مقارنة بين القدس في العهد البيزنطي والأموي من الناحية السياسية والدينية والمعمارية.ورقه بحثية

 

شهدت القدس سباقا حضاريا بين الشعوب المختلفة , اتسم بالمنافسة الواضحة في السباق المعماري , الذي شكل طابع المدينة في معالمها الدينية المختلفة .

في حين حاولت القوى المختلفة بسط نفوذها على المدينة بالقوة , إلا أنه سرعان ما حاولت تلك القوى رسم وجودها الديني في مختلف الأشكال المعمارية التي اتسمت بالكنائس والمدارس التبشيرية والنزل في العهد البيزنطي , واتسمت بالمساجد والجوامع والمدارس الدينية والقصور في العهد الأموي.

الفترة البيزنطية, التي شهدت تحولا دينيا الى العقيدة المسيحية في الحقبة الرومانية , التي تميزت بالوثنية وانعكس في ذلك معالمها التاريخية . شهدت الفترة البيزنطية سباقا حافلا بتجسيد الديانة المسيحية تكلل في بناء كنيسة القيامة .

حيث وصل الصدام ذروته بين الوثنيين والمسيحيين في عهد الامبراطور مكسيمينوس , وبعد وفاته وتولي قسطنطين (325) الأمر,وقف الاضطهاد ضد المسيحيين. في ذلك الحين وحد قسطنطين الامبراطورية الرومانية المنشقة , وكانت فلسطين انذاك تحت المملكة الرومانية الشرقية التي كانت تسمى بالدولة البيزنطية. فتنصر قسطنطين , وانتصر في حروبه وفتح روما وأقام القسطنطينية واتخذها عاصمة له.وبنى فيها كنيسة اسماها اياصوفيا.

وتعددت الروايات في زيارة والدة قسطنطين هيلينا الى القدس (326)التي بنت كنيسة القيامة بعد أن وجدت مكان الصليب والجلجلة . واتسم بناء الكنيسة بأروقته الجميلة ةباحات واسعة وصفوف من أعمدة مرمرية ,يتألف مجموعها بناء فخم ,طوله اكثر من مئة متر و قد استغرق تشييد البناء 6 سنوات.

عند اعتلاء جوليان بعد ذلك العرش, كان جاحدا على الديانة المسيحية , سمح لليهود باعادة بناء الهيكل إلا انه سرعان ما فروا بعد انفجار كبير حصل تحت الأرض.

اتحاد المملكتين الرومانيتين الشرقية والغربية لم يدم طويلا, فحتى سنة 527 استمر اليهود في محاولة اثورة للمرة الثالثة , وكان هذا في عهد جوستانيان الذي أنشأ عددا من الصوامع والأديرة والكنائس في القدس . وبنى كذلك مستشفى , وبنى كذلك كنيسة العذراء الجديدة .

في زمن جوستانيان ثار السمرة وذبحوا المسيحيين في أحيائهم , ولكن ثورتهم أخمدت, وفي المجلس الكنائسي الخامس الذي التأم على عهدة (534) تقرر ان تكون القدس مركزا للبطريركية. ولكن ما سرعان ما دب القساد والخصام بين رجال الدين المسيحي , وراحوا يختصمون في صفات المسيح. واستمرت المملكة البيزنطية في الضعف مما سمح للفرس في السطو عليها حتى دخول هرقل الى القدس سنة (629).

الفترة الاموية والتي بدأت في صراع دامي بين الخلافة الراشدية ومشاكل دموية في دار الخلافة الأموية شهدت الإطاحة بيزيد بن عبد الملك وإعلان الخلافة من قبل عبد الله بن الزبير الذي مارس مهام الخليفة في شبه الجزيرة العربية وأصبحت دار خلافته الحجاز .فذهب بعض المؤرخين, ومنهم اليعقوبي إلى ان الغاية من بناء مسجد الصخرة بهذا الشكل البديع هي الإستعاضة ععبة بسبب ثورة عبد الله بن الزبير وأعلن استقلاله في الحجاز,فأراد عبد الملك بن مروان أن يصرف الناس عن الكعبة ,خشية ان ياخذهم ابن الزبير عند الحج بالبيعة. وهناك قول بانه منعهم عن الحج بالمرة. واعتزم بناء الصخرة.

في حين تميزت العمارة البيزنطية بالوضوح والبروز , في إشارة لبسط المكان والتأثير به في نقل الحضارة والثقافة الدينية إلى القدس في سباق بدأت الكنائس التنافس فيه في نقل حضارة بلادها وفنونها المعمارية الى القدس. فتميزت الحجارة البيزنطية بالضخامة , والنقوش بالزخارف المزركشة التي تطلبت مجهودا ودقة عمل حفيف.

