Monthly Archives: July 2015

http://www.wattan.tv/ar/news/142021.htmlمهاترات وطن : شعب يقتات من المصائب فتات الوجود

حرقوا (علي) الرضيع في نابلس ولقد سبقه بالحرق(محمد) مراهق في القدس. ومع نهاية الليل غدرت رصاصات الاحتلال فتى أخر(ليث) من مخيم الجلزون ، ليحرق قلب ام فلسطينية أخرى لتنضم لقافلة الثكلى التي تزيد في الصعود.

كيف يصبح الموت خلاصا في هكذا حياة لبعض الناس . عندما يغيب الحق وتنام الضمائر ويطغو الظلم وينعدم الحياء.

وبينما لا تزال الساحة الاعلامية تعج بالاخبار المتعلقة بمقتل الطفل الرضيع “علي” حرقا ، ويخرج كل صاحب سلطة بالشجب ببيان صحفي او تعليق فيسبوكي . واقتراحات تطرح من قبل قياديين وكأن الحرب ستفتح لنا على ابواب الفيسبوك وسيكون الانتصار قادم لا محالة . فلقد انتصرنا في معركتنا الاعلامية وانتصرنا للطفل الشهيد عندما دكت الهاشتاغات تغريدات الانترنيت وحصلنا على أعلى مراتب الهاشتاغ لليوم . وكجنود من ورق طار نضالنا بعد اول نزول للشارع . الاحتفالات كانت تعج بصالات الافراح والفنادق وبموسيقى صاخبة وألوان زاهية ، حسبت للحظات ان الانتصار قد أتى والاحتفالات قد بدأت . فللحق كان يوما صحبه انجازات فضحنا فيه الاحتلال وبشاعة صنيعه وجاء وقت الاحتفال.

في الطريق ما بين رام الله والقدس، بدت الحياة طبيعية والموسيٍقى الصاخبة تخترق هدوء الليل والاضواء . ولاننا انتصرنا لانفسنا رجعنا الى ما نحن عليه من اقتتال لاي سبب ، واذ بالسيارات والشباب متزاحمون بين صراخ وهتاف واصابات ، ليتبين انها “طوشة” امتدت من شعفاط لبيت حنينا ، لولا تدخل قوات “الاحتلال” الغاشم لتفك القتال وتفرق الجموع المحتشدة الغاضبة .

والفيسبوك والاعلام لا يزالان يحاربان …

فشهيد في الجلزون واشتباكات على نقاط التماس، والقدس تنتصر لضحايا الحرق وتخرج في مظاهرات ..

وبين كل هذه المصائب تخرج حكومة “مجددة” من مخاض ، يعطي تفسيرا منطقيا للحكم الشرعي الذي يقر بأن فترة الحمل والولادة للمرأة قد تصل الى اربع سنوات(الشافعي وأحمد) . وما يجوز بالقاعدة الشرعية في ما يبدو للعقل والمنطق مستحيل ، من الممكن ان يتحقق كذلك كما هو الحال في حكومتنا المؤقتة الانتقالية الوفاقية والتكنوقراطية ميسرة الأعمال حتى الانتخابات بعد ستة أشهر (منذ إعلانها الاول قبل سنوات) . فبينما تبكي الامهات ابناءها وينفض الاباء التراب بعد دفن فلذات قلوبهم، تخرج الحكومة الى الحياة من جديد . تخرج كالمولود المشوه الذي تعفن في الرحم ولم يعد لخروجه طعم ، ووجوده لا يجلب الا الالم والحسرة . في وقت نحن امس فيه من اي وقت اخر لما ممكن حتى ان ندعيه من وفاق ، ينتهي الوفاث المزعوم ، وكأن الحقائب التي شغلها من لا ينتمون تماما لجماعة الحكم عقيدة ومكانا لا تحتمل الانتظار ، فهناك طابور وطني ينتظر دوره في التوزير. وان كانت هذه الحكومة انتقالية فهي في كل يوم تتثبت على الارض وكل صاحب سلطان يزيد في سلطانه . فما من رادع وما من حسيب ولا رقيب. ونتداول بوقاحة مع الحكومة المبجلة ما تم اضافته لزبد القيادة الرشيدة ، وكأن التغيير ممكن والمشكلة كانت في شخص ما او افعاله . فما الفائدة من تعديل لا يحاسب الفاسد ويبقيه ؟ تعديل لا يقدم للوطن الا رصيد اكبر من النفقات على حساب الشعب الذي بات يلهث جوعا.

وتخرج جنازة أخرى ، لشهيد جديد … وتمشي قوافل المتسلقين على مصائب الشعب في العزاء من أجل استحقاق آخر في ظهور إعلامي وشجب ببيان وتنديد وتهديد وعويل.

ليعقبها ربما، كما بالامس، فرح يشارك فيه نفس المعزون من القيادات المنددة الثائرة بالطريق.

انفصام جعلنا نقتات على المصائب ، شعبا وقيادة ، حتى اصبحت لنا وجود.

