العيش مع الإدمان

ترعبنا كلمة إدمان ونستعيذ منها ربما مع كل نفس نأخذه . فما نشاهده من كوارث الادمان التي يكون الموت هو أبسط نهاياته وافضلها مرعب. نربط عادة الادمان بالمخدرات وهو صحيح. ولكن يبدو اننا دخلنا الى مرحلة جديدة بالادمان وبما هو مدمن . فالثورة الالكترونية باتت تشبه الثورة الجنسية في مرحلة ما .

ارتبطت لسنوات عديدة بشريك كان يصف مشكلتي معه والتي كنت ارفضها بشدة بالادمان . وكنت اسخر منه ومن عدم مسؤوليته في كل مرة كنا بامسية عشاء او بالسيارة او بمشوار او اجتماع عمل وهو يرافق هاتفه الذكي كظله حتى الى الحمام . لم اكن استطيع السيطرة على ما يجري بداخل ذلك الهاتف الذكي . اهي الالعاب الاكترونية او الواتساب او المسنجر او الفيسبوك ؟ العدو كان يخرج من كل الاتجاهات ولم اكن اعرف اي عدو علي التخلص منه اولا . حتى جاء يوم وقررت التعامل معه بالمثل وبدأت احتراف ما احمله بين يدي من هاتف ذكي . فبدأت بالالعاب والمحادثات وكل ما يقوم به العالم المتحضر الحديث. الا ولأن عقلي يعمل باتجاه اليمين لاني “شمالية” ربما لم تضبط معي هذه الحقيقة الجديدة . ومع اني احاول كعادتي التمرد على الواقع ، فقررت الاستفادة من هذه التحديثات الطارئة ، فصارت الالعاب التي احاول الانشغال بها تعلم لغة جديدة ما حتى انحرفت الى العاب الجرائم وحلها بعد ان مللت المزرعة السعيدة . وفي يوم ما وبينما كنا في عشاء رومانسي تناول كعادته هاتفه وبدأ الرد على الرسائل ما بين واتساب ومسينجر .فعندها قررت التعامل بالمثل وبدأت باستدعاء من طاب لي من اصدقاء وصديقات . الا انني اعترف بانني لا اجيد المراوغة كثيرا بفن المحادثات الجماعية او الفردية . ولكن كان المهم اصابة الهدف ولقد اصابه بسرعة ،واشتعل غضبا . وبعد تحول العشاء الى ما بدا كالعشاء الاخير ، وكان التهديد والصياح بيننا كصراع الديوك ، ومما ارخى من حفيظتنا وجودنا في بلد لا يعرف احد بها ايا منا . قال لي حينها وبصورة تظلمية خرجت منه بصدق جعلني ابدو كالمستبدة: ” ما الذي تريديه مني ، انا مدمن على هذا الجهاز وهذه الحوارات . انها لا شيء ولكنها تبقيني حيا في تلك العزلة التي احياها” (هو كان يسكن في بلد صعب ومعزول نوعيا) . نظرت اليه ، وصدقت جديته واهمية الامر عنده . واستسخفته وسببته في سري وقلت في نفسي : ” ما الذي افعله مع رجل يرى نجاته وفرحته في جهاز” .

الموضوع طبعا ليس هو وليس قصته ولا ما جرى بعد ذلك . ولكي لا اكون مجحفة في حق الفضول المترتب على هذه القصة السخيفة. نعم انفصلنا بعد ذلك … بلا كلمة انفصال من اي منا . بعد ما زاد عن الخمس سنوات من الصداقة القوية والحب الجارف ، انتهينا بلا كلمة واحدة . كان ذاك العشاء الاخير وما اراده من حياته وجهازه لا ينتمي الى ما اريده لنفسي من حياة .

ومنذ عدة اشهر عاد طيفه بالرجوع ، لا حنينا ولا اشتياقا ، ولكن تساؤلا ظل يرافقني لوقت من الزمن بعد ما صرت انظر الى نفسي وهاتفي الذكي الذي يرافقني كقطعة مني . ليس ظلي ، هو جزء مني . صار اخر ما المس قبل اغلاق عيني استسلاما للنوم واول ما تلمسه اصابعي تحسسا بجانب السرير قبل مقدرة عيني على النظر . أبدأ نهاري كما اختم ليلي ، ألتف حول ما صدر من اشارات تؤشر الى رسالة هنا وايميل هناك وماذا اضيف على الفيس بوك وماذا جرى في ادنى المعمورة وما طبخت احداهن التي لا اعرف حتى من تكون . اتلمس كل مدخل ومخرج من الاحتكاكات المرجوة والمطلوبة مع الحياة الالكترونية . انتظر خبرا لا اعرف ما هو ، ايميلا لا انتظره من احد ، واضافة لشخص لم اسمع منه من قبل واشارة اعجاب على صورة او تعليق على كلمة .

