مهاترات وطن
في مكان ما ، بين ما نكتب لنعكس به الواقع ، وبين الواقع نفسه. تخرج الكلمات لتندمج في مهاترات كلامية . لا تشبه الكتابة ولكن في ذلك المكان …تشبه الواقع . فيصبح ما يكتب على الورق مهاترات … كمهاترات الوطن.
في كل مرة أذهب فيها الى رام الله ، أشعر بالاحتقان . شعور ما بين الاختناق وصعوبة التنفس ، على الرغم من عدم وضع أحد يده على ” زمارة رقبتي” ولا يبدو في الجو غبار أو دخان ينقص الاكسجين من المرور الى قصباتي ويعكر نقاءه . وطبعا ، ليس من الفراغ يأتي هذا الشعور ولا من الدلال . فمجرد التفكير بالمرور من الحاجز كفيل بأن يجعلني أتردد عن المجيء واغير الخطة وألغيها . فعادة ، ما أصل إلى مرحلة انني لا اتي الى رام الله الا “للشديد القوي” . في السابق كنت أستغل وجود الحاجز للعن الاحتلال وسبه . كنت ارى في وجوده اهمية كبيرة ، فهو المؤشر الدائم على وجود الاحتلال . هو المؤشر الدائم بإننا لا نحيا حياة طبيعية في رام الله على سبيل المثال حتى ولو قضينا آمسية جميلة او صاخبة ، في مطعم او بار . هو المؤشر التذكيري بأن حياتنا مهما بدت طبيعية ، فوجود الحاجز يؤكد اننا تحت احتلال . في السابق كذلك ، وصلت الى مرحلة ، صرت آتعاطف فيها مع الجندي المحشور في علبة زجاجية مصفحة لساعات تطول عن ساعات انتظارنا ، بينما نمر نحن ويبقى هو .
أما اليوم ، فالحاجز صار “معبرا” ، والإحتلال اصبح ” شرطة حدود” . وكل ما يجري وراء هذا الحاجز هو من صنيعنا نحن. فالاحتلال بريء تماما مما تصنعه أيدينا في تلك النقطة من التقاء الوطن . صار يذكرني الحاجز بأيام الصيف الماضية قبل عشرات السنين حينما كنا نسافر الى الاردن . الناس هناك في الزحام والرائحة والتصرفات كانت تبدو غريبة عني ولكنها مؤقتة ومرتبطة بذلك الموقف الذي يفصلنا نحن ما بين احتلال وقوة اخرى ليست نحن (الاردن) . فلم نكن في تلك “المصيدة” اصحاب خيارات . فالخدمات محدودة وفرصنا في التصرف على اي نحو غير موجودة . فكنا نصطف كالقطيع وسط ذباب هائل واوساخ في كل مكان ، وكنت أقول في نفسي ، لن نكون نحن ابدا هكذا . على قلنديا ، أصبحنا نجسد انفسنا في انعكاس تعدى غطرسة الاحتلال وهمجية جنود البدو . وكأن الزمن رمانا في مستنقع لا نستطيع الخروج منه . وما يجري ما بعد الحاجز دخولا الى رام الله ينهي اي حديث ، ويفسر اي معضلة مهما صعبت . فهناك تجسيد لحقيقة مرعبة بكل تفاصيلها لما أصبحنا عليه وعلى كل الاصعدة وفي كل الاتجاهات . هناك انهيار في المنظومة الاخلاقية متشعبة على كل الاصعدة وفي كل اجزاء المجتمع . نمرة صفراء او بيضاء . امرأة او رجل . شاب او عجوز. طفل، ام ، اب، اخ ، اخت. طبيب ام بائع متجول . هناك انهيار اخلاقي اصابنا جميعا واستفحل فينا . ما يجرى على الحاجز يكسر حتى خيال منتجي الأفلام لما يشمله من انحطاط يصبح أثناء حدوثه وكأننا جزء من مستحيل . في السابق كنت أرى في حالنا على الحاجز “البؤساء” . اليوم ، تعدينا حتى التجسيد الدرامي للقصة .