عندما يتهاتر الوطن
استوقفني خبر تداولته شبكات التواصل / الاعلام كان تحت ما يبدو من عنوان : الجامعة الاردنية ترفض طالبة فلسطينية حصلت على٩٠ بالتوجيهي بكلية الطب . وما كان اعظم من الخبر وفحواه من مأساة ، ردود الناس على الموضوع . فقبل الحديث بما يجري بِنَا كشعب طاله انعدام الوعي وطغت عليه التهافتات والدسائس والنميمة ، أفكر بما الذي يجعل هكذا خبر مهما للنشر او / و القراءة . أين الخبر في هكذا خبر. ما هو الغريب في رفض الفتاة في كلية الطب في الاْردن في حين انها لم تكن لتحصل على اي فرصة لتقديم الطلب في الجامعات الفلسطينية التي وبالرغم من كون ال٩٥ هو الحد الأدنى للقبول في كليات الطب في الجامعات الفلسطينية والتي لا يكون هناك فرصة حتى لهولاء لان المقاعد تشغل وبسرعة البرق من قبل اصحاب علامات وصلت ل٩٨ .
وان كان في الخبر مصيبة واستخفاف ونوايا شخصية او غيرها ، فردود الناس على الخبر كان اعظم مصابا .
تكلمي عن الخبر ليس الا في سبيل العرض لمشكلة أصبحت كأنها عادية في طرحها وفي التعامل معها . فنشر هكذا اخبار يمكن وصفها بالسخيفة والغير مهمة وأكثر من ذلك كارثية بالرغم من عدم أهميتها ولكن تلقي الجمهور لها والتعامل معها باهمية وطلب هكذا اخبار هي مشكلة اخرى. في زمن اصبح كل شيء فيه متداخل ، فان المسؤولية من قبل ناشر الخبر وقارئه متساوية . فنحن كشعوب نحاسب اليوم على حسب افعال حكوماتنا . ووضعنا مع الاْردن حرج وعلى مهب الريح منذ قضية الفيفا . وبهكذا أمور كبيرة تترك الصغائر لتكون الشعرة التي قسمت ظهر البعير. فإذا ما كانت الحكومة الاردنية قد تصرفت بمسؤولية في احتواء الأزمة في حينها لكي لا تصبح أزمة وطنية وشعبية، كان الشعب الفلسطيني المسكين كله سيكون ضحيتها . فان هذا لا يعني أننا كشعب باعلام او غيره نخلي ساحتنا من المسؤولية . ولا اعرف لما تهيأ لي الشعب الفلسطيني برمته بهيئة رجل ما يحاول السفر الى الاْردن ويتم التنكيل به من اصغر جندي او حارس يدخل شبكات تواصلنا وكان قد رأى القدح الذي وقع . الا يكفي اننا نتحمل وزر قيادتنا دائماً بافعالهم واقوالهم ؟ اعلينا ايضا ان نتحمّل عواقب سخافات غير مسؤولة ولا باي وجه حق ولا من اي داعٍ لها ؟
هناك غياب للوعي اصبح جماعيا . ولا زلنا لا نعي بان انعدام الوعي حتى ولو كان فرديا فنتيجته كارثية على الجماعة وعلى الأمة . فنحن ننجر في انهدام وعينا الى حطام يظهر في صورة اللا مسؤولية واللا مبالاة .
ترى التعليقات على كافة الأمور وكأن هناك حالة من الهيجان .حالة طفح تتفشى حتى باتت تغير ملامحنا وتحفر في نفوسنا .
افهم حالة الاحتقان السائدة . وافهم كذلك الشعور المسيطر علينا من بُعد الأمل وهروب الفرص من حال أفضل . فالمؤشرات التي تؤكدها الأخبار المتداولة وردود الأفعال عليها لا تبشر بخير لشعب لا يزال يحاول لملمة نفسه من اجل الوصول الى بعض العدالة في قضيته. قد يكون إحباطي الأكبر كفلسطينية من القيادة . الا اننا كشعب نقع تحت نفس طائلة المسؤولية . في وطن لا يزال يبحث عن بوصلة توجه فيه نحو مستقبل مليء بالتحديات ، فان دورنا كشعب كل من موقعه ومكانه ومقدرته يفوق أهمية القيادة في التأثير الإيجابي والسلبي . فنحن شعب لا تزال قضيتنا هي عنوان وجودنا والنضال يرتبط فيها . في ظل هذا العالم المفتوح كل ما يصدر منا يقع تحت طائلة المسؤولية . ذلك الاندفاع الأعمى في تصرفاتنا التي لا تخرج عن حالة رد الفعل عن اي شيء . غياب البعد التام عن اي أفق لأي شيء . حياتنا باتت كما نرى يوميا في هذا الانفصام بين العالم الافتراضي من منبر للتعبير عما يجول بالبال والخاطر ، والعالم الحقيقي الذي نتنكر فيه عما نصدره من كلام او افعال افتراضية . نختبيء وراءه وحولنا هذا المنبر من مرآة كنا نتجمل أمامها لانعكاسات قبيحة تعكس داخلنا من أزمات وإحباطات تراكمت فأصبحت تشكل صورتنا .
علينا ان نقف امام أنفسنا ومواجهة هذه الصورة التي تأخذ يوما عن يوم شكلنا الدائم . علينا ان نكون مسؤولون عن تصرفاتنا وتصريحاتها ونقدنا وانتقاداتنا لكي نستطيع ان نطالب بتغييرات تنهض بِنَا كأفراد وشعب . فما من شك بان شبكات التواصل وانفتاح الاعلام والعالم على بعضه غير الكثير وصار متنفسا للشعوب ومنبرا للتعبير . لنتوقف عن تحويله الى مكب لخذلاننا واحباطاتنا وانهزاماتنا .. لنوقظ ذاك الوعي فينا ونعيد بناء أنفسنا بتهذيب اخلاقنا وخلقنا اولا .

لقد بتنا نعيش بحالة من التهاترات  الفردية والجماعية وفي كل المجالات ، لدرجة أصبح فيها الحديث عن الأزمات المتكررة والبحث عن مخرج منها كمن يدق الماء بالهاون . لا تزال الماء تلاطش الهاون حتى تتطاير ولا يبقى الا صرير النحاس بين والمدقة والهاون .

