في الدفاع عن ابن تيمية

لن ابدأ بمقدمة أشرح فيها بأنني لست من معجبي ابن تيمية. وبأنني لا انتمي إلى مدرسته. ولن أتردد بترك العنوان على ما هو ، ليس لجلب الانتباه وليس للتهكم . ولكن في ظل وقت يتصدر فيه اسم ابن تيمية قائمة الاٍرهاب والتنكر له مع كل ما يتم التنكر به من الحالة الداعشية القائمة على تعاليمه ، وبالتالي تحميله وزر الفكر الداعشي المنبثق كما نعلم من كتبه.
الأصح ربما ان نقول ان الفكر الداعشي وما يلازمه ويتشابه معه من اسماء وفكر تكفيري متطرف هو الابن المباشر للحركة الوهابية التي نشأت في القرن الثامن عشر في ما اصبح سعودية اليوم على يد محمد بن عبد الوهاب الذي أسس ما يشبه الدولة الوهابية إبان الحكم العثماني بدعم من الإنكليز لكسر شوكة الخلافة العثمانية وبالتالي التخلص منها . وليس من خفي عن احد ان الامتداد الوهابي استمر بالرغم من خمد محمد علي لانقلابهم ، ليتآمروا فيما بعد مع السعود والقوات الانجليزية التي كانت في التحالف المنتصر في الحرب العالمية الاولى وما يسمى بالثورة العربية التي هندسها لورنس مع الشريف حسين بالحجاز وترتب عليه قيام السعودية بعد عده سنوات ضمن الخمس دول عربية التي تم الاتفاق على منحها من قبل بريطانيا للقبائل التي مثلها الحسين بن علي في حينها الخ….
لا اريد الدخول الى هذه الفزلكة التاريخية لكي لا اشتت نفسي واشتتكم ورجوعا للوراء قليلا ابن عبد الوهاب كان تلميذا نجيبا للمدرسة الحنبلية وكرس نفسه كالمخلص الذي جاءت به القوى الإلهية ليطبق ما لم يطبقه أباه الروحي ابن تيمية الذي سبقه بحوالي الخمس قرون. ولن أخوض الكثير في محمد بن عبد الوهاب وبن السعود وبن علي لاني اعترف بأنني لا اثق باي شخص مهما كان ، يتحالف مع العدو للانقلاب على حكم دولته . فمهما حاولنا تجميل تاريخ الخيانات العربية الاسلامية فما جرى كان خيانة في مفاهيم عصرنا اليوم . وليست هنا المعضلة كذلك ، لان هذا سيدخلنا في متاهة اخرى من اصعب متاهات حياتنا العربية الاسلامية ، لأننا تربينا منذ خرجنا لهذه الحياة على حقائق لا يصدقها الا نحن, تحتوي على اجزاء من الحقائق وحجبت الكثير، لانها وبكل بساطة صنعت من اجل ما نعيشه اليوم من تغييب وترهيب وجهل مستفحل .
تبني ابن عبد الوهاب لابن تيمية هل يرمي التهمة على ابن تيمية؟ هل كان ابن تيمية على علم بانه سياتي يوم يكون اسمه حربة الاٍرهاب المتفشي في الأمة الاسلامية اليوم؟
قد اسمع وبسرعة نعم . هو المسؤول . لما فكر وكتب ما كتبه اصلا ؟ ولا أستطيع ان أقول انني ابرؤه. ولكن للقاريء في فكر ابن تيمية الذي تداولنا منه ما قام الوهابيون وال سعود وما انبثق منهم من قواعد ودواعش ، ان يقف قليلا وينظر جيدا في الخلفية التاريخية الاجتماعية السياسية التي رافقت فكر ابن تيمية .