آخر مرة كنت فيها على الحاجز ، شعرت وللحظات بأني سأخرج من نفسي ، وصرت أتخيلني واقفة في عرض الشارع وسيارتي أصيح ، امنع المرور . حتى في مصر لا يحدث هذا . كيف يصبح شارع باتجاهين ومسلك لكل اتجاه فجأة وبسبب أزمة خفيفة غير مؤثرة على موعد مهم او طارىء ،الى شارع باتجاه واحزد وبأربع مسالك ؟ كيف ينعدم الاحساس بوجود الغير بلحظة واحدة . ولا يرى الشخص غير نفسه في سيارته . كيف يصبح في لحظة الكل في حالة عدم احترام . لحظة تفقدنا جميعنا الاحترام للاخر منا ، وبلا وعي منا لنرجسيتنا الساذجة تفقدنا تلقائيا احترامنا لذاتنا . لا نفكر الا في كيفية خروجنا من الازمة بمبدأ “علي وعلى اعدائي” . احاول في هذه المهزلة تصنيف البشر . ربما هذه التصرفات هي من صنيع الرجل . ولا تلبث امرأة تدخل في سيارتها في سباق الزحام . قد يكون اولئك حملة النمر الصفراء . فهم يهيموا في شوارع الضفة كالفأر الهارب من مصيدة. كل ما يطبق من قوانين في الجهة المقابلة يأتي صاحب النمرة الصفراء ليستمتع في فكها والتعدي عليها . ففي لحظة الدخول من الحاجز يخلع حزام الامان ، ويحمل الموبايل ويقرر الدخول بالشارع بعكس السير او التجاوز . ولكن هكذا يفعل ايضا صاحب النمرة البيضاء . لا ، لا بد انه سائق شحن او عمومي ، بلا تعليم او أدب تعلمه في المدارس او الجامعات . فترى سيارة فاخرة يقودها رجل ببدلة ويحمل سيجار . امرأة مهندمة واخرى بحجاب . عائلة تكتظ بها السيارة ، واخرى بخطيبين متحابين .
في لحظة ما في وسط ذلك الزحام الغوغائي ، استوقفتني نفسي عن الجنون والنزول من السيارة وابدأ بالشتيمة والصياح الاعمى . وصرت اتخيل صوري على المواقع الاجتماعية والاعلامية تحت عنوان : ” سيدة تنظم المرور على قلنديا” . او ” مجنونة تصيح وسط معبر قلنديا” (صحافتنا كذلك تسميه معبر). او الارجح: ” المارة ينقضون على امرأة مجنونه على الحاجز” . الحقيقة ما منعني من النزول رؤيتي في ذلك المشهد وذراعي العاريتين . سوف تصبح عملتي في هذا الموقف عملتين . سينسى العالم سبب نزولي وتصبح ئراعي هما سبب الأزمة.
المهم وبعد وصولي الى موعدي المنشود… وبينما لم تزل اثار الغضب والاستفزاز تسيطر على رأسي وابدو كذلك المشهد الكرتوني في توم وجيري عندما كان يتطاير الدخان من اذني توم او الكلب عند الغضب الشديد. وبينما حاولت جاهدة كالعادة نسيان ما جرى في الساعة الاخيرة . فلم استطع . فاحتجت ان اتكلم عن تلك التجربة لساعة اخرى . رحت اتساءل . من المسؤول؟ النفايات والرائحة الكريهة هناك طبعا صارت جزءا من المكان . حتى اني لم اعد الاحظ الزبالة واشعر عادة بان الهواء الطبيعي هناك هو مغبر . وان الاولاد والفتية في الشوارع هم جزء من صنيع المكان . منطقة سياحية . منطقة تجسد الحال بجدارة يجب ابقاؤها للاجنبي ليراها ويسوقها . فالاحتلال هو الاصل بها . ولكن . هل من المعقول الا تجري السلطة التي جل ميزانيتها في الامن ، ان تتدخل . اعرف بان اوسلو تمنع . ولكن اوسلو لا تمنع تنظيم بعض الامن بلا زي رسمي لاحتواء ما تبقى من آدمية فينا . من المستحيل الا يكون هناك حلول من القيادة الحكومية . من المستحيل ان التنسيق الامني الهائم على وجهه حبا بين القيادة السياسية والحكومية يرفض هكذا استثناءات. من غير المعقول في بلد معظم شبابها ينتمون الى احد اجهزتها الأمنية المهيمنة لا يمكن تجنيد الشباب في الحد من هذا الانهيار الاخلاقي المستفحل. المطلوب بعض التنظيم السلطوي في هذه الحالة . وكما قلت ، موضوع النظافة والاوساخ على مرأى العين لم يعد ضرورة . فما الذي يمكن ان يقال في هكذا موضوع عندما يرمي الرجل الخمسيني اوساخه من نافذة سيارته الجميلة. كيف سننظف مدينة ترمي الام النفايات في الشارع بينما تمسك يد طفلتها الصغيرة ؟ ومع هذا هناك العديد من الحلول ، ولكن الاهم هي المأساة الاخلاقية المنحدرة في هذا المكان. ما الذي يمنع المرور من منع السيارات والمارة المنتشرون على بعد امتار من الازمة فيما بعد من التواجد. فالمعجزة تتجسد في ذاك المكان . كيف لا يقتل الناس يوميا هناك ، هو فقط امر لا بد ان العناية الالهية تتدخل فيه باعجاز.
