قيام من يجهل في علوم الدين الافتاء في أمور فقهية حياتية.
    أورد مثالا موضوع التعاملات البنكية في عصرنا الحالي ومدى شرعيته. لا أقبل أن يقوم بوضع القواعد لهذا الأمر من لا يفقه بقواعد التجارة والصناعة والمعيشة في أيامنا هذه وفي الوقت ذاته لا يفقه بالأمور الفقهية التي تحلل البيع وتحرّم الربا.
    مع اختلاف فلسفتي الشخصية عن تلك التي كان يروّج لها نصر حامد أبو زيد، أوافقه الرأي أنه من الطبيعي أن تختلف الاجتهادات من عصر إلى عصر، بل ومن الطبيعي أيضا أن تختلف من بيئة إلى بيئة، وأن تتعدد الاجتهادات بالقدر نفسه من مفكر إلى مفكر داخل البيئة الواحدة.
    أما اسلام البحيري، فلم يرقى طرحه الى ما يستوجب مني التعليق، فسطحيته تصدمني، وجهله بالفقه والفكر الديني يثير بي الشفقة عليه.

    Like

    • اختلافنا واختلاف آراءنا هو مفتاح تقدمنا وتطورنا. اتفق مع اختلافاتك معي .، خصوصا في موضع مفهوم الاجتهاد. الا انني مبدئيا وكما اشرت لمثال الطبيب ، فبينما من الطبيعي والبديهي ان غير الطبيب لا يفهم بالطب ، الا اننا مثلا ومع الخبرة والمعايشة ، هناك ما نكتسبه ، مثلا الام في البيت تستطيع ان تحك احيانا بشأن حالة مرضية تستوجب اخذ المسكن او خلطة اعشاب الخ… الا انها في حالة الضرورة تذهب الى الطبيب . يمكن ما ال حالنا اليه هو مثلا تخصيص الطب للاطباء مما جعل الامهات يسرعن الى الطبيب مع كل عطسة وارتفاع لدرجة حرارة. مع بديهية هذا المثال ، الا انه من خلاله يمكن فهم ما اريد الوصول اليه . فلا اقول ان المطلوب مني الافتاء في كل امور الدين . فاصول الدين علم كامل يحتاج الى العديد من السنوات لدراسته وفهم مقاصده . وليس من المطلوب من كل مسلم ان يكون عالما . وبين الدراسة العلمية والاجتهاد المعرفي الانساني عالم كامل ، مطلوب منا كغير علماء فهمه بالحد المطلوب. فمن اجل ان افهم ضرورة الوضوء ، لست بحاجة الى مفتي ولا الى عالم. هناك بالاصل ما يربطنا انسانيا وغريزيا بعاداتنا وتصرفاتنا وابعاد حياتنا.
      بالنسبه لاسلام البحيري ، كما قلت سابقا ، فلم اشاهده والحقيقة اني بمبدأ شخصي ارفض مشاهدة والاستماع الى كل هؤلاء لاني ومبدئيا اامن ان ما يقدمه اولئك هي اجتهادات شخصية مبنية على بعض القراءات التي استطيع نا (وانت ونحن) قراءتها وتأملها . فانا ارفض ان يكون اي عبر شاشات التلفاز هم الوسطاء بيني وبين طريقة ايماني. الا انه وبلا ادنى شك ان هؤلاء لهم سوق ومطلوبون في هذا العالم الذي نعيشه والذي لا يمكن ان يخطو المرء خطوة بدون فتوى او رأي شرعي . وبين متزمت ومنفتح تكمن المشلكة لاننه متلقون فقط . فنفرح او نغضب بنفس الوتيرة . لان المنطق والتفكير غير موجودين في طريقة استيعابنا للامور. ولذا فالموضوع ليس بتسخيف او تضخيم اسلام البحيري او غيره . الاصح كان ولا يزال هو التوقف عند ما يفكر به وتأمله ومراجعته ، والاتفاق او الاختلاف معه . اعجبنا ام لا ، هناك امور مهمه اثيرت يجب عدم خلطها في تشخيص الموضوع بشخص الرجل. ويبقى رأيي الشخصي دائما باحترام اي رأي مخالف او مشابه ما دام هذا الرأي لا ينهج الى التشويه او التحقير .

      Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s