مهاترات وطن….دحلان ام الفساد المتفشي فينا

الموضوع الذي يشغل الوطن في هذه الأيام ، وطبعا غير “تعديل وزاري” مؤقت انتقالي توافقي….هو زفاف ابن محمد دحلان وتكلفته التي بلغت على ذمة الناس والإعلام ٢ مليون دولار. بما ان الوطن في هذه الايام اصبح انتماءا لأشخاص ، هم” الوطن” وأكثر ، فإن دحلان ومن المؤكد وفي ظل التنافرات لا يشكل “الوطن” للساحة العامة . والكلام عنه دفاعا سيكون خيانة عظمى . ولأني طبعا لا أريد ان اكون في موضع التخوين . ودحلان ، كغيره من هذه “الأوطان” لا أجد فيه املا او ارجو خلاصا لهذا الشعب من خلاله او خلالهم . ولكن ما يأتي الى ذهني هو حالة الضجر والاستغراب والاستعجاب. ما الذي يعنيه ان تكلفة حفل الزواج وصلت الي هذا الحد ؟ تصل تكاليف الزواج في بلادنا الى عشرات الالوف في ظل الامكانيات الشحيحة من طرف الشعب ومن طرف الامكانيات المتوفرة من خدمات قد تؤدي الى البذخ . دحلان بالنهاية رجل “مقتدر” ولقد أنعم الله عليه ورزقه ، كغيره من قادة هذا الوطن . وأمواله ومصدرها والشك فيها وملاحقته الى اخره موضوع قيل لنا انه في محكمة الفساد او شيء من هذا القبيل.والحق ان دحلان بفساده او نزاهته لم يعد يعنينا ، كغيره . فكم من قضية فساد فتحت وتم “مضغ” اصحابها من قبل الشعب والاعلام ولم نعلم بما جرى فيها . كل الامور في هذا الوطن ،تفتح ولا نعرف لها طريق اغلاق او نهاية . كل البدايات عندنا مفتوحة الى ما لا نهاية. كم اتمنى لو كنا في وطن ،يؤخذ الفساد فيه على محمل الجد ، ولا يبدأ وينتهي بلجنة عليا او صغرى . أتمنى لو كان هناك محاسبة حقيقية او حتى بوادر محاسبة . فتبدو كل هذه الملفات او القضايا للمواطن الساذج مثلي ، ليست أكثر من محاولات لإسقاطات شخصية لا تمت للمصلحة العامة بصلة . ونحن كمواطنون ،ننتظر يوم كل فاسد من هؤلاء الكثر لنتشفى للحظات ويبقى الحال على ما هو عليه.
قضايا الفساد والاموال التي نتساءل عن مصدرها لأصحابها في بلد الكل فيه مكشوف ومعلوم يتداولها الناس على المقاهي وفي البيوت والمكاتب . فهي “المكسرات” التي تملح الجلسات وتعطيها طعما مختلفا ، للمضغ فقط . لسد جوع . او لإلهاء . الا اننا لا نعي بأن كثرتها كذلك تصيب التلبك وهذا ما يحصل اليوم .
هذا الحال المخيف للحال الفلسطيني من تخبط وانهيار داخلي طال المؤسسة العامة والخاصة وطال الانسان، لا يبشر بخير لأحد . فبين التساؤل عن اموال الدحلان ، وبذخ الفرح المقام ، وكيل الاتهامات والتباهي بالاشمئزاز . علينا فيما بين هذا ان ننظر الى انفسنا . فلن اتكلم عن الفساد الذي نتراوده ويراودنا في كل مكان في المؤسسات والوزارات . لن أتكلم عن السيارات التي يقتنيها وزير على حساب الشعب او من اموال الدول المانحة. ولن اتكلم عن ذلك الذي يوظف كذا ويعين كذا . ذلك الذي يتاجر او يهرب او امتهن طرقا اخرى بفساد صار الوطن يحترفه . فالمشكلة ليست بدحلان وليست بالوزير وليست برئيس. المشكلة فينا . المشكلة فينا نحن الشعب الذي يبدو ان الفساد قد استفحل فينا . الفساد ليس بزفاف كبير او سيارات او محسوبيات . الفساد يبدأ فينا ، ويظهر في كل تعاملاتنا . الكل يريد ان يهجم ليترصد فرصة وينتهزها . القوي يأكل الضعيف ،والضعيف يأكل الاضعف. الفساد يبدأ عندما نجول في الشوارع ونرمي النفايات من خارج نوافذ السيارات ،لا نكترث بأن هذا الشارع ملك عام ، جماله وقباحته انعكاس لنا . الفساد عندما نتعدى القانون ولا نحترمه خلال قيادتنا او وقوفنا او اصطفافنا . كل منا ينتهز فرصة ما للانقضاض على اي شيء . الفساد في الموظف الذي يستبيح مكان عمله . الفساد في الام التي تربي اطفالها على ان الشارع مدرسة والبلطجة شطارة واللي بضربك كسره . الفساد في الاب الذي يتفاني لعمله وينسى ان الابوة معاملة لا مصاريف . ان تأمين المستقبل بالحب والعطاء وليس بمدرسة اجنبية او موبايل او شقة للمستقبل . الفساد يكمن في حالة الاستهتار لهذا الوطن . في هذه الحالة من الفوضى والتعدي وعدم الانتماء . لسنا اقل فسادا من دحلان او غيره عندما نقيم الولائم ونقطر على سائل بلقمة . الفساد فينا في احتفالاتنا .في أفراحنا . في ردود افعالنا نحو كل شيء . الفساد فينا عندما نقول ما لا نفعل . ونكذب فيما علينا الصدق فيه . الفساد فينا في السكوت عن هذا الوضع المشين .
الفساد فينا بمجلس تشريعي لا يعمل ولا يقوى على الدفع الى انتخابات .
الفساد فينا بوزراء يقبلوا ان يكونوا في مناصب لا تخدم شعبا ولا حكومة . الوزارات يتسابق عليها المتسابقون من اجل راتب اضافي و”ستاتوس” يسوقون له فيما بعد من اجل وظيفة او منصب يدر لهم ارباحا .
الفساد فينا بمؤسسات تبنى على المحسوبية وتفتقر الى المهنية وتبتعد عن التفاني في العمل ومصلحتها الوحيدة “الكم الداخل” والتأكد على ضحد الكفاآت وتحجيم الفرص لكي لا يستحوذ عليها الغير .
الفساد فينا بموظفين نحرق ساعاتنا بلا عمل او انتاج او تحصيل .
الفساد فينا بأولياء امور نربي على الاستهلاك والطمع والتكسب والمظاهر الفارغة وانعدام الاخلاق.
الفساد في نظامنا التعليمي الذي شعاره الحفظ والبصم لا الفهم ولا الاستقراء .
الفساد استفشى فينا حينما اصبح التعليم حفظا . والعلم شهادة ، والمعرفة اتقان الحديث بلغة أخرى.
الفساد فينا شعبا قبل ان يكون في شخوص من حكومة او فصيل .
فأولئك يتربوا فينا ومنا ..
فلقد صدق قوله تعالى في الإشارة إلى مصابنا : “ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”.

