يأتي عيد ويذهب عيد ، ويستمر الوضع في الإزدراء . نفتح أعيننا على سماع خبر ارتقاء شاب شهيد ، كان قبل يوم من أبناء الجامعة ، وفتاة بعمر الورود ترتقي بعدما عرت بجثتها المرمية امام اعيننا عوراتنا. ومشهد تفطر العين وتدميها لأطفال لم تتجاوز اعمارهم العاشرة يبكون رعب الاعتقال من قبل الاحتلال بجانب أسوار القدس. نتأهب لاستقبال العيد والمروحيات الاسرائيلية تحوم فوق السماء لا نفهم ولا نعرف ما الذي تقوم به . كاميرات مراقبة أخرى في السماء مصاحبة لتلك المغروسة في أزقة البلدة القديمة وعلى حواف الطرقات.في الجهة المقابلة مظاهرات او محاولات لمظاهرات ، من اجل نصرة الأقصى او من أجل التنديد بالنظام . مظاهرات من اجل اصلاح الاحوال ام من اجل مقاومة الاحتلال . انكسرت بوصلتنا فلم نعد نعي اين اتجاهاتنا وما هي اهدافنا . وقنبلة ينوي الرئيس تفجيرها في الامم المتحدة . وكأن هذا الموعد من كل عام هو موعد اعادة الثقة به وإحكام شعبيته. كيف وصل فيه المطاف سنة تلو السنة لتصبح الامم المتحدة هي منبره الذي يخاطب منه شعبه بينما يقطن بقلب الوطن ولا نسمع منه كلمة ولا تعليق. ننتظر كغيرنا ما يخبؤه لنا الرئيس من تفجيرات تصريحية لم تعد تهمنا ولا يزال الاخر يهتم بها اكثر ، لربما لاهمية الرئيس لهؤلاء اكثر . ونتوقف كغيرنا ننتظر القنبلة المنوي تفجيرها امام محاولات إبطالها من قبل فرق المختصون ليعي الجميع مسبقا بأنها قنبلة “فشنك” قد تكون عضوية كتلك المصاحبة لكلمات الاغنية بمقاومة التفاح والزيتون . فالرئيس لا يزال يهدد باوسلو والانسحاب منها . ألم تنه اوسلو اصلا وفق القانون الذي وضعها ؟

لن اتكلم في اوسلو ولا الامم المتحدة ، وسأترك الخوض فيها للرئيس فهو صاحب الاختصاص. فاوسلو هي القشة التي لا تزال تحمل سلطته وتحمل هذا الشعب البائس بين فعل الاحتلال وقيادته .

حالة التخبط التي نعيشها بين شعب وقيادة اليوم اصبحت في ذروتها . ولا يبدو مخرجا سلميا منها . وكأننا اغلقنا جميع المخارج بأيدينا ، بمشهد يشبه ذلك الذي تم فيه إغلاق الأنفاق في غزة كسد أخير لأنفاس غزة وإحكام قبضة العدو والزمن عليها بشدة.

ما يجري بغزة ونشهد عليه زورا وبغتانا يجري علينا ، ولكن لعمي بصيرتنا ولوجودنا بمركز الحدث في المشهد الخاص بنا لا نعي انه نفسه . فالاحتلال احكم قبضته علينا ، بالجدار اولا ، حتى اصبح الجدار جزءا من المعالم التاريخية التي نستشهد بها . عند إثارة مشاهد العري من قبل المتضامنين الاجانب امام الجدار ،سألتني إحدى اخواتي ، عن فحوى القصة وإذ بها تسألني ببراءة تملؤها السذاجة الفلسطينية : ” عند أي جدار تعروا. جدارنا نحن ؟ ” فأحسستها تتكلم عن الجدار وكأنه جزء من ماهيتنا ، من هويتنا الوطنية واصولنا التي لا نريد التخلي عنها . والحواجز التي صارت معابر ، في كل مرة يتم منحنا تسهيل ما وتخفيف من وزر الانتهاكات وقلة القيمة لنا ،نمر وكأن الطبيعة ابتسمت لنا في تلك اللحظات . ومرة تلو المرة ، يثبت الامن الفلسطيني لنا وللاحتلال وللمجتمع الدولي ، بأن التنسيق الامني ، قد تم وبجدارة من اجل تأمين الاحتلال من اي اقتراب فلسطيني . فمشهد الضرب والقمع في المظاهرات الذي شاهدناها لم يعد يفرق بين فعل قوات الاحتلال وقوات الامن الوطني . هناك حالة من التطويع نعيش بها كادت تجعلنا كالمدمنين . نعيش في حالة من اللا إحساس بأنفسنا ولا محيطنا . كل ما يحرك أحاسيسنا شعور الرغبة بالبقاء عند الحاجة لذلك الشيء المدمن . فبينما تحيطنا المصائب بسياج يتاخم ذلك الجدار وتلك المستوطنات والحواجز .سياج اسلاكه هواننا وانقسامنا وجهلنا المتزايد المتشابك فينا . نكتفي بهتافات ساكنة لا تتعدى التعليق على صفحات الفيسبوك في اكثر حالاتنا جرأة . نتمنى يوما نستعيد فيه كرامة مزعومة وقوة لا نزال نبني أوهاما على امجادها الماضية . نحاول استعادة تاريخ لم نقرأه حتى ، ونعيش على بطولات لم نقرأ منها الا عناوينها . فهل هي مصادفة ، ام واقع مرير ان يكون حالنا اليوم هو نفسه ذلك الحال الذي كان في بدايات القرن العشرين بينما كان الاحتلال لا يزال يبني اوصاله في داخلنا.

