تصفحت مقالا للصحفية الإسرائيلية عميرة هاس ، وفكرت كم استطاعت هذه المرأة قراءة الواقع الذي نرفض قراءته بجملتين. إنجاز اسرائيل الاكبر ليس اوسلو ولكن بيع الفلسطينيين وهم السلطة.

أعترف بأنني لا أحب القراءة للإسرائيليين بالشأن الفلسطيني ، خصوصا اولئك الداعمون للقضية الفلسطينية منهم. ربما عجزا من قبلي ، امام فكرة جرأة ذاك الكاتب بمواجهة شعبه وحكومته كمن يوصم الاصبع بالعين. ولربما يزعجني عندما يصبح الاسرائيلي خبيرا بالشأن الفلسطيني الذي تعدى السياسي منه وتربع على الشأن الاجتماعي بجدارة.

مشكلتي مع المقال ،ليس ما فيه ولا من كتبه. فأكن احتراما كبيرا لهاس ولغيرها من اصحاب الاقلام النزيهة من الاسرائيليين. مشكلتي بحجم المأساة الموجودة على الساحة اليومية الفلسطينية . مشكلتي بأن الحال الفلسطيني الداخلي تعرى حتى امام الجهة المقابلة تماما وصار مكشوفا ومفضوحا لا يوجد ما يستره حتى عند من يريدون الستر له .

استوقفني في عبارة “بيع وهم السلطة” التي اشتراها الشعب الفلسطيني ويعيش في فقاعتها ما يحدث في رام الله بشأن الاحتفالات في عيد الميلاد. بالبداية وعندما اثير هذا الموضوع قبل اسبوع ، ظننت ان الموضوع بسيط وسيلملم الخطأ وسوء التقدير. الا ان الموضوع كبر وصار شغل المواطن والسيادة . فتشكلت وفود وخرجت بيانات وانبثقت لجان من اجل موضوع احتفالات عيد الميلاد هذا العام . ثم تبين لي ان كل “الميمعة” الحاصلة اصلها في “العاصمة السياسية” للدولة العتيدة في رام الله . وتمخض المجهود النهائي بعد كل الزيارات والوفود والوساطات الى الاصرار على قصور الاحتفالات الى فعاليات تتضمنها مسيرة تتقدم فيها محافظة رام الله المسيرة لاجل قداس او اضاءة لا اعرف.

ما يزعجني هو حالة الرياء المتمثله في المجتمع بين مسلميه ومسيحييه. حالة القمع المكبوتة للمسيحيين بقصد او بلا قصد ، ايضا لا اعرف . نصر على ابداء تآخي للآخر وبالاصل لا نكن له اي مشاعر حقيقية. فجأة صرنا نسمع ان البلدية لا تريد اضاءة الشجرة خوفا من اعمال التخريب . اين الامن يا سادة؟ اين القيادة والبلدية في المنشورات التي وزعت بالأمس من قبل الكتلة الاسلامية (حماس ربما ) وكان فيها عبارات عنصرية واضحة في شأن المسيحيين.

ندعي باننا شعب غير عنصري ، وويل المسيحي اذا تعدى حدوده وطلب اكثر ما نقرره او نمن عليه فيه . ترى

يخرج منا جميعا كمسلمين ومسيحيين عبارات وتصرفات قد لا ترضي الاخر ، بقصد او بلا قصد ، ولكننا تعلمنا التعامل معها مع الزمن . في النهاية نحن مجتمع نختلف ونتفق ، نخطيء ونصيب .

ما يحدث من تدخل السلطة العبثي في امور ليست من امور السيادة ولا البلديات هو هذا الوهم بأنها صاحبة اليد العليا والسلطة على الشعب. فعندما نتابع النداءات للرئيس في استغاثة لمريض يريد علاجا او كرسيا متحركا . او نداء لرئيس الوزراء لحل مشكلة لطالب او لمدرسة . وعندما يصبح عمل البلديات اذونات بإقامة اعياد او عدم اقامتها … فنحن توهمنا في حالة الوهم وحلقنا في فقاعة طارت الى كوكب آخر.

وفي نفس اليوم الذي تصر فيه سلطة رام الله على اعلان الحداد على الشهداء من خلال عدم اضاءة شجرة العيد ، يذهب رئيس وزراء السلطة ورجالاته للاحتفال باليوم الوطني الياباني. اليس من الاجدر لسلطة في حداد على شهدائها الاقتصار من الظهور في الاحتفالات ؟

اليس من الاجدى ان يكون رئيس السلطة بين شعبه بينما تهدم البيوت ويعدم الشباب علنا بدلا من ان يحتفل بالبيئة التي يدمرها علينا الاحتلال ويتفاخر بالسلام الحار على من يعطي الاوامر بالقتل والتنكيل وتلويث البيئة ؟

ما جرى اليوم في مخيم شعفاط هو تجسيد جديد للفراغ والوهم الكبير الذي نعيش به بين سلطة وشعب.

اين السلطة والسيادة عند كل هذه المشاهد المتكررة ؟

اثبت الشعب اليوم في مخيم شعفاط ان الدمار لن يجلب الا الاصرار … هدموا بيتا ووفر ابناء المخيم بيتا افضل للعائلة المكلومة .. والسلطة تقرر اذا ما كان هناك اضاءة لشجرة العيد ام لا.

اصبح الموضوع موضوع قرارات سيادية لسيادة بلا قرار او سيادة..

لا اعرف لما هذا التركيز على رام الله والعيد فيها …

لا نريد عيدا في رام الله ..

فالعيد مركزه بيت لحم وهذا الاصل …

لماذا يحتاج الشعب الاذن عند الاحتفال ؟ فهل اعطته السلطة الاذن عند الحداد ؟

لا يحق لهذه السلطة ان تشارك لا بأطلاح هذا الوطن ولا بأفراحه … لأنها سلطة تعيش مع نفسها وبعض من يقبعون في فقاعتها بوهم لا يصدقه احد غيرها ..

حتى العيد قتلوا فرحته ..

عندما استشهد ضياء تلاحمة وهديل هشلمون على وقفات العيد لم يصدر بيان شجب ولا كلمة حداد من السلطة . لم تنكس الاعلام واستمرت الاحتفالات .

عندما شيع شهداء الجلزون لم تخفض البارات والملاهي الليلية في رام الله اصوات الموسيقى الصاخبة من قاعاتها.

ما يجري في موضوع عيد الميلاد استقواء وعرض عضلات كالعادة في غير موضعه…

سنرى كيف ستكون انطلاقة فتح والاحتفال بها بعد عدة اسابيع .سنرى احتفالات رأس السنة التي لن تلغى في المطاعم والقاعات .

ما الفرق بين احياء عيد تجتمع فيه الناس بعائلاتها ، بمسلميها ومسيحييها بالشوارع لتعيد الى اذهانها لحظات تمني لسلام منشود ؟ وبين النزول في مسيرات ترفع فيها الاعلام الصفراء\الخضراء\الحمراء مهللة بمكبرات الاصوات وطلقات النار مبتهجة باعلان ثورة اطفئت منذ زمن؟

الفرق هو ان هناك مناسبة توحد الشعب باختلافاته … وتجلب البهجة للحظات لابنائه …

ومناسبة تؤكد على التعصب والفرقة في المجتمع تطلق اعيرة الوهم في سلطة تسلطت على شعب ببيع الوهم بسلطة لا تستطيع عمل سلطة.

 


One thought on “عيشوا بفقاعتكم … واتركوا العيد

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s