فتاة القيروان…تجسيد للمرأة بدور همشه التاريخ حتى اصبح معدوما

في بحثي الدائم عن إيجاد تفسير ما لحال المرأة في المجتمعات العربية والإسلامية ، من إقصاء واضح في الدور السياسي والقيادي من جهة ، ومن تحديد وجودها من خلال دورها كزوجة او أم ، نبشت في التاريخ الإسلامي من زاوية تبتعد عن تلك التي تأسسنا عليها في المدارس . فتاريخ العرب والمسلمين في مناهجنا الدراسية ، لا يعدو كونه تاريخا مفبركا ،لا يمت للحقيقة الا بأطراف منها ، والمنهجية في إقصاء البعض وفرض البعض واضح ، ناهيك عن الفكر المرجو غرسه في الانسان العربي من تحديد وتوجيه في إطار مغلق وموحد. ورحلة البحث في التاريخ العربي الإسلامي لا تنفصل ولا بأي شكل عن البحث في دور المرأة عبر هذا التاريخ . يبدأ ذكر المرأة ودورها من خلال الشخصيات النسائية التي ذكرت في القرآن ، فبدءا من حواء والسيدة مريم ، زليخة( امرأة العزيز) وأخت موسى ، وبلقيس (ملكة سبأ)، وهناك امرأة نوح وامرأة لوط. وهناك زوجات النبي عليه الصلاة والسلام الذين لم تذكر اسماءهن ، كما لم يذكر اسم حواء ، وتمت الإشارة الى سارة وهاجر زوجات ابراهيم عليه السلام وغيرهن. والمثل الآخر للمرأة تعلمناه من خلال زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام عبر السيرة النبوية . فبرزت من بين الزوجات السيدة خديجة والسيدة عائشة .وتراوح دور المرأة بين القديسة الصالحة في الأمثلة المتداولة ، والمخادعة المراوغة . فنشأنا بتقسيم تلقائي بين الصالح والطالح واستمر هذا التقسيم في رؤيتنا للمرأة اما بدور صالح بحت (مريم العذراء ) او مراوغ تدميري بحت (زليخة “ان كيدهن عظيم”) . حتى وصل الينا التاريخ بتعاليم تخص المرأة وتحددها وتقرر ماهيتها وأفعالها وصفاتها وكيفية التعامل معها ، وكأنها مخلوق لا ينتمي الى الصفة الانسانية المطلقة التي تخص كمال الرجال.
في مكان ما ، بقصد ومنهجة او بصدفة وتلقائية ، اندثرت المرأة من ذكرها بالتاريخ وجلست في مكان لم يراوحها منه . فذكرت المرأة في نسيبة المازنية ودورها في الفتوحات ، وكانت قبلها ذات النطاقين ،اسماء بنت ابي بكر ، وفاطمة الزهراء بنت الرسول. وفي مشهد الشر كانت هند بنت عتبة وزوجة ابي لهب . ثم تعرج التاريخ لنساء كن امهات خلفاء او ازواجهن ، فاشتهرت زبيدة زوجة هارون الرشيد وبعض زوجات الخلافات اللاحقة مما كان لهن من تأثير ، وكان هناك شجرة الدر وست الملك .
أسرد هذه الشخصيات بينما تعود ذاكرتي الى ايام المدرسة . وبغض النظر كم تغيرت المعلومات وكبر النضج المعرفي عندي ، الا ان هناك امور تتعلق بتاريخ الاسلام كالنقش في الذات . ولا أظن ان هذا غريب . فنحن ننشأ على ختم هوية ما لنا ، وهذه الهوية هي في كوننا عربا ومسلمين (اذا كنا مسلمين ) . والموضوع طبيعي وعادي ،لطالما يصقل ماهيتنا للمستقبل . ولكن المشكلة ان هذا الصب يشبه الصب الاسمنتي . فتحول قالبنا المعرفي الى منحوتات تبدأ وتنتهي المعرفة فيها ومن خلالها.
وهنا تكمن المفارقة ، تسقط فرضيات المصادفة عن النهج الذي اتبعه القائمون على صناعة التاريخ العربي الاسلامي ، وإذا اخذنا المرأة كمثال ، ونتأكد ان ما تم العمل على منهجيته وبإحكام بدأ فعلا منذ الكتاب الاول في مادة التاريخ المسمى “تاريخ العرب والمسلمين” . فالمرأة بدأ دورها بحواء التي وعلى الرغم من كونها السيدة الاولى في البشرية الا انها كانت منقوصة ، فهي من ضلع آدم ، ولم نكتف بهذا، فهي التي تتحمل مسؤلية خروجه من الجنة وما نحن عليه اليوم من ضياع على الأرض. فمنذ تلك اللحظة التصق بالمرأة صفتين اصبحتا العلامة المميزة لها : منقوصة الخلق فالعقل والتدبير، وعند استعمال عقلها فهي تقتصر الحكمة وتعتمد على الغواية . فبدأت من إغراء آدم بأكل التفاحة ، وكانت امرأة العزيز التي راودت يوسف عليه