http://www.wattan.tv/ar/news/140810.html

ويرحل رمضان عن القدس…

لا تزال القدس تزاحم زوارها الذين لا يراوحونها ، كأن رمضان لن يأت مجددا . وكأن الفرحة التي تصاحبه ستذوب وسيول الازقة عند تنظيفها .وكأن في هذا الزحام الذي لا تعيشه المدينة بكل هذا الصخب المفعم بالحياة لا يحل الا ببزوغ هلال رمضان وينتهي باختفائه .

وكمشهد مسرحي محكم الحبكة في افتتاحه وإغلاقه ، تخفت الأضواء ويتلاشى صخب الاصوات من كل الاتجاهات ، ويصبح الحراك بطيئا عاديا مع انتهاء الاحتفائية الأخيرة وتكبيرات انتهاء الشهر الفضيل .

دوت السماء بصوت المدفع الأخير بطلقات سبع تؤذن بقدوم العيد وتكبيرات تملأ الاجواء يمتزج الصوت فيها ببقايا الدخان الصاعد من طلقات المدفع على مشارف البلدة القديمة . ذلك الطقس المقدسي منذ العهد العثماني . يصاحب اهل المدينة إيذانا للفطور والسحر على مدار الثلاثين يوم.

ترجع السماء الى مكانها . تلاصق الاعمدة والاروقة والازقة والحارات مكانها بالارض من جديد . تقرع اجراس الكنائس ترانيمها وتعلو المآذن نداء الآذان وتكابير العيد . راحة مؤقتة بانتهاء شهر تكرم على المدينة الحزينة بفرح أجج فؤادها واخرجها من عزلتها وفك كل قيودها . ابتهاج بعيد مع تكبيرات المآذن وأجراس الكنائس . فرحة الأطفال في لباس العيد . تمتلىء الازقة بالاطفال والباعة وبلالين تتطاير حالمة لتصبح بسمة طفل في يوم العيد .

مئات الالوف الذين زاحموا المكان طيلة الشهر الكريمتبدأ بالتلاشي كما المحاق في حجبه النور عن السماء . راحة تملؤها الرهبة من جديد مما سيقدم على المدينة باليوم القادم . فكمن يصحى من كابوس . تلك الافراح والزينة بالقدس عروسا . كل اولئك الزوار الحاجون الى اقصاها سعيا في بلوغ رمضان والقدر وكل ما لامس المدينة من قدسية في لقاء السماء بالارض . في تراقص النجوم وزينة الحارات . في الشعور بالملائكة مصطفين على ابواب السماء وقبة الصخرة في باحات الاقصى . كل اولئك عادوا من حيث اتوا بعد ان قدموا قرابين ولائهم لله في شهره الفضيل .

القدس، تلك العروس المنتظرة دائما فك قيدها وعتقها، تركت من جديد لسجانها . كل تلك الزفة العارمة كانت لعروس بلا عريس . فالقدس عريسها شعب لا يملك الا رفع يده الى السماء في انتظار معجزة الهية تحمي عروس قلبها أقصى وكيانها قيامة . يقدم نفسه قربانا في سبيل حريتها مع كل فرصة والحاح من المعدي الآثم . كأنبياء الله التي كانت القدس لهم اسراءا ومعراجا. كان القدس لهم طريقا للآلام ومنها كان القيام .كيف يملأ الشعب العريس قلب قصي لا تدركه الا معجزات السماء . وكيان قام بقيام المسيح منه صعودا الى السماء .

يبدأ نهار جديد على القدس ، بتكابير العيد تملأ السماء بالله اكبر كثيرا ، والحمد لله كثيرا ، وسبحان الله العظيم وبحمده بكرة واصيلا . لا اله الا الله والله اكبر .تفرغ الشوارع والاأقة كلها ، الا تلك المؤدية الى أبواب مداخل الأقصى . أصوات التكبيرات تملأ الفضاء منادية لصلاة العيد . “صباحية” زفاف القدس الى شعبها. وكالعريس البهي الفرح بعروسه الجميل يرتدي ابناؤها اجمل ملابسهم ويتزينوا ويتعطروا ويتقدموا نحوها في ابهى صورهم .

ولأنها عروس لا ترضى الا بشعبها عريسا . ولأنها مدينة يتنازع عليها الخطاب والمريدون . ولأنها لم تزل مسبية ، مغتصبة ، مسلوبة الحرية … يشعر المارة في هذا اليوم بأن البهجة آفلة عنها . يتلاشى المارة ليبقى الاطفال يتراكضون ويلعبون . يتسابقون فيما بينهم على لعبة اجمل ، وعيدية يهرولون من أجل صرفها على حلويات والعاب وركوب جحش مزين على مداخل باب الساهرة ، واصوات الباعة علي مرور الطريق لباب العامود.

ولأنها تعي مصيرها بعد ساعات ، عندما ينهي الاطفال اخر ما تبقى مما في جيوبهم . وعندما يذهب كل الى بيته وناسه . ستبقى كما هي تعيش ومصيرها .سيبدأ الشياطين حبيسي رمضان بالخروج . كالسكارى ومجرموا الليل يخرجون من جحورهم بينما تأفل المدينة من رجالها ونسائها ، ويتعب اطفالها من الركض واللعب والغناء والصراخ . يبدأ اولئك بالخروج متلصصين منتظرين سكوت المدينة من اهلها ….يخرجوا مرة اخرى ويبدأ حراسهم بالتواجد المعلن من جديد .يمشون كعادته بهرولة محاطون بجنود وحراس .مؤججون بأسلحة يرعبهم طفل في الطريق وبندقية بلاستيكية من هدايا العيد .

وتستمر اللعبة بين الطفل والاشرار . وينتفض المباغتون من المستعمرين المستوطنين خوفا ورعبا امام لعبة وقطعة حلوى في عيون الظالم بندقية وقنبلة. فتطوي القدس نفسها من جديد . تتوشح الحزن رداءها وتنهض السماء عنها . فأمام ظلم بين ، وأعلام السواد ترفرف على بيوت مسلوبة ، وشرطي بهراوة ، وكاميرات تتلصص على الاهل واصحاب البيوت . تنزل الزينة وتطفأ الاضواء . يتلاشى البشر ….وتترك المدينة الجميلة من جديد …لمغتصبها الغاشم . وتقرع اجراس الكنائس وتدوي تكبيرات المساجد من جديد …هذه المرة بترانيم وايقاعات ،يغلفها الحزن بدل البهجة السابقة . وكأن الريح التي تدوي السماء وتنشر الاصوات ترد النغمات وترجعها في نبرات حزينة بحزن المدينة الجميلة .

بانتظار رمضان جديد ، وامل يحي المدينة والنفوس من جديد ..حتى ولو لشهر واحد فضيل .

كل عام وانتم بخير….


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s