حالة تغييب الشعب عن الحقيقة لا تزال سيدة الموقف .
يتم الطبخ في هذه الايام وليمة جديدة مكوناتها الدماء التي لم تجف بعد بجثث الشهداء. وليمة من سيجلس عليها اولئك انفسهم الذين يصرون على استنزاف ما تبقى منا كشعب ضمن خطتهم الابدية في التطهير العرقي لاهل فلسطين ، واولئك الذين نصبوا انفسهم قيادة لاهل فلسطين ليستمروا في الاستفادة الذاتية والمنفعة التي تطالهم وتطال عوائلهم ومعارفهم. اصبحنا مجتمعا متداخلا في مجتمعات تبني الواحدة نفسها على الاخرى في صف بوعي من البعض وبجهل مطلق وتغييب من البعض الاخر لتأمين الاحتلال ومصالحه.
لن نعرف ما الذي جرى في لقاء كيري بالامس الا ببعض التصريحات المتقطعة التي خرجت. ولأن اسرائيل دولة تحترم شعبها ونظامها مبني على فاعلية الحاكم ، فإن حكومتها مضطرة بالتعامل مع الوضع بشفافية اكثر .
ما عرفناه نحن الفلسطينيون من التصريحات التي لا تصل الى اي تصريح رسمي وتبقى كواقعنا تسبح في مستنقع الاشاعات والتوقعات ، ان كيري اقترح وضع كاميرات في المسجد الاقصى للتأكد من المحافظة على الوضع القائم . وطبعا هذا الاقتراح من شأنه ان يقود اسرائيل ويخضعها . وعليه فان الفلسطينيين والاردنيين رحبوا بهذا الاقتراح.
والقرار الذي عرفنا عنه من الجهة المقابلة بتصريح رسمي من نتانياهو في صبيحة هذا اليوم ، انه سيسمح فقط للمسلمين بالصلاة بالحرم (الهيكل ) والغير مسلمين يسمح لهم بالزيارة فقط للمكان. وانه لن يغير الوضع القائم وليس بنيته هذا.
لوهلة اولى يبدو الكلام طبيعي. ولكن لا يلبث الفرد منا من انهاء الجملة ليعلم كم هي ملغومة . الموضع الخطر الاول هو موضوع الكاميرات . الا يوجد عاقل في القيادة الفلسطينية يعي ويفهم ان وضع الكاميرات سيكون شأنه تقويض الفلسطينيون في الحرم ؟ الم ينتبه الفلسطيني المفاوض ان مسألة الكاميرات تخدم وبلا ادني شك اسرائيل فقط؟
هل نحن بحاجة لتوثيق من يحاول الدخول من المستوطنين الى الحرم ؟ ففي كل مرة يدخلون تحاصرهم الجماعات الغفيرة من المصلين والمرابطين لتخرجهم ولتندد بوجودهم وتوثقه بالصوت والصورة . ام الموضوع هو معرفة اولئك المشاغبون (الارهابيون ) المحتملون الذين يتجمعون في الحرم لاثارة البلبلة؟
ومن سيضع تلك الكاميرات ومن سيتابعها ؟ مراكز الشرطة الاسرائيلية ؟ ام مكتب الاوقاف في الاردن؟
هل المشكلة اصلا بعدم وجود كاميرات ؟ او وجودها؟
هل تناسى المفاوضون حقيقة ان اولئك المستوطنون لا يدخلوا الحرم الا برفقة الجنود والشرطة اي بتنسيق كامل مع حكومتهم ؟
افهم بان كيري القادم من امريكا لا يزال يرى الفلسطيني والعربي بنظرة المستشرق . ومما لا شك فيه ان الحق معه . فقياداتنا المتتالية المترهلة (نحن لا يوجد عندنا الا قيادة تكرر نفسها) اثبتت وبالوجه القاطع اننا كما صورتنا وروجت لنا النظرة الاستشراقية منذ قرون . فالفساد شعارنا . والحنكة السياسية مفقودة . والمفاوض نفسه منذ عقود . والوطن يباع ويشترى عندهم على وليمة عشاء وما خفي . والمعونات ذهبت الى ابناء السلطة وقادتها .
فكل ما جرى فينا وما يقع علينا من فساد وانهيار كان ولا يزال تحت عرافة الدول المانحة التي تسهل عملية الفساد .
لتؤكد على “الوضع القائم”. الم يفهم كيري وجماعته بان وسائلهم صارت بالية لنا ولم تعد تؤثر فينا. التهديد بوقف او ايقاف المعونات الامريكية يهدد السلطة طبعا واسرائيل ، ولكنه لا يهدد الشعب. اليوم امريكا وغيرها اكثر من اي وقت مضى بحاجة لضخ الاموال لكي لا تقع السلطة نهائيا. ما الذي سيجري للامن ؟ موازنة السلطة التي يحصد الامن اكثر من ثلثها . ما الذي سيجري للامن اذا لم يقبض راتبه هذا الشهر؟ لا اظن انه من المصادفة ان الحكومة الفلسطينية المفلسة قررت تنزيل الرواتب هذا الشهر بموعده. فاليوم ،اسرائيل والسلطة وامريكا بحاجة الى التأكد بان موظف الامن الفلسطيني وهم كثر وكثر يجب الا يقع في ضائقة مالية لكي لا يضطر اما البحث عن مصدر اخر للاعالة وهي اما عند التنظيمات الغنية والتي من الممكن ان تكون مناهضة . او اذا ما خلع هذا الموظف الرداء الامني المثقل عليه وتحول الى مواطن عادي.