وبعد مناقشتي وتذمري لما عانيته ما بعد الحاجز ، أكون قد نسيت لما اتيت ومع من اجلس حتى . في تلك اللحظات احيانا يسكت الكلام عندي تلقائيا ، وابدأ في العيش في مرحلة جديدة من الهلامية في هذه البلد. فحكايا رام الله كوم ، وحكايا الحكومة كومات اخرى . أشعر بالبلاهة من جهة ، وبالغربة من جهة أخرى . آستمع لقضايا كبيرة مهمة . فضائح فساد مالي واخلاقي . تتلاسن الناس في امور تشيب الشعر . اشعر بحاجتي الى اللطم . ويبدأ الحديث كالموج الهائج المترامي اخيرا على شاطيء رملي. بين حديث عن التصاريح ويافا والتصرفات الغوغائية التي لا افهم سبب انزعاج الناس منها ، تذكرني بصحبتي لاطفالي بزيارات وهم صغار بينما احذرهم من التصرف بأدب و بالا يفضحوني بتصرفاتهم امام الغرباء . فلا افهم ، هل الناس في حرج من كم النفايات المخلفة وراء الجموع الغفيرة على الشواطيء . ام نزول المحجبات بعباياتهن للبحر ام الاراجيل والشواء والعوم في المناطق الخطرة ؟ ام هو التسوق وترزيق الاحتلال ؟ اذا ما كان الشعب بهوياته الزرقاء والخضراء هو نفس الشعب الذي يتزاحم عند الحاجز فما العجب ؟ فحالة الخنق التي يعيشها المجتمع باكملها داخل الجدار في هذه الحالة ،ابسط ما يترتب عليها هو هذه التصرفات في لحظة فيها فرصة للتنفس بهواء عليل مختلف. فما المختلف في ذلك المشهد . شوارعنا تملؤها النفايات وتصرفاتنا تملؤها الهمجية وسوء الخلق . فالمنظر لا يعبر الا عنا جميعنا في مشهد مختلف فقط.
