مهاترات وطن
التيه في كوميديا ليست إلهية

كنت أفكر بموضوع ما يمكن الكتابة فيه حول ما يجري حولنا في هذه الأيام . ورحت أقلب في المواقع الإخبارية وعلى الفيس بوك بلا أهتمام . فالمواضيع نفسها والصور حتى صارت تتشابه . العنوان الكبير تتصدره داعش وكأنها مفاجأة . كأنها عدو آتى من بعيد . متناسين ان ما يميز داعش عنا هو فقط الاسم والعلم الاسود بكلمات نرددها ونعيش تحت الولاء لها (الله اكبر ) تدنوها (الله رسول محمد) . كلنا نصرخ تحت نفس التكبيرة من أجل حق ندعي الحق فيه لنا ، ونهدر ونستبيح كل ما لا يمس مصالحنا. حتى انتماآتنا اليوم هي عبارة عن مصالح لا أفكار ولا ايديولوجيات . وفي أخبار داعش ،الصحافة تحمل السيف في وجههم محاربة معلنة فاضحة أعمالهم الوحشية الهمجية متنكرين لهم ومنهم. في صفحات التواصل الاجتماعي كفيس بوك ، فكل من اوتي بمعلومة دينية يقدم على فضحهم بأفكارهم الدينية المتطرفة . فترى الحرب تمتد من زمن ابن تيمية وتتوقف في تبارز عند أفكار سيد قطب ومحمد عبده من جهة ، واولئك المكتشفون الجدد للإسلام بالتصوف والدروشة . تياران يمتد احدهم من الاخوان والوهابية السلفية والقاعدة وداعش والي ما يمتد الخط اليه من تطرف اكثر او اقل . وتيار يرفع الاسلام على سحابة تسامح وحب لله تتخلله رقصات الدراويش والتكلم بالطرق تسموها بدع وخرافات لا تتعلق لا بالصوفية ولا بمبادئها.
وكعادة المتهاترين منا ، نمارس جميعا دور الإفتاء وادعاء العلم . ونتنازع فيمن يحق له الفتوى ومن يجدر به الاجتهاد. وتصبح الامور فجأة كلها عقائدية وكأن حبلها ممسوك في نهايات السماء يشده الله من فوق أو يرخيه.
وبعد المرور من خراريف الماضي الذي نعيشه من استحضار داعش الدائم ، ترى الأخبار المترصدة بنفسها امامنا ،تتعلق بمتاهاتنا الداخلية . ووصلنا بجدارة سباقة وبلا منافس الى انحدار في قعرات ما يمكن ان يتبقى من غليان في نيران نحن نعد لها . أنظر الى حالنا وارى الجحيم الذي تكلم عنه الشاعر الملحمي الايطالي دانتي في القرن الثالث عشر في ملحمته الشهيرة ” الكوميديا الالهية” . وافكر ، يا إلهي ! لو علم دانتي ان الجحيم الذي يعد في قعر وصفه لمن سيكون حطب ذاك الجحيم هو نحن بما نقوم به ونفعله لادعى الاهية وليس النبوة فقط. فمخيلة دانتي التي ابتدعها تبدو وكأنها تتجسد فينا . ذلك التيه الذي صوره عن نفسه في ملحمته . وذاك الشر الذي مصدره الانسان نفسه ، والمأساة المترتبة في العقول النائمة . اولئك في أدني درجات الجحيم . اولئك الذين فقدوا القدرة على الفهم والتفكير والادراك . فكان كلامه صدقا حين قال : ” إذا كان العالم الحالي منحرفا وضالا فابحثوا عن السبب في أنفسكم” . فهذا الضلال الذي نعيش فيه بات هو الخطر المهدد لنا . فتعدينا مراحل التيه وضللنا . أنظر الى صور ، ولم أعد أعرف من الجاني ومن الضحية . من القاتل ومن المقتول . اارتاح ام اغضب . ااحزن ام افرح لذلك الفعل المشين من صورة لخبر ما. اهو نحن ام هم ؟ صورة لحريق بمنزل تتصدر الاخبار ، خفت الاقتراب من الخبر ، لاني لا اريد ان اعرف عن مشاجرة جديدة بين أبناء الوطن راح ضحيتها شاب او شباب ، حرق عقار او سيارة . فأحسست بغبطة حقيقية عندما تيقنت ان تلك الصورة لجريمة ارتكبها الاحتلال.