سأتوقف في استرجاع بسيط من ” ومضى عهد المجاملات” من مذكرات د.حسين فخري الخالدي التي كتبها في الخمسينات لتاريخ لا يزال يعيد نفسه …

تحت عنوان “فلسطين بين عامي ١٩٢٠-١٩٢٥” يقول : …. واضطرب المندوب السامي الجديد وكان يود ان يكون عهده عهد رخاء وأمن وسلام وما كان يريد مواجهة العرب في أوائل حكمه بالبطش والارهاب والجبروت ، ففاوض وتحدث وناشد وقبل شروط زعماء العرب في ذلك الحين ،ونجحت محاولاته فتوقفت الثورة وعاد السلام الى ربوع البلاد المقدسة …وفي اوائل حكمه عين سماحة الحاج امين الحسيني مفتيا للقدس وكبيرا للعلماء ورئيسا للمجلس الاسلامي الاعلى كما ثبت تعيين السيد راغب النشاشيبي رئيسا لبلدية القدس. ولم يكن احد يدري ذلك الحين الدور الخطر الذي سيلعبه الزعيمان على مسرح السياسة العربية في فلسطين . ….وغرس السير هربرت صموئيل بتعييناته هذه وعن غير عمد (الا اذا كان من الانبياء) بذور التفرقة بين العرب والنعرات الحزبية التي عانت منها البلاد ولا تزال تعاني الامرين الى اليوم. ……

وهل كان فينا من يستطيع علم الغيب في السنين الاولى من الحكم البريطاني ؟ لو كنا نعلم انه سيحدث ما نشاهده اليوم لفضلنا الا يوزع السادة الانجليز على رجالاتنا مناصب دوائر الاوقاف والبلديات شبه المستقلة ولفضلنا ان يحتفظوا هم لانفسهم بهذه الوظائف…نقول يا ليتهم فعلوا ذلك ولم تتفرق كلمتنا وتذهب ريحنا ولحافظنا على اتحادنا ووحدتنا في خصومة الاستعمارين البريطاني والصهيوني، ولكان لنا شأن آخر مع هؤلاء السادة…..

وما قيمة اشرافنا على اوقافنا وبلدياتنا مدة ربع قرن في فلسطين وقد طارت هذه الاوقاف وقد طارت معها البلديات وقد اوشك ثالث الحرمين ان يطير لولا لطف الله بالمسجد الاقصى الذي بورك من حوله…

وتنبهنا نحن للخطر الصهيوني ولم نكن نجهله.فقد نادى به منذ زمن طويل كما قلنا المرحوم روحي الخالدي واصحاب جريدتي الكرمل وفلسطين وغيرهم،وكانت البلاد العربية في شغل شاغل من امرها ،فمصر لم تشترك في يوم من الايام الماضية في المفاوضات عن قضية العرب الكبرى ،والعراق تغلي كالمرجل وتقوم فيها الثورات وقد فكر البريطانيون في يوم من الايام ان ينقلوا اليها الخمسة ملايين من الهنود لاستيطانها . وسوريا في حزن وذهول بعد الحكم الفيصلي المؤقت واحتلال الافرنسيين للبلاد، ولبنان ما عدا البعض من المشتغلين بالقضية العربية الكبرى في حبور وغبطة يرحب بالافرنسيين بعد ان تغلغلت ثقافتهم في الطبقات والبيئات اللبنانية منذ سنين وسنين.واليمن والحجاز في اوائل عهدهما بالاستقلال ومستوى الثقافة فيهما بعيد كل البعد عن المستوى في الاقطار العربية الاخرى.”

وانهي في فقرة محزنة اخرى تحت عنوان “الزوايا الثلاث” والتي جمعت زاوية الاستعمار البريطاني الذي ترأسه مندوب سامي يهودي ونائب عام يهودي يسن القوانين ،ومدير يهودي لدائرة المهاجرة والسفر يسهل امور هذه الهجرة.. وزاوية الاستعمار اليهودي الصهيوني وما كان عليه من ادارة ودقة وانتظام ، وزاوية النضال العربي الصغير ،التي وصفها كما يلي : ” فقد حوت شعبا فقيرا بائسا عدد افراده لا يزيد عن ٦٠٠ الف انهكته الحرب فلا يكاد يجد ما يسد به رمق الجوع وجله من الشيوخ والنساء والاطفال وعدد المتعلمين فيه يعد على الاصابع،تقوده زعامة ينقصها المال والعلم والتنظيم ومن ورائها جمهور متحمس يعتمد في حركته الوطنية على الخطابة والتصفيق وعقد الاجتماعات واقامة المظاهرات والهتاف من امثال “صهيوني خد ربعك وسير” كما اتقنوا تقديم العرائض والمضابط والاحتجاجات ،وقد دب دبيب الخلاف بينهم واثمرت البذور التي غرسها السير هربرت صموئيل فانقسموا الى “مجلسي” و “معارضي” ،يتناحرون على الوظائف وما تدر من رواتب زهيدة.”

……ولا يزالون .

ولا يزال يأتي عيد ويذهب والحال كما كان ….


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s