ولد ابن تيمية في حران (مدينة قديمة جدا تقع شمالي ارض الجزيرة، بالقرب من احد روافد نهر الفرات شمالي مدينة الرقة والى الجنوب مدينة الرها . تقع في ما بين حدود سوريا وتركيا ) كانت مركز الخلافة في عهد مروان الثاني. . سوري عربي الأصل لعائلة متفقهة في علوم الدين وتعتبر من حماة المذهب الحنبلي وعرف وعنه نبوغه وسرعة تفوقه على أساتذته في العلوم والجبر . نشأ في القرن الثالث عشر في زمن سبقت سنواته القريبة اجتياحات المغول التتار التي خلط فيها ماء دجلة بدماء المسلمين . وقاموا بحرق مكتبة بغداد التس اسسها هارون الرشيد وازدهرت جدا في عصر المأمون ، التي اصبحت دارا للعلم واحتوت على ملايين المجلدات في ذلك الزمن. واغرقوا كتبها حتى تحول نهر دجله الى سواد الحبر . ومن شدة القتل وفظاعته امتلأت بغداد بالجثث حتى انتشرت الاوبئة والامراض. كان تقي الدين (بن تيمية) طفلا لم يتجاوز السابعة حين نزح اهله الى دمشق هروبا من تهديدات التتار بعد ان اصدر هولاكو امرا في انتقال الجيش الى شمال العراق.. وحكم التتار فيما بعد الشام والعراق بعد اعتناقهم للإسلام . اي ان هذه الاجتياحات الاجرامية أسفرت عن اسلامهم وتولي أمور البلاد تحت اسم الدولة الاسلامية .
كان ابن تيمية غيورا على الاسلام ولم يكن قانعا بإسلام التتار تحديدا وكان مصرا على ان هؤلاء لم يكونوا فاتحين للإسلام بل غزاة. فكان ناقدا للدولة وناقما عليها واعتزل الناس وزهد بنفسه من اجل اعادة الاسلام الى ما انزل فيه . تأثر بالظاهرة من الفقهاء ولكنه اعتمد نهج ابن حَنْبَل وتبع مدرسته .
من يقرأ في فكر ابن تيمية لا يستطيع الا ان يلاحظ بان الرجل كان يخطيء ويصيب ويرتد ويحاول تبرير فتواه. وهذا بحد ذاته يعطي فكره ضعفا مبدئيا لسهولة ضبط التعاكسات . على سبيل المثال في فتاوي النساء لا يوجد شك في انه نظر الى المرأة على انها اقل عقلا من الرجل ورأى كمال الرجل بالتالي مقدرته وعلوها كان تقديره الدائم ، فيحق لها التعليم ولكن لمرحلة مبكرة فقط رأفة بعقلها الصغير. وعلى هدا المنوال الكثير من الفتاوي. الا انه وفي فتاوي اخرى وفي أماكن كثيره اخرى كان يرجع الى نساء هو شهد بانهن كن (شيخات) ونقل الكثير عن نساء . ومن لم ينتبه بعد ، فابن تيمية يحمل اسم جدته .
هذا يدل على محدودية معينة في فكر ابن تيمية للمتبحر في مفكرين اخرين من تلك العصور.
ابن تيمية أمضى الكثير من سنوات حياته في السجون لمعارضته الحاكم في بلاده . كان ربما قوميا بمفهوم اليوم . كان رعبه من الاسلام الدخيل المتمثل بالأصل بالتتار وقاومه من جهة . وكان محاربا في من جهة اخرى . انسلاله من الدولة الأموية التي كان مركزها الشام والتي عاصرت عز الاسلام بعروبته اثر كثيرا على رؤيته للواقع المعاش وقاومه ورفضه .
كان هاجس ابن تيميه في حياته هو ما آمن به كوطن . كما كان في حينه وتمنيه بعودة الحال لوضع يسود فيه الاسلام الأقرب للخلافة التي كان سليلا لامتدادها الأصيل . تمكن ‘الاخر’ بنظره من بلاده وعاث فيها فسادا ودمارا ثم حكمها . لم يستطع تقبل تلك الدولة وكرس حياته لمحاربتها . إقصاؤه وسجنه زاده تطرفا بلا أدنى شك.