نعم ، الاحتلال لا يزال هناك ، على ما يبدو ان “مردخاي ” الناشط الفيسبوكي ، يتعلم من تجاربنا ليقدم اليات تطوير لجيشه للتعامل معنا في القمع والقتل . فصارت طريقة الاحتلال اليوم في التعامل مع جرائمنا كتلك التي نجرم نحن فيها في حق انفسنا .
استوقفني هذا الشعور كثيرا … كيف أتى يوم تنفست فيه الصعداء عندما رأيت ان الخبر متعلق بجريمة للاحتلال . لم يهمني من قتل وكيف وماذا جرى . احتفلت بداخلي ان الاحتلال لا يزال موجود وفاعل ولا يزال هو من يقتلنا .
فتلك المشاهد باتت تتكرر امامنا ، والاحتلال انفصل عنها متفرجا ،شامتا بلا ادنى شك.
وكأن هناك فيروس شديد العدوى يفتك بالناس . تتقاتل من اجل اي شيء وفي سبيل اي شيء . الكل “رامي دمه” زحام على الطرقات غير مبرر ولا مقبول ومن المستحيل فهمه . السرعة تودي بحياة الناس ولا من متعظ ولا من رقيب. تخرج من بيتك ولا تعرف كيف ستعود ان عدت ، فالارجح ان تعلق في شجار او حادث او او استدعاء من جهة امنية ما على موقف او كلمة عابرة او مقصودة ، او ازمة مرورية تعلي ضغط دمك وتؤكد على إنقاص ما من حياتك هذه التي لا تعني اي شيء لاحد ولا لك.
لو كان دانتي بيننا اليوم لكان عنوان ملحمته “التراجيديا الالهية ” لان الاله الذي وضعنا على حسب ملحمته التاريخية كان في صنيعه ما تغلب عليه الكوميديا . اما حالنا اليوم فلا بد انه تراجيديا يعاني منها الرب حتى . فماذا يقول الله فينا وهو يرقب حالنا المأساوي هذا؟
وحالي كغيري ، مللت من التذمر والشكوى بلا اي اقتراح لحل . ولا حراك من اجل تغيير . واخشى ان يأتي يوم يدفن الامل في امل يوم لوضع افضل في غيابات هذا التيه الذي نعيشه. فانحدارنا هذا فيه انحطاط مريب . المصيبة ليست فينا نحن . فنحن ربما نتحمل مسؤولية هذا الوضع . نحن من سمح ان تصبح المصالح الشخصية هو الوطن . نحن من سمحنا للفساد ان يتفشى في المؤسسات لطالما كنا في مأمن خاص بنا . نحن من اكتفينا في التذمر فقط في كل التجاوزات المحيطة من غياب أمني ركزنا على ذلك “المقدس” فيه حتى اختفى شرطي المرور وانعدمت هيبته . فصار الشارع ملكا لمن يتجاوز اكثر . نحن من تخاذلنا في قضايانا الكبيرة فتقلصت قضيتنا لتخفيف إجراءات على حاجز صار معبر . تقلص الوطن فينا الى بيت وسيارة بقرض ومشتريات وزيارات واذا انعم الله علينا لخارج هذا المكان الذي لن نعد نستطيع ان نسميه وطن .
اختزلنا الوطن فينا الى مكان لا يتعدى مصالحنا الخالصة ، وصارت القضية شعارات لا يصدقها من يتداول التلويح بشعاراتها ولا متلقيها.
حتى القضايا العامة تعممت ، فأصبح القتل طبيعيا ، والشجار طريقة حياة . المحسوبية هي طريق العبور والفساد هو المؤشر الرئيس للحراك . فلم يعد طرح نقاش مجدي . تحولنا وبدون ان ندري الى ركام لبناء . تحولنا الى مهاترات بوطن….
مصيبتنا في ذلك الجيل الذي يتربى منا وبيننا ..كيف سيكون حاله في هكذا مهاترات؟
مهاترات وطن أصبح تيهه كوميديا ليست إلهية.


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s