اعلامنا عديم الرائحة

كالعادة يلتقط إعلامنا ما يرميه الغير فلسطيني علينا . فاليوم تتقاذف وسائل الإعلام المختلفة مقال للاسرائيلي يوسي بيلين (وزير عدل سابق) بعنوان” رائحة فساد برام الله”. وقبل أعوام قليلة صارت قصة الاعلام و”فقاعة رام الله ” عناوين شبكات التواصل. وكأن الشعب الذي يعيش برام الله بعيد عما يجري فيها او في البلد بشكل عام . تسابق الناس في حينه على شراء الكتاب كان كذاك الذي يبدأ مع كل عام على كتب الابراج والفلك من أعمال ماجي فرح . وتساؤلي في حينه كتساؤلي اليوم . هل يحتاج الفلسطيني منا ان يأتي كاتب او صحفي فرنسي مثلا ليقول لنا عن هلامية الحياة في رام الله وسعر فنجان القهوة الذي يفوق اسعارها بالدول الغنية ؟ ماذا كنا سنفعل لو بقي ذلك الصحفي ليشهد على سعر عصير البرتقال (الغير طازج) الذي يباع بعشرين شيكل؟ كان الكتاب سيفرغ من السوق في يومه الثاني.

واليوم ، نرى الاهتمام الاعلامي الكبير بتداول مقال بيلين ورائحة الفساد الذي يشتمها وكأن الفلسطيني منا في حالة عدم احساس او فقدان مطلق لحاسة الشم . فاستيقظ لها عند وصول الرائحة الى اسرائيل .

نعم ، ان هاتين الحالتين ، وبتوفر الكثير غيرهما ، ان دلوا علي شيء ،فالدلالة الاكبر هي في خيبتنا الممتدة ، التي وصلت رائحتها النتنة الى اعدائنا وصاروا يفتوا فيها . فبالنسبة لبيلين فان الفساد هو الذي ادى الى التخلص من اهم على حد تعبيره من رجال الاخلاص والفرصة فيما يمكن من حل سلمي بسلام مع اسرائيل . فما ارق بيلين هو تخلص الرئيس ابو مازن من عبد ربه . وللحقيقة لم اشهد كلاما جيدا بحق الرجل قبل اللحظة من احد مثله . والرجل الاخر الذي تم التخلص منه بطريقة تشوبها الفساد كما يظن هو فياض.

وسواء كان الرجل محقا باشتمامه للفساد في هذين الامرين ام لا ، فلا يوجد جديد فيما يقوله لنا . وللحق ،الرجل لم يكتب لنا ولم يكن يخاطبنا ،كسابقيه. ولكن إعلامنا اخصه بالاهمية ، لانه قد يكون عبر عن ما يمكن ان يكون مخجلا للتعبير عنه لبعض وسائل الاعلام عندنا . فمن جهة لا يتهم الاعلام بالنفاق ، فليس من المعقول التكلم بخير او شر اي من الاشخاص المذكورين بعد تصدرهم لزمن ما هذا الاعلام باخبار لا بد انعشته وافادته (فذراع عبد ربه غارق في الاعلام لهذه اللحظة) . واعلامنا كعادته، يقوم باعمال الصحافة الصفراء ، لا يوجد خبر يقين الا ذلك الذي يصدر من الصحافة العبرية او الاجنبية .وللحق ، فان الصحافة العبرية بالرغم من كل خطابها الصهيوني المبني على الاحتلال اولا هي صحافة تتمتع بشفافية نحن في مجتمعنا واعلامنا لا نعرف منه الا الاسم .

افهم جيدا ان الاعلام بالمحصلة لا يمكن ان يكون في وضع افضل من وضع البلد العام . شأنه ككل شؤوننا المحزنة . فمن تعليم لثقافة لحكومة حتى اعلام ، نعيش مجتمعا ومؤسسات في حالة تخبط . الشيء الوحيد الطبيعي فيها هو انسجامها وعامة الوضع (حالة من تعميم لاصفرار الاخبار ) . ولكن يبقى هاجسي الساذج كالعادة ، ان الاعلام كما التعليم يجب ان يكونا القوة المحركة لاحداث التغيير الى الافضل في مجتمع لا يزال في مرحلة النضال من اجل تثبيت هويته الوطنية (اشعر بالسذاجة اكثر بنما اكتب هذه الكلمة ) . فبينما نترك التحاليل العميقة ، الاخبار الحقيقية والتحقيقات الهادفة المجدية للاعلام الاخر ، نتفرغ في اعلامنا بتراشقات الاحزاب المتصارعة على سلطة بلا سيادة لا من هذا الاتجاه ولا من ذاك .

فبينما مثلا، يتأهب العالم من داعش، وما يخرج من تحذيرات تشير باقترابها منا . وما يتم اثباته يوما بعد يوم في دعم اسرائيل لتلك الجماعات . تشن اجهزة المخابرات والامن الفلسطينية هجوما اعلاميا وميدانيا على حماس وبالعكس. فآخر ما اقحم على ناظري كان على صفحة “عدنان الضميري” مثلا بفضيحة لمآدب رمضان الحمساوية القطرية المد . وبغض النظر عن قباحة المشهد للشعب الجائع ، الا انه مشهد لا يختلف عما تداولته الشبكات بالنسبة لموائد رمضان في الاقصى . فالعيب ليس تحديدا بطريقة عرض هذه الموائد او طريقة معاملة الناس المحتشدون لدلك .العيب هو عند تحول المجتمع باكمله الى مجتمع يلهث وراء اللقمة بهكذا مشهد او غيره.

الاولى بدل من تهديد اطراف النزاع من فتح وحماس بزج المنتمون الى حماس بالسجون واتهام حماس بالمحاربة مع داعش في سيناء لزج غزة بحروب تهلكها اكثر ، وكذلك تهديد حماس بالرد بالمقابل لما يجريه الامن الفتحاوي في الضفة ، كان من الاولى ان يتم اسكات خطيب المسجد الاقصى الذي لمرات متتالية يقوم بخطابات عنصرية مسيئة للمسلمين بسبه للمسيحيين . خطبة ليست الاولى مهينة ومخزية بكل الاتجاهات من منبر كالاقصى .

من الاولى التفرغ لاخماد نيران الفتن بدل من التفرج على من يعتلون المنابر (وهم غير حمساويون بالضفة والقدس) ان يتم إجلاؤهم ومحاكمتهم لما يبثونه من سموم باسم الاسلام ، في وقت نحتاج فيه ان نلتف حول يعضنا كشعب بكل اطيافه ، نساهم جميعا بنشر الفساد الذي سيغرفنا في مآس اكبر من تلك التي نعيشها .

فالاعلام بدل ان يأخذ دور من يدق ناقوس الخطر بالمجتمع ويدعو للخير والتغيير لما يصلح حال ابنائه ، يقوم بدور محايد سلبي …

بانتظار مقال مترجم جديد من الصحافة العبرية يحثنا على الانتخابات او يقترح علينا حكومة مؤقتة بتعديلات جديدة ….


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s