السلام عن نفسه ، وامرأة نوح التي أصرت على كفرها … وفي المقابل كانت هناك النساء الصالحات من مريم وخديجة وعائشة وفاطمة عليهن السلام . ولكن ما جرى بعد هذه الحقبة مع المرأة هو ما كان ولا يزال مسألة بحثي . وكأن المرأة بعد تحديدها في القرآن والسيرة النبوية ، انتهى دورها . فلا يمكن الطعن بنساء كتلك بعد ذكرهن في أعلى مدارك القدسية أو عكسها في الإسلام (آلقرآن والسيرة النبوية) . وكل ما عرفنا فيما بعد أدوار ثانوية للمرأة كان للرجل دائما دور البطولة المطلق ، سواء كان الخليفة او الأمير او القائد الشجاع او الفاتح الغانم او الشيخ الزاهد او الحكيم او الشاعر والعالم . واقتصر دور المرأة على كونها زوجة او محظية لخليفة او امير او قائد . وفي الحالات النادرة في مرور النساء كشجرة الدر وست الملك نرى المرور سريعا ونرسم لتلك النساء صورة ذكورية يملأ صفاتها الأخرى الحقد والانتقام . وطبعا الاغواء والإغراء. فوراء كل انهيار خلافة إمرأة كانت ام خليفة او زوجته او جارية . ووراء كل اغتيال كانت امرأة تقف وراء الستار تدس السم وتحيك المكائد. وفي المرة التي خرجت فيها المرأة عن دور المغنية او الغانية كانت رابعة العدوية وتربعت على عرش القدسية التي لن تنالها امرأة بعدها والخنساء في رثاء ولدها التي فجعت بموته .
وفجأة وبعد بحث حفيف ، وقعت يداي على سلسلة تحت عنوان “روايات تاريخ الإسلام” لجيرجي زيدان . ولإحباطي الحقيقي كنت قد تركت السلسلة بين كتبي الأخرى المدرجة تحت روايات عربية دينية لسنوات . وإذ بي أكتشف كاتبا ومؤرخا أحسست بالخجل من نفسي لجهلي به . جرجي زيدان لبناني المولد ومصري المعيشة . ولد سنة١٨٦١ وتوفي سنة ١٩١٤. وعلى ما يبدو ولقد ظهر امامي جلي العين في الموسوعة “المغبرة” على رفوف مكتبتي انه أخص في رواياته التاريخية نساء ابحث عنهن . ومن رواياته “فتاة القيروان” . وهنا تخرج معضلة في هذا لا يمكن انكارها ، ان كتاباته في هذا الصدد تسمى روايات ، فاعتمادها التإريخيغير مبتوت فيه . الا انه وبصفته الشخصية والمعرفية وبكونه مؤرخا كانت مصادره بالطبع موثوقة . ففتاة القيروان يعتمد في وقائعها التاريخية على تاريخ ابن خلدون، معجم الياقوت، تاريخ المقدسي، اليعقوبي، المقريزي وتاريخ ابن خلكان . فرواياته في النهاية ليست فنتازيا تاريخية حبكها خيال كاتب روائي . إلا ان القراءة في كلماته بين وصف وحبكة يفوق الملاحم في فنتازيا التاريخ من دقة التعبير والوصف المفعم بالحراك . ومن الجانب التاريخي ، فهي إثراء معرفي حقيقي ، خصوصا في ما نعرفه عن تاريخ الخلافات الاسلامية . فتاريخ العرب والمسلمين في المدارس حدد لنا الخلافات بالراشدين والامويين والعباسيين والعثمانيين. وكل ما علمونا اياه من خلافات اخرى كانت وكأنها سهوا ، فنعم كانت هناك دوله فاطمية ولكن لم يكن من المطلوب فهمنا ان الفاطميين والسلاجقة والمرابطين والموحدين وغيرهم كانوا ايضا خلافات في زحام تلك الخلافات العريقة . فالرواية هنا تتضمن ظهور دولة العبيديين الفاطميين في إفريقيا ومناقب المعز لدين الله وقائده جوهر الصقلي ، إلى إخراج مصر من الدولة الأخشيدية . التكلم عن بزوغ الشيعة وتحكمهم يبدو واضحا وملفتا في القراءة ، وكأن الكاتب يعيش معنا اليوم ليرى ما نحياه من فرقة شيعية سنية . وفي سذاجتي هذه ، تكمن كذلك حدودنا المعرفية . ففي المدارس لم يعلمونا مدى الفرقة بين الشيعة والسنة وتم تحديد الشيعة بصورة نمطية (شريرة) كتلك التي أطرت للمرأة . ألأحداث التاريخية في الرواية في اواسط القرن الرابع الهجري وتزامنا مع فتح المعز لدين الله الفاطمي بقيادة جوهر الصقلي لمصر سنة ٣٥٨ هجري. فتبدأ من القيروان ، إحدى المدن الاسلامية التي اختطها العرب بعد الفتوحات كالبصرة والكوفة والفسطاط ، على يد عقبة بن نافع سنة ٦٠ هجري على مقربة من تونس. في القرن الرابع صارت القيروان قصبة بلاد المغرب وتقاطر الناس من كافة الأنحاء لإعمارها، فقطنها العرب من قريش ومصر وقحطان ، واهل خراسان واصناف البربر والروم وغيرهم . عليها بنى الفاطميون حصنا مستديرا يسمى “المنصورية” و “صبرة” وكان مستقرا لهم ولأهلهم ، على غرار ما فعل المنصور ببغداد قبل ذلك بقرنين. كان اول الخلفاء الفاطميين عبيد الله المهدي بن محمد الحبيب بن جعفر الصادق من نسل الحسين بن فاطمة الزهراء.