ما الذي نريده منا اولا ، ومن غيرنا من هذا الشعب ، ومن ثم من اعدائنا ، ومن الاخرين ؟ ونحن في حالة انهيار تعدت انهيارات الاحتلال . كيف سيكون وضعنا في حال احسن وقضايا الفساد علنية . حكومة تغير وزرائها ولا نلمس تغيير في اي شيء . ندعو الى الوحدة ونحن منقسمون لا يجمعنا الا مصالحنا . نعيش على الفرقة والنميمة والاسقاطات . لمن نذهب واعلامنا يحيا على اخبار النميمة في وطن اصبحت فيه المؤسسات والوزارات والدوائر الحكومية والاهلية فيها كحلقات ربات البيوت . تملق وتباهي وفراغ مطلق وكلام سخيف يغطي كل واحد فيه على حقيقة سوء حاله . فيسقط فلان فلانا ، ويعيب هذا ليغطي عيوبه ، ويفسد على ذاك طمعا او حقدا او غلا. الجميع مصطفون في يوم يشمتون فيه في احد ما . عرفوه ام لم يعرفوه . قصص عن خيانات وابتزازات وسرقات لا يتم تداولها الا بين الرؤوس المتلاصصة حول نفس ارجيلة او عصير ليمون ليخفف الضغط عن الرأس. لمن يذهب المواطن للشكوى او ايجاد الحلول . ورئيس سلطة مقاطع شعبه في مقاطعته يحاصر نفسه وسط قطيع من المقربين لا بد يخبروه عن شعب اخر سعيد. هل يمر الرئيس مثلا من خلال قلنديا الى اي مكان ؟ مثلا بينما يسير في موكبه الا ينظر الى كم النفايات في الشوارع ؟ ام لان بيته قريب من المقاطعة وطريقه من الدي سي او لا يرى الا ما يلتقطه نظره في تلك الطرقات القصيرة . ولكن الا يشاهد تلفزيون . على حسب الواشنطن بوست فان الرئيس كان يشاهد حارة اليهود برمضان . يعني من غير المعقول الا يكون الرئيس قد رأى الحاجز (المعبر) على الشاشة في مظاهرة ما . افهم ربما ان الرئيس يجب الا يتحمل هذه الامور العينية . رئيس الوزراء . وكيف افكر في رئيس وزراء لا يزال يشغل منصب رئيس جامعة . كيف من الممكن ان يلحق الرجل على المنصبين . انه رجل خارق لا بد الاشادة بذلك . يعني وبكل الاحوال هو مشغول كذلك . مع ان الغريب في هذه السلطة اننا نسمع لقصص صغيرة جدا تكون محور اهتمام هؤلاء الكبار . وكأن الوطن بيت صغير . ويا ليت الوطن بقي بيتا . صار الوطن هو قارعة الطريق . قارعة الطريق الى قلنديا.
نعيش مهاترات ..تتهاتر في سوء حال حكومي ، سلطوي ، قيادي ، فصائلي، شعبي..إنساني. تهاترات في تحصيلات لا ترقى الى اكثر من أرقام . إنجازات لا تعدو البدء ولا تصبو الى نهايات . انعدام فكري وانحطاط اخلاقي على الرغم من كثرة الشهادات ولبس ربطات العنق واكل البيتزا بالشوكة والسكين. فقر بالتربية بالرغم من ازدحام نشاطات الابناء بالالعاب والاجهزة الالكترونية والمدارس الخاصة والأجنبية . غياب للقيادة رغم كثرة الزعامات . تسيب في السلطة رغم سماعنا الدائم للجان تحقيق وفتح ملفات فساد. نسب في هذا المسؤول ونطعن فيه ونتذلل وراءه من اجل استرضاء . نريد التحرير ولا نستطيع التحرر من قيود كبلنا فيها انفسنا واخرسنا فيها الحق وغيبنا عنها المنطق ومحونا فضاءنا من اي رؤى او ادراك.
نتهاتر لوطن لم نعد نرى له افاق . نريد دولة لم نعد ندرك لها حدود . ندعو لحكومة لا نعرف منها الا وزراء او طامعين طامحين بوزارة او منصب ما . نتباهى بالصمود ونحن من داخلنا خانعين لجندي في سبيل تأشيرة مرور . ندعو للشهادة بدم اولاد ليسوا اولادنا . ننادي بحرية لأسرى لا نرقى الى التجمع في العشرات من اجل رفع الظلم عنهم في تظاهرة.
نريد وطنا بلا أرض. ما دام لنا عقار وممتلكات خاصة .
نريد التحرر ونضحد المقاومة وندعو في سرنا بقاء الاحتلال ، لانه في بقائه حماية من غوغائيتنا.
نريد المقاطعة ونحن ان لم نأكل مأكلهم ولبسنا لباسهم شعرنا بنقصنا . فبتطبيعهم لنا اكتملنا وشعرنا بتميزنا الفارغ.
فنحن شعب بلا وطن . برئيس بلا سيادة . بحكومة بلا أجندة .
لذا حياتنا عبارة عن فراغ لا يرى اي تفاصيل … مهاترات وطن.


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s