توقفت كثيرا أمام خطاب الرئيس الأمريكي اوباما قبل يومين في إحدى الجامعات الامريكية ليبرر الاتفاق الايراني . وانا بالعادة لا تشدني الخطابات ولا أشتري او ابيع فيما تحتوي . وربما كعادتي تركت فحوى الخطاب ، الذي تابعته بدقة على غير عادتي كذلك ، ودأبت في التفكير في مجال آخر.

وبعيدا عن أن الخطاب لم يصل الى صحافتنا بعد الا من خلال مقتطفات لا ترقى الى الخبر الصحفي ولا تتعدى التراشق الاعلامي ، في حين قامت الصحافة الاسرائيلية وقيادتها بتنقيحه منذ انعقاده .وشأني كباقي الشعب اقول في نفسي ، ما الذي يهمني من هكذا خطاب او هكذا اتفاق . وفقط من اجل ارضاء شعوري بالغيرة من اسرائيل التي جعلت الاتفاقية شخصية وكأن اسرائيل هي المتضرر الوحيد من هكذا اتفاق ، فأقام نتانياهو الدنيا ولم يقعدها منذ بزوغ امل في التوصل الى اتفاق منذ عدة اشهر ، وصار كمن نكثت شعرها ودارت في الشوارع اثر مصيبة وقعت في بيتها ،يدور في كل محفل ومناسبة ليروج ضرر الاتفاقية. ولا يخفى على احد ، بأن دوي صراخ نتانياهو يصل الى قلب امريكا وصانعي القرار فيها . ومع هذا تعاملنا هنا وكأن الامر لا يعنينيا .فالصراع الدائر الآن هو صراع بين الاقوياء لا يعني امثالنا من شعوب اختارت ان تكون على حواشي التاريخ ان كان لا بد من ذلك .

ما ميز خطاب اوباما هو خطابه لشعبه . كان خطابا موجها للشعب الامريكي اولا . والعبر من الخطاب للآخرين ثانيا ، وتشمل العبر اسرائيل وايران وغيرهم .

كل شيء وكل شخص وكل مصلحة كانت تأتي بعد الانسان الامريكي ، الذي يعتبره اوباما هو الاصل في كل كلمة صيغ فيه خطابه . اختياره للخطاب بجامعة ، كان كذلك مهما ، فهو اراد النهوض بمستوى الخطاب من كونه خطابا تعبويا يناشد ويستجدي ويقر ويعلن فيه ما طاب للجمهور سماعه ،الى خطاب يتحدى فيه عقل المستمع واعيا بأنه بحضرة مؤسسة أكاديمية عريقة . فنهض بهذا بمستوى المتلقي ولو حتى كان ذلك الجالس امام الشاشة لا يهمه الا ما يردده الاعلام من فقاعات وخزعبلات.

كمعلم متفاني ، كأب يسهر على مصلحة أولاده ، كحكيم وكرئيس كان يتراوح الخطاب في نبراته وفي فحواه . ولم يخرج الامريكي للحظة من مجال رسالته في هذا الخطاب.

لم استطع الا ان افكر بما ينقصنا هنا كشعب ، لن يهمه الخطاب ، فهو خطاب للكبار فقط. لن نفهمه ولا يعنينا ما به من قلق اسرائيلي وتهديد ايراني ومكاسب أكد خروج اسرائيل منها منتصرة في تعزيز عسكري وامني يضمن الاحتلال ويقوي نفوذه . فلو كان هناك حكيم في فلسطين كما في اسرائيل لقلب على اوباما السماء لاعترافاته بتعزيزات الامن الاسرائيلي ضدنا وبتفاخره بكونه الرئيس الامريكي الذي يشهد زمن ولاياته اكثر تعزيز عسكري امني لاسرائيل .ولكان انتبه الفلسطيني ان اسرائيل خرجت من هذا الاتفاق الذي اكد اوباما مرارا بانه بكل الاحوال لمصلحة اسرائيل استراتيجيا ويضحد من خلاله مخاوفها من الشر الايراني ، بغنيمة تضمن فيها تعزيزات امنية اخرى لمدة عشر سنوات اضافية .

ما ينقصنا كشعب هو هكذا خطاب يخاطبنا نحن .

يخاطبنا نحن الشعب اولا .

لا خطاب يوجه الينا في الضرورة القصوى وعند “خراب مالطا” ويكون في اوله واخره موجها لغيرنا في استرضائهم او التوجس منهم او استجدائهم.

لم يتورع للحظه اوباما في خطابه بالاشارة الضمنية والعلنية بعدائيته التاريخية مع ايران . ولم يبد للحظة بأن هذا الاتفاق كان اتفاق سلام بين أشقاء او حلفاء، بل كان اتفاق سلام مع اعداء . وسيبقى الاتفاق مشروط بالتزام ايران في شروطه .

تناول اوباما كل نقطة اثارها مناهضوا الاتفاق في الاشهر السابقة وفسرها امام شعبه بلغة اصر على ان تصلهم ببساطة وحنكة واحترام لعقولهم. تناول كل نقطة واشكالية وتساؤل وواجهها بلا مراوغة ولا كذب ولا استعلاء او استهتار .

فلو قارنت ما سمعته اليوم من تفسيرات مختلفة تناول فيها اوباما في خطابه مختلف محاور الاتفاق ، لفهمت مجددا الخلل بين خطابنا وبين خطابهم . فخطابنا اشكاليته وخلله لا تكمن بخطاب القيادة فقط. فالخطاب الاعلامي بكافة اتجاهاته معطوب عندنا . فلا ابالغ بقولي باني لم اقرأ تحليلا او دراسة او مناقشة للاتفاق استطعت ان اكمله او ان افهمه . فكتاباتنا ونقاشاتنا اما سطحية ، تفتقر الى العمق او التحليل ، او اكاديمية يسترسل كاتبها بتخيل نفسه في محاضرة اكاديمية لطلاب مضطرون لسماعه والاخذ بكلامه من اجل العلامة . وليس من قبيل الصدفة فراغ خطابنا القيادي والاعلامي من كل مضمون وملؤه بالخطاب الاستجدائي المتمسح لاسترضاء آخر ما . فنحن نجحنا بتفريغ قضيتنا من فحواها ونتمرجح على ما تبقى من حبال تتهاوى فينا وفي هذه القضية . نجحنا بتحويل قضية تمثلت في تسليط الضوء ولعقود من الزمن على حقوق الشعوب امام الظلم والقهر والاحتلال ، لقضية أقصى مطامح دعاتها خط حدودي يتوسطه حاجز ويعلوه جدار وتحيطه مستعمرات وتتداخل فيه شوارع استيطان .

تلاشى حتى خطابنا القيادي والسياسي والشعبي ليصبح تقاذفا وتلاسنا بين عدوين بالاصل هم اخوة من رحم واحد.

انحدر خطابنا بين ملقي ومتلقي الى حالة من الرياء ، لا يصدقها المتكلم ولا المستمع ، ومع ذلك الكل يصفق وينحني ويبجل ويثني . لا يفرح القيادة الا من يتملق لها ، ولا يسمع الا من اقترب من السلطان بقصائد المديح لجماعته والهجاء للخوارج .

نحن في امس الحاجة لخطاب كخطاب اوباما ، يتكلم معنا والينا . يجيب على تساؤلاتنا ومخاوفنا .


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s