المعز لدين الله هو حفيد القاسم الملقب بالقائم بأمر الله وبن المنصور ابو طاهر الذي خلفه بعد وفاته المتوفي سنة ٣٤١ هجري. وفي عهده فتحت مصر على يد قائده جوهر الصقلي. وفي هذه الحقبة كانت هذه الرواية . ابطال الرواية المعروفين في التاريخ الذي تعلمناه وبكل تأكيد هم المعز لدين الله وجوهر الصقلي . وقد تكون القراءة الاكثر تفصيلا في هذه الحقبة ذكرت وبلا شك حاكم سجلماسة وكافور الإخشيدي حاكم مصر والحسين بن جوهر الصقلي الذي كان قائدا كوالده.ولربما عرج التاريخ في طريقه الى ام الأمراء زوجة المعز. فعادة ما ذكر التاريخ النساء امهات الخلفاء وزوجاتهم إذا ما كان لهن تأثير. فعلى غرارها مثلا كانت زبيدة زوجة هارون تجسد دور ام المؤمنين كما تجسده اليوم الملكات . فأحيانا اتخيل ان الشيخة موزة في قطر هي النسخة المعاصرة لزبيدة .او ما نراه من حريم السلطان في الدراما التلفزيونية ولكن لم يذكر التاريخ لمياء ، وان ذكرها فليس بدورها الذي كان من شأنه فتح مصر وبلا أدنى ريب. فلمياء ، فتاة القيروان كانت ابنة الامير حمدون حاكم سجلماسة المنهزم للمعز لدين الله ولقد خطبها جوهر الصقلي لابنه الحسين لكي يضمن ولاء جماعات حمدون المحاربة الى جانب المعز. تجرى احداث القصة كعادة القصص العربية الاسلامية وسط مكائد ومؤامرات لإطاحة حكم واسترجاع آخر . وتكون الفتاة بداية هي الطعم لإسقاط دولة المعز. الفتاة لم تكن فتاة عادية ، فهي تقود معارك مع ابيها ووحيدته ، وحيك الخطط التي اندس فيها والدها لم تكن بغيابها او فرضت عليها . الا ان لمياء في هذه المعركة الحاسمة التي انتهت في فتح مصر من قبل المعز لدين الله كانت قد مرت في مرحلة تغيير وولاء مطلق للمعز لاعلاء كلمة الله من خلاله لما رأته من أخلاق واخلاص وتفاني منه ومن زوجته وقائده وولده . فالمفارقات بين البذخ في حياتها السابقة والبساطة التي تجلى بها حكم المعز وحياته في داخل داره . الايمان المطلق برسالته وتوحد كلمة اصحابه والتفاني مقابل الاسراف والترف في الخلافات الممتدة بين مقارنات بهارون الرشيد وزوجته في بغداد ، والدولة الاخشيدية في مصر التي كانت بالغة البذخ والثراء والجاه في قصورها ، وجوع وفقر وتواضع في حال اهل مصر .
الدور الذي لعبته لمياء في كسب المعركة الاخيرة التي نقلها لنا التاريخ بالفتح التاريخي لجوهر الصقلي لمصر ، كان دور مهما أعطى المرأة في السرد التاريخي والانساني للاحداث ، تغاضت عنه كتب التاريخ على مر الزمن. فلمياء امرأة فتية ،فارسة شجاعة . ذكاؤها مبهر ودهاؤها كان ايجابيا . دبرت الامور وخاطرت بحياتها وتفانت بإخلاص كبير بما آمنت به ومع اندفاعها وشدة دهائها لم تكن (شريرة) حتى عندما بدأت مشوارها بتهاوي قرره لها الرجال في حياتها من والدها وخطيبها سالم وعمه الذان كانا يخططان للاطاحة بالمعز.
لأول مرة امر برواية ،كتبها رجل ، وكانت بطلته الخفية امرأة تقوم كبل ادوار البطولة مجتمعة.
والاهم … هذه رواية حقيقية …يجب التذكير بها . لأن المرأة لم تخلق لتكون الضلع الناقص او المكمل من الرجل او فيه . ولم تكن هي اصل الغواية والمكائد .
المرأة ، خلقت كالرجل لإعمار لهذه الدنيا . اخفاقاتها كإنجازاتها ليست حكرا لجنس الانثى . كما الرجل، انجازاته واخفاقاته لا تخص الجنس الذكري .

