ظهور الفتاتين في القدس…لا يزال مبهم كما اختفاؤهما

موضوع إختفاء الفتاتين المقدسيتين (عبير ووفاء ١٣-١٦ سنة) لا يزال يحومه الغموض.

انقلبت القدس مساء الأمس رأسا على عقب بالتفتيش عنهما . خرجت الفتاتين لشراء الخبز بعد ظهيرة يوم أمس على حسب ادعاء الاهل ،وعندما استطالوا غيابهما ذهبوا على الفور للشرطة .

في ظل هكذا اوضاع ، كان تصرف الاهل طبيعي جدا . فلا مجال هناك للاستهتار بمثل هذه الامور . سواء خشي الاهل ان تكون الفتاتين قد عزمتا على الاقدام على عمل ما ضد الاسرائيليين او ان تكونا قد تعرضتا لعملية اختطاف او قتل من قبل الاسرائيليين المتشددين الهائجين .

هذه لحظات لا يفهمها الا الاهل والمقيمين في القدس تحديدا. فمنذ اختطاف الفتى محمد ابو خضير ومحاولة اختطاف الطفل “زلوم” في العام الماضي والاهل في حالة رعب مستتر خلف اي شيء . لا احد يعرف ما الذي يجري في وجدان ابنائهم في ظل هذه الحالة التي لا تنتهي من الظلم والقمع من جهة. وما الذي يجري في أذهان المتطرفون من الاسرائيليين وكذلك العامة منهم من الجهة الثانية. فكل ما يحتاجه الفلسطيني ان يبدو عربيا ليكون موضع اشتباه .

تسلسل الاحداث كان على حسب متابعتي كالتالي :

انتبه الاهل لغياب الفتاتين . المفروض انهما ذهبتا لشراء الخبز من باب العامود او المصرارة. المسافة بين بيتهما بحارة السعدية للمصرارة ذهابا وايابا سيستغرق ساعة اذا ما تمهلتا في المشي . والظروف مكهربة في القدس لا تحتمل عدم الانتباه والاستهتار من قبل الفتاتين.

ذهب الاهل الى الشرطة للتبليغ بعد ساعتين من اختفائهما .

نشرت صور الفتاتين على الفور وبدأ الاهل بالبحث ونشر الخبر على كل الوسائل الممكنة. قبل هذا لا بد ان الاهل قاموا بالاتصال بكل من يعرفون ولا يعرفون من معارفهم واقاربهم. فقرار التبليغ للشرطة ونشر صور الفتاتين من المستحيل ان يكون قبل البحث المضني من قبل الاهل في كل الاحتمالات الواردة عندهم.

خرجت القدس بابنائها فرقا للبحث عن الفتاتين حتى ساعات المساء المتأخرة. وفي كل لحظة صار القلق سيد الموقف وتعالت المخاوف لاحتمالات مرعبة ، وبدأ طيف ما حدث لمحمد ابو خضير بالحوم حول عقولنا. عند الساعة الثالثة صباحا ، خرج احد الناشطين في القدس ليهدىء من روع المتجمهرين ويقول لهم ان الفتاتين وجدتا ولا داعي للقلق.

هنا بدأت الاحداث بالتخبط ولم يفهم احد ما الذي جرى . ومما لا شك فيه ان الجميع اراد ان يعلم بأتهما وجدتا وبخير.

تضارب الاحداث فيما بعد ،أدى ولا يزال يؤدي لهلع آخر .

بدأ الحديث عن هرب الفتاتين، وحديث عن انهما كانتا عند بعض الاقارب ، وحديث ان الشرطة اعتقلتهما لانهما شرعتا بالقيام بعملية.

كل القصص التي تم تداولها كانت ولا تزال كعود كبريت ،لا تلبث تضاء حتى تنطفيء. من المستحيل ان تكونا عند اي قريب مهما كان كبر الموضوع الذي جعلهما تهربان. فلم يبق عاقل ولا مجنون ولا بنصف عقل في القدس بالامس الا وعلم وسمع عن موضوع اختفائهما. فبمجرد وصول الامر الى الشرطة ، على فرض ان الموضوع عائلي والبنات خائفتان، كان من الممكن ان تعلم الشرطة الاهل وهذا البديهي وينتهي موضوع البحث. اختفاء الفتاتين وعدم معرفة الشرطة كان بالتناغم هنا حتي ساعات المساء المتأخرة.