اتفقد الهاتف بما عليه من اي شيء بكل لحظة بين النفس والاخر .بين الحركة والاخرى . في السيارة على الاشارة الضوئية ،في ازمة المرور في كل وقفة . قبل وقت ليس ببعيد كان الكتاب هو رفيقي حتى اثناء القيادة ، اليوم الهاتف هو ادماني الجديد وما ينبض قلبي به .

فكرت في حالي الذي اصبح جماعيا . فالامر عاديا جدا . نجلس على طاولة الطعام وكل مشغول بامر ما على هذا الهاتف . نخرج بصحبة الاصدقاء وكل يمسك جهازه ويعيش حياة اجتماعية كاملة من خلال جهازه . اصبح هذا هو العادي والمقبول والطبيعي . الصغير والكبير . المرأة والرجل . الاستاذ والطالب . المدير والحارس والسكرتير والشرطي والجندي . الجميع واجهزتهم في عالم منفصل كامل مقابل عالم منفصم نعيشه مع بعضنا البعض. راودني شريكي السابق وكأنه يشمت بي . وكأنه كان متبصرا سابقا لعهده . كان يعيش قبل سنوات قليلة جدا ما احياه انا والجميع اليوم . صرت اقول لنفسي . لو اننا كنا اليوم ، لما كنا سنختلف من اجل ما كنت اراه قلة احترام وتقدير وقلة ادب وخيانة . فاليوم كلنا في نفس الدائرة نتشارك في نفس الاخطاء ونطبقها ونكررها ونؤكدها وكل ما يحصل انها تزداد . حتى اصبحت هي الواقع . هي الواقع الذي لا مفر منه .

ولاني ولحمد الله ولسبب لا اعرفه تعودت ان اتعلم دروسا عن قناعة لا عن قرصة اذن او مصيبة تحل بي . فمثلا لا زلت اذكر ذلك اليوم قبل ١٨ سنه عندما قررت بالا استحوذ على احد من خلال مشاعري وبالاخص اولادي ، عندما احسست بالكره لزوجة ابني المستقبلية . ..كان شعور حقيقي بكل ما تحمله المشاعر من ضغن وكره لامرأة ربما لم تكن ولدت بعد . كرهتها بينما لم يتجاوز ابني الشهر الاول من عمره . في تلك اللحظة فهمت كره من كانت حماتي لي .. وطبعا استمريت في لومها وكرهها ، ولكن تفهمي لمشاعرها كأم وذاك الحب العظيم الذي لا يقبل المشاركة للابن استحوذني ، فقررت من تلك اللحظة الا اكون هكذا . اعرف ان ما اقوله يبدو هذيانا وسخيفا ولكنه كان بلحظاته التي لا تزال تحضرني كانها الان في كل مرة من اهم القرارات التي اقدمت عليها وغيرتني جذريا .

وكتلك القصة ، حدث معي والهاتف . قرأت ستاتوس ساخر قبل عدة ايام يرمي الى ان الكاتب مل من الحياة على الفيس بوك من ترقب ومتابعة وتلصص للناس واضافة اصدقاء ومتابعة فقرر ان يعمل ما يعمله بالفيسبوك ،فصار يمشي وراء الناس ويتدخل في الاحاديث ويتجمل للمارة ويضحك للغريب ، وبعد يومين رأى نفسه ملاحق من الشرطة وطبيب نفسي ورجل غيور . وكان قد صادف ان قرأت كذلك عن تشديد المخالفات بالنسبة للسياقة والهاتف وصلت الى حد سحب الرخصة والحبس الفعلي ، وكذلك حتى للمارة . فمن يقطع الشارع وهو يستعمل الهاتف ستتم مخالفته . بينما فرحت لهكذا محاولة لتقويمنا ، الا انني فكرت مليا وقلت لنفسي : ما هذه الحالة من التدمير الذاتي التي وصلنا اليها . اصبح الهاتف الذكي بين ايدينا كالقنبلة الموقوتة التي ستتفجر فينا في اي لحظة . ما هذا الاستهتار الذي وصلنا اليه في تحولنا الى جماعات استهلاكية مستهلكة تدميرية ؟ كيف اصبح الهاتف الذكي كالكوكايين . استعماله المفرط بلا شك يؤدي الى الهلاك . بداية افسد علينا حياتنا الاجتماعية وحولنا الى انعزاليين ندمن الوهم في الوصول الى ذروة الاهتمام الكاذب عن طريق وسائل الاتصال الغير حقيقية . صرنا ما نريد ان نكونه على الفيسبوك . عالم كامل اختلقناه لانفسنا وراء الفيسبوك وجعلناه واجهة كينونتنا وافرطنا في ذلك كفرط الادمان على عمليات التجميل . اصبحت معالم وجوهنا فوتوشوبية ، واختفت اشكالنا الحقيقية وراء صور نروج لها على انها نحن فاختلطت بنا وخلطتنا كالنفايات البلاستيكية التي تفرم وتذوب لتصبح موادا استهلاكية اخرى ويعاد تدويرها وهكذا دواليك.