 مهاترات وطن: القدس تدق ناقوس الخطر بين مطرقة الاحتلال وسنديان المرابطين

 

أقرأ العناوين المتصدرة للأخبار عن القدس في هذين اليومين: “القدس في خطر” . “القدس تناديكم” ، القدس تدق ناقوس الخطر”…  وأقول في نفسي : ” لا يا شيخ !!!”  حتى العناوين مبتذلة وصراخنا فارغ واستجداؤنا مبتذل . وفي هكذا مواقف تبدأ المهاترات الجماعية في مجتمعنا ، قيادة ومؤسسات وأفراد . يدخل الجميع في استحقاقات الوضع والمناسبة . فتصبح القدس حكرا على المقدسيين ، ويصبح المرابطون في الأقصى جنود الشعب المصفق والمهلل من بعيد . وبينما أقرأ شجب من هنا ، واستحقاق مقدسي تحت اسم المرابطين من الشعب في باحات الأقصى ، وبين عتب على العرب وغضب على المسلمين ، وازدراء من الحال العام الفلسطيني . لم أستطع الا التوقف امام مسمى “مرابطون” والتي التصقت باولئك المواطنون المقدسيون الذين وضعوا أنفسهم وحياتهم كسلاسل بشرية حقيقية أمام الهجمة الاستيطانية الممنهجة من قبل الاحتلال ومنذ سنوات .لن أقلل في ما يجري بالأقصى من خطورة حقيقية . فما جرى بالحرم الإبراهيمي منذ سنوات هو برهان على ان مطامع الاحتلال لا يوقفها مكان ولا زمان .فهم لا يكلوا أبدا من مطامعهم حتى ولو خفوا في حراكهم أحيانا . وبقدر ما أشعر كمسلمة ومقدسية شعور كل مسلم ومقدسي وغيره تجاه المكان . وبقدر ما أنحني احتراما لاولئك المرابطون في المكان لحمايته منذ اشتداد الهجمة العام الماضي . بقدر ما يجري اليوم يدخل في نفسي الريبة . أولا لعدم تصديقي لما أراه من نداءات واستغاثات . أصبحت الأقصى في نداء الاستغاثات من آجلها تشبه تلك الاستغاثات التي ينادى بها من أجل القرى البدوية المهددة بالهدم والإخلاء. ولا أرمي بكلامي هذا حتى التلميح بأقلية الاهمية لتلك القرى ، على العكس . فأهميتها آكبر من الدفاع عن الاقصى . فبتلك القرى بيوت وعائلات مهددة عرضة للتشريد، ما يحل بأصحابها من دمار في فقدان أبسط ما يحتاجه الانسان في شعوره بالامن وهو وجود بيت يأويه . فالاستغاثات لهم ليست الا ملتقى لأصحاب المشاريع والطموح السياسي للظهور أمام الإعلام . فلا يلتفت أحد بعد انتهاء المؤتمرات الصحفية من تجمعات دولية لمؤسسات حقوقية ودبلوماسيين، الى هؤلاء البشر. وهكذا اصبحت الاستغاثة اليوم للاقصى…. فارغة ،خاوية ،يتسابق الجميع من أجل الظهور الاعلامي وتسجيل موقف على الهواء .

فالقدس تهود منذ سنين والكل يقف يتفرج حتى اهلها . الصمود مرتبط ببقاء هوية يقدم فيها خدمات من قبل الاحتلال الذي نلعنه . المتوافدون من سكان المدينة باستجداء الاحتلال من أجل الحصول على الجنسية الاسرائيلية يتصاعد حتى اننا بدأنا ندخل في مرحلة شعور ان من لا يحاول الحصول او من حصل على الجنسية الاسرائيلية هو الغريب عن القاعدة. المستعمرات التي تحيط في المدينة وتتجذر كل يوم في أحيائها عنوة ، وتشريد السكان من هدم بيوت واستيلاء على الممتلكات وغيرها من مآسي فما أصبح من حال القدس لا يزال أكثر أهمية من الاقصى . فللأقصى بالنهاية رب سيحميه . الأقصى ليس مأوى لعائلات ولا ساترا لعورات. الاقصى مكان عبادة . الحق حمايته ولكن حق السكان الذين يذهبون للعبادة في الحياة الكريمة بلا تهديد وامن أهم . لا أعرف لما نهب لنصرة الأقصى ولا نهب لنصرة عائلة دك سقف بيتها على من فيها ؟ من عليه حماية الاقصى والسكان المقدسيين والفلسطينيين عموما هي القيادة الفلسطينية . لماذا نستمر في رمي البعض منا قرابين لاستحقاقاتنا المرتقبة ؟

وبما أن كلامي لا يزال ثقيلا حتى على قلبي ، أفكر بالمرابطين . ولن اسمح في هذه اللحظات وبينما هؤلاء فعلا يهبون من أجل القدس . وهنا تقع كلمة رباط على كل مقدسي يدفع بنفسه بلا تفكير في هكذا لحظات . فالوف الناس التي هبت بالامس هي كل مقدسي يحب القدس ويغار على مقدساتها ويشعر بكرامته من كرامة المدينة. شباب ورجال ونساء الحارات المختلفة من البلدة القديمة الذين يهبون كالاسود في وجه الاحتلال وعنجهيته والة حربه في كل مرة مدافعون ببسالة تسجل لهم . ما يؤرقني هو مصطلح “مرابطون” ، وما ترتب عليه خلال العام من أحداث. فبين المرابطين القاطنين في المسجد الاقصى عبادة وبين المرابطين من اهل المدينة الذين يهبون عند هكذا مواقف اختلاف يجب الا ننساه . فما يجري في الاقصى عند انتهاء الازمات كهذه يصبح اشد خطورة او لا يقل عن تهديد الاحتلال . فالتطرف في التصرفات تحت اسم الدين بات المكان فيه وكأنه وكر داعشي ينمو برخاء . فاذا ما كان مصطلح “مرابطون” اطلق بالاصل على مجموعة معينة اختارت الرباط في الاقصى لاهداف دينية فنحن في خطر اشد .

