اريحا …كانت تسمى مدينة القمر

في كل مرة أدخل فيها الى اريحا ، بعد الخروج من سلسلة الجبال المتاخمة للطريق والتي تبدو وكأنها تلامس السماء وتسجد خشوعا دائما امام البحر الميت الذي بالرغم من تآكله مع مرور الزمن ، لا يزال يشكل وسماء الطريق رسمة يعجز اعظم الفنانون مزج الوان بهائها وجمالها وصفائها . مشهد مليء بالالوان الصافية الواضحة لبهاء سماء وشموخ جبال وانحدار ووديان وصفاء بحر ، لا تصدق الا انه من ابداع فنان .

ادخل اريحا بنفس العبق المصاحب لهدوء المكان وانسجام الارض واستوائها . اشجار النخيل والمزروعات البرية وغيرها لا تحتاج الا لرمي بذرة لتراها بعد ايام وشهور قليلة مترعرعة وكأنها كانت دائما من عبق المكان .

لا استطيع الا ان احمل معي في كل لحظة من وصولي لهذه المدينة ،ذكريات طفولة غنية مشبعة بالمكان .فشوارعها قطعتها مشيا وعلى الدراجة الهوائية وكبرت ولم يكبر شعور الحرية والانطلاق الذي بقي معي وهذا المكان .

الا ان اريحا اصبحت مشتى ومصيف الاغنياء الجدد وغير الاغنياء في السنوات الاخيرة . فصار المتسابقون على التبرج بالحياة يعكسون امراضهم الاجتماعية بابنية عالية وضخمة ومكسوة بالحجارة والرخام . فصار يخترق جمالية المساحة الممتدة بنايات لا معنى لها ولا بها ادنى حس من الذوق الفني والمعماري ،حتى البيئي . ولا اعرف اهو عادة عربية بحب التبرج والتفشخر والبذخ ؟ ام هو امتداد لآثار السلطة الذي صاحب الارض جميعها منذ مجيئها ؟

فلا تزال تسلك الطريق الرئيسي وينتابك بعض الأسى لخرق جمالية المكان يهكذا بناء ارعن . لتتفاجأ ، ويأخذك ربما مرات ومرات مثلي لاستيعابع ما ترى . فسجن اريحا على مشارف المدينة يزداد غلوا في حجمه في كل مرة ، حتى انتبهت وتأكدت اخيرا بان ما اراه حقيقة . وكأن البلد مليء بالمجرمين ، وكأن المؤسسة الوطنية قد اكملت واجباتها كلها تجاه المواطن من مدارس ومؤسسات ومرافق ولم يتبق الا الاستثمار في هكذا سجن .

وما رافقني من تساؤلات اليوم ، هو طريقة بناء هذا السجن وكأن باولو فريري وتربية المقهورين تلاحقني كالللعنة . فلم استطع التوقف عن رؤية واضحة لا تحتاج الى دهاء ، فجدران السجن العنيفة المنظر تشبة الجدار الفاصل العازل العنصري المحيط بنا كيفما اتجهت انظارنا …الا وصولا الى اريحا . اكان من المفترض ان يكون الجدار هنا وتبرعت اسرائيل به للسلطة لتجميل السجن مثلا؟ ام المهندس او المقاول المسؤول من مقاولي بناء الجدار العنصري ، ولا يعرف غيره جدارا ؟ ام لان الجدار العنصري الذي احاطتنا به اسرائيل اثبت نجاحه في عدم الاختراق فقرر المسؤولين بناء سجن جدرانه احكم . وللحق الجدار يبدو الطف . فهذا البناء المكون من الباطون المسلح يبدو وكأنه كان هناك كرم ما في خلطته وفي وفرة الايدي العاملة فيه .

ولست اتهكم تحديدا .. ولست ضد بناء سجن محصن . ولكن … اليس هناك ادنى معايير للبناء في هكذا مدينة حتى من قبل الحكومة؟

فكيف اتذمر من المباني الضخمة الغير متناسبة مع طبيعة المكان وبيئته وهناك سجن عملاق وكآننا في صحراء عزلاء .

فأريحا اقدم مدن التاريخ البشري … أريحا مدينة القمر …

اريحا تحتاج منا رفقا حضاريا … ولقد ضاعت منا الحضارة والوطن


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s