السياق التاريخي والاجتماعي لابن تيمية كان سبب تطرفه الاعمى ربما . الا انه لم يتم الاخذ بفتاويه بينما كان على قيد الحياة . كان تمرده على النظام التتاري ورفضه لتوغلهم هو مصدر تطرفه . اي ان الاخر عنده كان المحتل الغاصب الذي تحول الى صاحب البلاد وحاكمها وكان مطلوب منه ان يتقبله ويعيش في كنفه . مما لا شك فيه انه كره ذلك الآخر العدو المغولي وامتد حقده او استياءه من اهل الديار التي انساقت وراءهم. فكيف كان سيرضى كعربي مسلم ان يسن قوانين دولته المسلمة العتيدة تتاري لم يكن له عقيدة سالفة ولا دين او اله ؟ تخبطات ابن تيمية وتطرفه في زمنه كان عملا قوميا في مفهوم اليوم . تبني افكاره بعد اكثر من خمسة قرون على يد ابن عبد الوهاب للانقلاب على العثمانيين واستعمال افكاره لاشعال التفرقة والعنصرية من الاخر الذي تحول في ذلك الوقت الى مسلم عربي لا نتفق مع حزبه . اسهل ما يمكن اشعال فتيل الكراهية بين السنة والشيعة لتبدأ معاشر الاسلام بالاصطفاف في فرق تفرقتها.
المشكله الكبيرة المتعاظمة هي في ايامنا هذه وتلك الفرق السلفية التي تنهج ابن تيمية كفكر وتطبق افكاره بالقتل والسبي واقامة الحد واستباحة البشر بالتكفير بلا رحمة ، تكمن في اولئك اليوم الذي خلدوا ابن تيمية ونصبوه نبيا لرسالة كتبها لمحاربة المغول والمحافظة على عروبة الارض الاسلامية في بلاده
جادامير الفيلسوف الالماني يقول في موضوع الحقيقة والمنهج، “بأننا لا يمكن ان نقرأ النص الا بتوقعات معينة .اي بإسقاط مسبق. غير ان علينا ان نراجع اسقاطاتنا المسبقة باستمرار في ضوء ما يمثل هناك امامنا . وبإمكان كل مراجعة لإسقاط مسبق ان تضع امامها اسقاطا جديدا من المعنى . ومن الممكن ان تبزغ الاسقاطات المتنافسة جنبا الى جنب الى ان تغدوا وحدة المعنى اكثر وضوحا ويتبين كيف يمكن ان تترابط الرموز والعالم. فنحن في عملية دائمة من الفهم والتأويل في نهج الاسقاطات المستمرة على النص.” وقد يكون من الطبيعي ان اختيار ابن تيمية لفكر الجماعات المتطرفة كان من خلال محاولتهم الفهم المسبق . ولكن نحن وقعنا في نفس خطئهم ، او نفس الحيلة وصرنا جزءا منها . فالعالم كما يشرح جادامير هو” عيني ويتجاوز ترميزنا له ، يحملنا على مراجعة افهامنا المسبقة ،والخبرة التأويلية . اللقاء بالاخر .الاصغاء الى صوت الاخر . انصهار الافاق “. فنحن من خلال قراءتنا لابن تيمية افترضنا حقيقة مثبتة عنه وعن فكره ووضعناه في قالب محدد لا نعرف ان كان هو ضحية نفس الشراك . الا ان ابن تيمية كان باحثا متعمقا ، لم تكن افكاره وليدة الفراغ او الزهد الفكري او الديني . تحول ابن تيمية من فقيه بالدين الى مفكر بالتغيير وثوري قضى اكثر سنوات عمره من سجن الى سجن . .