ولعلنا نحن الفلسطينينون نربط كلمة “مرابطون ” بكلمة “رباط ” التي طالما استعملها الراحل ياسر عرفات ، في كلمة له أثناء الاجتاح الاسرائيلي وحصاره في المقاطعة وتحديدا إلى اهل جنين عبر الراديو مخاطبا: ” أحبتي وأهلي المرابطين في جنيغراد،في جنين القسام ،يارجالنا ونساءنا واشبالنا وزهراتنا في مخيم جنين، قلعة البطولة والصمود والتحدي ، ليس أحب إلى عقلي وقلبي من التحدث اليكم في هذا المعترك المصيري الذي يخوضه كل الشعب الفلسطيني من اجل الحرية والاستقلال ، ومن اجل حماية المقدسات المسيحية والاسلامية في أرض الرباط ،الارض المباركة ،اولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ،مسرى نبينا محمد صلوات الله عليه وسلم ، ومهد رفعة سيدنا المسيح عليه السلام ” .ومع ان القدس ليست ارض الرباط تاريخيا ، فهي بالاصح مصر . الا ان استعمال ياسر عرفات للكلمة قاصدا القدس ، كان مقصدا تعبويا عربيا ان صح الوصف . فكان بكلماته ينادي العرب والمسلمون لنصرة فلسطين في تجميع للوطن بخص مسرى ومعرج الانبياء القدس كموحد لامة ، كانت في حينها لا تزال تربطها المقدسات وتستثير حماسها ونخوتها . فالرباط الذي نادى اليه عرفات لارض الرباط كان من اجل الوطن . فالوطن هو الانسان فينا .ببيته ومقدساته . فهبة المقدسييون للأقصى هي هبة من اجل الكرامة التي يستبيحها الاحتلال في همجيته وفظاظته . ومن يدافع عن القدس هم اهلها وهؤلاء هم مرابطوها .

اما اذا سلمنا للمرابطين بالمفهوم القائم لهؤلاء فيما بعد الأزمة وما قبلها ، فالتعريف مختلف تماما . وما كنت لاتوقف هكذا لو لم نشهد ما لا نزال نشهده في الاقصى من حملات متطرفة ضد المسيحيين وضد كل من هو مسلم بطريقة غير طريقهم في بعض الخطب وفي نصرة داعش مباشرة او غير مباشرة . وغيرها من الممارسات المريبة ، التي لا تنذر بخير لما يجري في المدينة في ظل انتشار التطرف بنهج داعش.

فالمرابطون هنا هم ما خطر في بالي بداية ، اولئك الممتدون فكريا  من تلك الحركة الاصولية الدعوية الاصلاحية الاسلامية التي تأسست من خلالها دولة المرابطين في المغرب والتي حكمت قرابة المئة والخمسون عاما بين القرن العاشر والحادي عشر، والتي كان لها دور كبير في نشر الاسلام في منطقة غرب افريقيا ، وفي بقاء الاندلس إسلامية لعدة قرون. فهم الذين قضوا على حكم ملوك الطوائف وكسروا شوكة المسيحيون (تحديدا) . كان المرابطون على المذهب السني المالكي ، وهم بالاصل تجمعات قبائلية في غرب المغرب ، ومما لا شك فيه ان وجودهم أبقى الدولة الاسلامية في الاندلس ومنع الفرنجة في حينها من استعادتها. ولكن ما شهده العالم الاسلامي في القرون الممتدة من حكم المرابطين لما تبعه من حكم الموحدون هو نفس المشهد الذي نعيشه اليوم في دولة داعش. ونفس المبدأ الذي نسمعه على المنابر في المساجد من طموح في امارة او خلافة اسلامية، يعتمد الحكم فيها على اختيار الامير وفق الشورى ، يكون الامير فيها القائد الاعلى . وهناك قاضي الجماعة الى اخره من امور .ومن المفارقة هنا ان راياتهم اخذت اشكالا كثيرة في حملاتهم القتالية وكان من بينها ذلك الشعار الذي نراه على اعلام داعش في ايامنا هذه . وانتهي حكم المرابطون لما اعاثوا تطرفا وصل الى المسلمين انفسهم ، وكانت نهايتهم على يد الموحدون بقيادة ابن تومرت . فاختزالا للتاريخ، فالدولة الاسلامية بين المرابطين والموحدين كانت كتلك التي شهدنا ما بين القاعدة وداعش. رؤية إسلامية دعوية أصولية متطرفة تختلف عن تلك التي بني عليها الاسلام الاصيل . الا انها هيمنت ووصلت الينا عبر ائمة بعباءة رسول الله واصبح الاسلام ما يروه ويريدوه ، واصبحت بطولاتهم استحقاقات لنفوذهم وبسط طموحهم .

وبينما تعيش القدس وأقصاها هجمة استيطانية ممنهجة بشراستها ، وبينما لا تزال القيادة الفلسطينية مكتفة الايدي، تكتفي بالشجب والاستنكار ، قد يأتي يوم يتفشى فيه التطرف الذي نخشى اقترابه تحت وابل داعش واخوانها ، استحقاقا لما قاموا به دفاعا عن الاقصى ولقد غيبت القيادة الفلسطينية نفسها عن الساحة ، فتركت لهم الساحة أبطال حقيقيون ربما ، ولكن … ما تدفعه المدينة واهلها نتيجة لهذا خطر يتزايد وما من آبه او مكترث.ونهب شيه هبة في كل مرة وسط هجمات الاحتلال المستمرة ، ونعود باستخفاف واستهتار الى غفلتنا الدائمة. فنبقى هكذا بين مطرقة الاحتلال وسنديان “الغفلة” من “مرابطي الاقصى ” .يندمج حابلنا بنابلنا ويصبح مرابط الامارة الاسلامية المترجاة هو مرابط المدينة الذي يتنفس عبقها حياة ، ويموت فداءا لكرامتها .  

 

في فقه العشق تشريعات تشبه في حدودها
إنصاف لمكان
وظلم لزمان
وبالعكس
تشريعات يخطها العشق
بلا منطق
وبأغلب الأحيان بهذيان
يملي شروطه غير المعلومة
ويبسط سطوته اللا محدودة
ويفرض قواعد بلا أسس
ويلغي قوانين مفهومة
ويسن شرائع مجنونة
ويجبرك على الولاء والطاعة
تسلم ايمانا واحتسابا
تسأل المغفرة والرضا والعفو
عن ذنوب لم ترتكبها
وتشكر عن نعم لم تحصل عليها
وتسجد راكعا مبتهلا
مؤمنا مسلما
بأن فقه العشق لا يفك رموزه الا مختص ملم عليم

ــــــــــــــــــــــــــــــ