فقررت ان اوقف هذا الادمان الذي بدأ يسير في جسدي كالسم في الدم . قررت ان ادخل عملية ” ديتوكس” من هذه السموم الادمانية في التخفيف من حمله الى جانبي وتفقده كل دقيقة . فبدأت بتركه اول يوم في البيت “وحيدا” وخرجت بدونه لمدة ساعة . رجعت بعدها بسعادة بانني نجحت في الابتعاد عنه . ولكني اقتصرت المشوار على الساعة وادعيت انشغالي وتعبي وهرولت اليه وكانني احضن طفلي الوليد حديثا . لا اعرف من الذي يفتقد للاخر او من الذي يحتاج للاخر . وكأن أنسنة ما دبت في هذا الجهاز ، فشعوري بالابتعاد عنه كان وكآني اخاف عليه من الشعور بالوحدة بدوني. في اليوم التالي قررت اخذ جرعة اكبر ، قمت بعمل جريء لم اكن اتوقعه مني . تركته في بيتي بالقدس وذهبت بدونه الى اريحا .

نعم … فعلتها .. تركته وحده وذهبت .

لا استطيع وصف الشعور الاولي بهذا . استمتعت بقيادة هادئة مركزة تماما بالطريق والموسيقى وافكاري التي كانت تنطلق من قمة تل الى اخرى على الطريق معي وكأنها ترقص فرحة . صرت افكر بالحجج الايجابية لوجوده الى جانبي . هكذا طارت كل تلك الافكار العظيمة بلا تدوين . فكنت اتفاخر في التقاطي احيانا لتلك الافكار العظيمة واحبسها فورا داخل الجهاز بينما كنت اقود . شعرت انني فقدت الاتصال بفلان وعلان وماذا لو اتصل اكس وتحدث واي . ماذا لو ارادت ابنتي شيء او كان هناك طارىء . انتصرت على كل تلك الشيطانيات من الافكار واحبطت محاولاتها باشعاري بالذنب او الحاجة او الرغبة . وكان اول امتحان عندما قرعت الجرس على باب بيت اهلي ولم يرد احد . حينها بدأت تلك الشياطين بالشماتة ، وبدأت كعادتي باحباطها مفكرة بخطة بديلة بالوصول الى هاتف ما والاتصال بامي .. ولكن كيف سأفعل هذا وانا اخر رقم هاتف حفظته كان رقم هاتف المكتب وزوجي السابق قبل عشرين عام . انتهى حفظي للارقام منذ حملي لاول هاتف ذكي واقل ذكاءا . ولحسن الحظ ان الله وببركات ليلة القدر التي كانت ستحل ذلك المساء لم يشأ ان يمتحنني وفتحت امي الباب بعد دقيقتين ربما ،بدت وكأنها ساعتين من الارق والانتظار.

وكمن يتشافى من الادمان اعلنت صنيعي وبجلته ومدحت نفسي كثيرا . الا انني وللحق استمتعت بكل لحظة بدونه . ولحظي ان الكتاب الذي كان بحقيبة يدي لحسين البرغوثي. فلقد تنقل هذا الكتاب من رف الى اخر ومن حقيبة الى اخرى في الاشهر الماضية املا في تصفحي حتى لانشغالي الفارغ بالهاتف وما فيه . وامضيت وكتابي مع حسين البرغوتي من اجمل الساعات التي افتقدتها وبشوق بالغ . شعرت وكاني اعود الى نفسي من جديد .

رجعت الى البيت ولقد كان الفراق طويلا عليه ولكني لم اشعر باي ذنب هذه المرة . مع اني لامسته بحنين وتفقدته بحب . الا انني شعرت ان علاقتي به من الممكن ان تكون صحية بلا هوس ولا ادمان .

فقررت ان اكمل مشواري العلاجي ، فلم المسه بينما كنت بالسيارة ، وقطعت وعدا على نفسي الا امسكه حتى وصولي الى المكان المرجو او على الاقل النزول تماما من السيارة . تخيلت اضفاء هذا القانون الجديد على اولادي ، وصرت اتخيل السيناريو القادم من ردود الفعل والرفض والتمرد المطلق علي . فتخيلت كيف سنعود لنكون عائلة سعيدة في رحلة بالسيارة تكون كل الاجهزة في صندوق السيارة . سيكون هذا انجاز تربوي خارق من طرفي اذا ما نجحت بهذا .

وبينما انا على امل بالتعافي من هذا الادمان الذي كان قبل وقت قليل مزحة غير ممكنة بعيدة المنال ، اتمنى ان يمن الله علي بالشفاء الكامل منه وان استفيد منه بما صنع من اجله بلا اسراف مؤذ، ادى الى تهالكنا تدريجيا . هذه هدية ليلة القدر لي… حتى ان تفككي من حصاري له وتحكمه بي جعلني اشعر بالتواضع اكثر…


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s