في العادة تخرج المتحدثة باسم الشرطة وتتلو بيانا مكتوبا وتنشره بوسائل الاعلام على الفور . في هكذا حالة مثلا ، كان من الطبيعي ان يخرج بيان يقول بان الفتاتين وجدتا وكانتا قد هربتا مثلا مع فلان على خلفية عاطفية . او هربتا من البيت علي خلفية عنف . او قررتا الذهاب للتنزه وخافتا من العودة .او اعتقلتهما الشرطة على خلفية امنية.

منذ متى يخرج احد قادة الفصائل في القدس ليكون هو الوسيط بين الشرطة والجموع؟ كان من الواضح ان ادخال قائد الفصيل لاحتواء موضوع اكبر من خروج فتاتين هروبا او تنزها او للقاء حبيب.

حتى اللحظة لم ير احد الفتاتين . وقالت الشرطة بالنهاية انهما بالفعل موجودتان عندهم وعلى قيد الحياة.

فما الذي جرى ؟ وما الذي يجري؟

في ظل هذه الاوضاع المليئة بالغضب والتطرف والكراهية ، وبالرغم من ان تحليلي قد يبقى في إطار التهيؤات ،الا انه لا يمكن اسقاط الفرضية الاكبر في ما جرى . بينما لا تزال الشرطة تحاول اخراج سيناريو مقنع للناس.

فمن المستحيل ان لا تكون الشرطة قد حصلت على تسجيل لتحرك الفتاتين. فالمنطقة من باب السعدية لخارج القدس ومنطقة المصرارة وباب العامود مليئة بالكاميرات وعلى بعد امتار من بعضها البعض. فنحن نرى كيف تبث هذه الكاميرات كل ما يجري خصوصا هذه الايام. فمن المستحيل ان لا تكون الشرطة على دراية بما جرى للفتاتين فور ابلاغ الاهل للشرطة عن اختفائهما.

فلو استغرق الشرطة ساعة في البحث بالكاميرا منذ خروج الفتاتين من المنزل ، فلا بد انهم استطاعوا الوصول لتوجههما على الاقل. ولو قلنا بان الشرطة لم تعر الموضوع اهمية قصوى لان الحديث هنا عن فتاتين عربيتين وتم الاستهتار بالشكوى سيأخذ الموضوع ساعتين . مع العلم بان الشرطة في ظل هذه الظروف تأخذ هذه المواضيع بالجدية القصوى لان الفتاتين بهذه الحالة اصبحتا مشتبها بهما.

وهنا تأتي الفرضية. لا بد وان الشرطة عرفت وبلا ادنى شك، آخر مكان كانت الفتاتين فيه في تلك المنطقة. فهل اخذتهما سيارة؟ او بالاحرى هل تم اختطافهما؟ وهنا حاولت الشرطة معرفة من الذي خطفهما والى اين كانت الوجهة . وعندها بدأ الغموض والسكوت الكامل من قبل الشرطة.

ولكن ما الذي جري بعد هذا؟ هل كانت نفس العصابة الارهابية التي خطفت ابو خضير من قبل هي الفاعلة؟ من السهل ان يكون هؤلاء تحت مراقبة الشرطة او على الاقل متابعتهم . فهم مجرمون طلقاء يعرفون عنهم تماما.

هل تمكنت الشرطة وسط تعتيم مطلق ان تتطوق الخاطفون وانقاذ الفتاتين من جريمة بشعة جديدة في اللحظة الاخيرة ؟ وحقنا للمشاعر العامة والرعب في الشارع احتفظت بالفتاتين لحين هدوء الوضع وفض الناس المتجمهرة ونسيان الموضوع؟

في ظل هذه الاوضاع ومع الاسف الشديد ، تبدو فرضية الاختطاف واردة جدا وهي الغالبة . وعلى ما يبدو ان الفتاتين في وضع سيء نفسيا وربما جسديا ، ويتم التحفظ عليهما لكي لا يثير الموضوع غضب وهلع اكبر في الشارع الهائج اصلا. وفي هذه الاثناء يتم ترهيب الاهل وتطويعهم في سكوت اجباري.

في كل الاحوال ادعوالله بسلامة الفتاتين والحمد لله انهم على قيد الحياة (ربما).

فبات المشهد اليوم لفقدان الابناء مفجعا ولا يستثني احد. وعلينا كشعب ، امهات واباء وابناء في هذه اللحظات الصعبة توخي الحذر والترابط اكثر . فالطغيان والظلم الذي يقع علينا ليس له حدود ولا وجه واحد. فالخطر يأتي من كل الاتجاهات.


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s