قراءة ابن تيمية ، كغيره ، يجب ان تكون كما يؤكد الفيلسوف الالماني هيدجير الذي سبق جادامير بسنوات:” من خلال عناصر تحكمها افاق الزمن الذي كتب فيه . فعلى القارىء الدخول في تاريخية النص . فتصبح تاريخية القاريء نفسها وتاريخية النص عملية دائمة في الفهم . فليس هناك معنى دائم او مثالي . هناك معنى وجودي فقط . اي المعنى كما يبزغ خلال فهم القاريء التاريخي للنص التاريخي. فآفاق المرء يحددها الوجود الثقافي للمرء ، وان العالم بطبيعته متغير وقابل للتغيير. وما يفعله هؤلاء هو محاولة استعادة المعنى التاريخي ، فيتم بهذا اقتطاع النص من سياقه الاصلي وينغمد في سياق غريب عنه عند القراءة . فهكذا يضيع المعنى الاصلي ، ويتحكم العقل الحالي باغراق المتلقي بخرافة هلامية لعالم مثالي . ولكن ترانا نشترك جميعا ، رغم فهمنا المسبق هو اداتنا الاصيلة للفهم ، الا اننا نصادر به ولا نريد ان نصهر افقنا بأفق النص . ولا نريد ان ندخل في حوار صادق مع النص ، لا نريد ان نصغي الى صوت الاخر. لا نريد ان نراجع اسقاطاتنا المسبقة في ضوء ما يبزغ امامنا في عملية القراءة . وبذلك نتصلب عند فهمنا المسبق لانعدوه. ولا نقرأ النص قراءة حقيقية.بل نخرس النص ونفرض عليه ما ليس فيه . وتظل رواسب سوء الفهم تتراكم عبر السنين “. فنقع جميعا في آفة المذاهب الفرق التي تتحول على يد التابعين وتابعي التابعين الى اصنام مفرغة من الروح ، وقوالب مفرغة من المعاني الاصيلة ، تمسك بالحروف والكلمات وتعمل منها صفائح تغطي فيها اعمدة الاصنام التي خلدتها لتصنع منها فكرا ، وتمتليء النفوس برواسب تصبح مستنقعات نتنة تختلط بالتعصب والجمود.
فلو أعدنا النظر في ابن تيمية (وغيره) ، وقرأناه من حيث كان . من كانه في حينه . في ذلك الزمن . في تلك الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية . او لو جلبنا ابن تيمية لزمننا هذا ولاولئك التابعين له والنابذبن . هل كان سيقول ما قاله . ويفتي ما فتى به ؟
قد تكون دائما قراءاتي فيها بعض الرومانسية ، وعادة ما يتحول الكاتب او المفكر لرفيق او صاحب في مخيلتي . وقراءتي الاصيلة لابن تيمية كانت بفعل مسبق مني لإسقاطه . ولكم التخيل ماذا تتوقع امرأة ان تجد في قراءة لابن تيمية عن النساء . ولن اناقش هذا ، لان الموضوع محسوم ،لا يحتاج الى تأكيد مني لرفضي بآرائه كما لا احتاج الى التأكيد بأن ابن تيمية لم يختلف كثيرا عن معظم من عاصروه او سبقوه ، ومن أتى من بعده . فالتعاليم الذكورية وهيكلية اضعاف وضع المرأة وبالتالي تهميشه وتحقيره اكبر حتي من ابن تيمية . ولربما لهذا السبب اصابني بعض الرأفة فيه . فابن تيمية كان نتاجا طبيعيا لحياة تقليدية دينية محافظة . افكاره بالنسبة للمرأة لم تكن شاذة عن ما شب عليه ونشأ عليه ورآه وعاشره . وهكذا كانت آراء ابن تيمية الاخرى بشأن “الاخر” . توسعه بالتطرف كان متلازما بشعوره بالقهر والظلم وغيرته على الاسلام الذي نشأ عليه وكان يتحسر على انهياره . وحدد ابن تيمية “الاخر” بالغير عربي حتى ولو كان مسلما . ولم يكن هذا وليد التعصب بل كان نتاجا طبيعيا كذلك ، فهو ابن الشام وسليل فتوحات الاسلام بالشام والعصر الذهبي الذي عاصرته القرون الاولى من الاسلام الذي ساهم بني امية في تعزيز التعصب القبلي فيه . وفكرة “الاخر” التي بدأت من كل من هو غير تابع لبني امية وما اصبح يسمى باهل السنة . يبقى ابن تيمية رجل فكر اجتهد بقدر ما فهم وعرف وتعلم وافتى فيما رآه حق وصواب في وقته وزمنه.
لا بد انه اخطأ في اماكن واصاب في اخرى … فهو رجل علم وسؤال ولم يدع معرفته باليقين ، ولم يجبر احد على فتاويه . والاهم انها لم تطبق في زمنه .
تحميل ابن تيمية وزر التعصب وسفك الدماء الحالي هو خطأ لا يقل جسامة عن جرائم اولئك الذين حولوا كلام رجل الى نواقيس تضيئ طريقهم. او تطفيء عوالم الاخرين.
العقل والتدبر والتفكر هو ما زين الله به الانسانية … وغياب هذه الامور هو طمس تدريجي لما تبقى من انسانيتنا .


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s