لن اشك بان الاموال سيتم ضخها حتى ولو تم التهديد بعدم القيام بهذا. فلقد نجحت هذه الدول بشراء ولاءات هذه القيادة على مر العقدين حتى اغرقتها بالاموال وصارت تتنفسها.
حالة التغيبب التي يصر الجميع على ادراج الشعب فيها هي اكثر ريبة من فعل الاحتلال وقمعه الغاشم. فالرئيس وسلطته لا يزالوا يعيشون في عالم منفصل عن عالم الشعب . ولا اقلل من سيطرتهم . فالهبة التي انشقت من صدور الشباب من هول الظلم والفساد كانت ستحرق المنطقة في سنين سابقة للسلطة . فما يجري من حجم ولجم للشارع الفلسطيني على كل الاصعدة الترغيبية منها والترهيبية واضح ولا يحتاج للكثير من التمحيص والتحليل.
لمن لا يفهم بعد …
تصريحات الرئيس امامنا اما مباشرة او عن طريق رجالاته ، مقابل ما يجري فعلا من تفاهمات واتفاقيات لا يلغوا الحقيقة . فالصحافة الاسرائيلية بالرغم من صهيونيتها المطلقة الا انها تتسم بالنزاهة الاعلامية التي لا نفهم عنها اي شيء باعلامنا الفلسطيني مع الاسف الشديد. المطلوب من الصحافة بأن تكون منبرا حرا هذا ما تفهمه الصحافة الاسرائيلية بالفعل ويدعيه اعلامنا بالقول من اجل التراشقات تلك التابعة بطريقة او بأخرى للسيادة . الفرق بيننا وبينهم ان اعلامهم يتبع اجندة وطنية خالصة رغم اختلافاته وصهيونيتهم هي الخط الاحمر. بينما يتبع اعلامنا ما تمليه عليه اجندة السلطة التي لا تتعدى بعض امتيازات او كف اليد عنهم . فمن جهة يؤكد الرئيس لكيري التزامه بالاتفاقيات والتفاهمات ويطلب منه ان يقوم نتانياهو بالمقابل باحترام هذه الاتفاقيات . ومن جهة اعلن على الملأ بتهديد ايقاف التفاهمات. هل هناك اتفاقيات وتفاهمات لا نعرفها نحن الشعب ؟ هل هناك ما يجب ان يبقى وهناك ما يمكن ان يحل ؟ الهبة التي أشعلت نيران غضب الشعب الفلسطيني ليست الاقصى . والاقصى ليس عنوان القضية الفلسطينية . وصراعنا مع اسرائيل ليس على مكان عبادة موقوف منذ مئات السنين بصكوك واضحة الملكية علينا تأكيدها اليوم.
ما يجري من حصر الموضوع والهبة في الاقصى محاولة عقيمة اخرى لحل الازمة التي لا يزال عنوانها ظلم وبطش الاحتلال وفساد السلطة.
الاقصى مهم . وخروج الناس للتضحية بحياتهم من اجله لم تكن لقدسية حجارته واهميته ومكانته الدينية . فالمسيحي كالمسلم كان قلقه واحد. الموضوع موضوع حق. موضوع ظلم يقع على المكان كما يقع على اصحابه . الموضوع موضوع هجمة استيطانية جديدة تمتد الى اوصال المكان تم السماح لها من قيادتنا مع كل مستوطنة رفعت وسمح لها بذلك . مع كل بيت فلسطيني دمر ومع كل عائلة تلو العائلة سقطت بتهجير غير مباشر ومباشر من القدس.
نعم تبقى القدس والاقصى شعارا لما يتمثل فينا المكان من انتماء . الا انها رمزية وليست اساسية .
قضيتنا هي قضية احتلال يدك في اوصالنا حتى صار يهتك بقلوب ابنائنا علانية . مقابل سلطة تمادت بالتنازلات وفسدت حتى اصبحت بظلم الاحتلال احيانا .
ان اشترى الشعب اليوم ما يحصل ، فلن يشتريه في المرة القادمة . والمرة القادمة لن تكون ببعيدة لان الاحتلال لن يكف عن طغيانه وظلمه ، والسلطة لن تكف عن فسادها وسوء ادارتها.
هذه الدعوة للحذر ارددها لنا كشعب وكسلطة لا تزال قائمة لأن اسرائيل لن تقوى على مواجهة الشعب بدونها . فوجود السلطة اليوم يخفف وطأة اليد الحديدية من الطغيان والهمجية التي كانت ستظهر اسرائيل بصورة اكثر بشاعة وقباحة.
دماء ابناؤنا ليست للمزايدة على اطماع اكثر . فلقد طفحت كروش المنتفعين ..فارحموا هذا الشعب لان الوجع والقهر اشد قسوة من آليات القمع والقتل . .
كفاكم استهتارا بنا وتغييبا لنا …
فأنتم اقوى بنا … وانتم لن تكونوا بدوننا.


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s