تميزت العمارة الأموية في بساطة حجارتها, ونعومة زخارفها التي اتسمت بالأناقة المعمارية. في حين اتسمت بالدقة والجهد الحفيف والغير منقطع في العمل. في نفس الوقت حاولت العمارة الأموية إضفاء الفن المعماري الإسلامي على ما وجدته أنيقا وقيما من الحجارة والأعمدة البيزنطية والرومانية , فألبسته في أروقة ومداخل المباني الإسلامية. فلا يزال حتى هذا اليوم مسجد الصخرة آية في فن الهندسة العربية ممتزجا بشيء من الطراز الفارسي والاسلوب البيزنطي. ولا ريب انه اشترك في بنائه صناع من العرب والفرس والروم البيزنطيين.

فهناك من المؤرخين من يرى أن عبد الملك بن مروان إنما بنى الاقصى حتى يكون للمسلمين مسجد يضاهي في بهائه وسحره ما لكنائس النصارى من الروعة.ما خشي معه عبد الملك ان يظل المسلمون يتطلعون إلى تلك المنشآت المسيحية دون ان يكون لهم ما يتفاخرون به. (691)

اختلف المؤرخون فيما إذا كان عبد الملك قد استعمل في بناء مسخد الصخرة بعض الحجارة والأعمدة التي كانت في كنائس فلسطين التي دمرها الفرس أو في غيرها من الكنائس.

فروى ابن البطريق أنه وبأمر عبد الملك بن مروان قلعت قبة كانت للنصارى في كنيسة بعلبك, وهي من نحاس مطلي بالذهب فنصبها على الصخرة.

وقال ريتشموند ان مواد البناء كانت يومئذ متوفرة في البلاد, ولا سيما من بقايا الكنائس التي هدمها الفرس .

وقال كرزويل أنه لا يشك بان من بنوا مسجد الصخرة استفادوا من قياسات كنيسة القيامة. فإن قطر قبة الصخرة من الداخل 20 مترا و30 سنتمترا. وارتفاعها 20 مترا و48 سنتمترا. وقطر قبة القيامة من الداخل 20 مترا و90 سنتمترا. وارتفاعها 21 مترا و5 سنتمترا.

اما المسجد الأقصى الذي بني سنة (693) , والذي اتم بناءه الوليد بن عبد الملك , وهو الذي غشى قبة الاقصى بالنحاس .

فقد حامت التساؤلات حول مكان بنائه , فهناك رواية تقول ان المسجد الذي بناه عمر, بني عند الصخرة التي نظفها بيده من الأوساخ حيث دفن الروم هيكل بني إسرائيل. وهناك روايات ذهب مؤرخوها إلى أن المسجد الأقصى بني في الموضع الذي كانت تقوم عليه الكنيسة التي بناها الامبراطور البيزنطي جوستانيان والتي كانت تدعى حينها كنيسة العذراء الجديدة, إلا ان هذه الروايات كانت ضعيفة. وبالإخص ان قناطر وعقود وأعمدة وتيجان بناء الأقصى ليس مما كان معروفا في عهد جوستانيان.

 

لعله من الملاحظ للباحث , أن القدس كانت محطة أو مركزا مهما لاستقطاب التحولات في الفكر الديني , فعندما احتاج امبراطور بيزنطة تغيير توجه عقيدة الشعوب من الوثنية إلى الدين المسيحي , جعل من القدس وجهته. وعندما أراد الخليفة الاموي تغيير توجه المسلمين عن دار الإسلام الأولى توجه إلى القدس.

وكنتيجة استثمر كل والي او امبراطور جل ما يملك من قوة ونفوذ ومال ليعكس قوته في العمارة التي تمثل اكثرها في المعالم الدينية.

فالحراك نحو القدس في الزمنين على الرغم من اتسامه بالطابع الديني المباشر إلا أنه كان حراكا سياسيا من الطراز الأول. والملاحظ أنه في الحالتين جء ليحرك نصاب العيون من مكان إلى آخر.

فقسطنتين تحدى العالم الروماني الذي انشق عن الديانات ونبذها ببسط الديانة المسيحية ووضعها كمركزا بالقدس . وكذلك جعل عبد الملك بن مروان من القدس دار بيعته بدل دمشق او الكعبة.

 

لعل في الحراك الأموي نحو القدس كان هدفا سياسيا بعيد الاستراتيجية , انبثق من امتداد الحراك الاسلامي الاول بعهد الرسول محمد عليه الصلاة والسلام عندما وجه انظار المسلمين نحو القدس عند حدث الإسراء والمعراج. ولكن كذلك الزحف الغربي نحو الشرق كان مثيرا لاهتمام العرب. فلا بد انه كان للقدس شأن بعيد المدى لدى المارون إليها استقطب أنظار العرب إليها.

ومن الملفت للنظر في الفن المعماري الذي أخذ أشكالا متناهية الجمال والروعة المعمارية كان في سباق بين الحضارات .

فالعمارة الاموية كانت مليئة بالرسائل السياسية والثقافية ردا على الحضارة البيزنطية وما سبقها , في احيان يشعر المشاهد وكانه يرى سباقا بين الحضارات حاضر في النقش والحجر والزوايا والأحجام .

وكذلك كان الحال بالنسبة للعمارة البيزنطية التي جاءت لترد على الوثنية الرومانية ولعلها كانت اكثر تعصبا في بنائها ومباغتتها للمبالغة في الأحجام والزخارف , في تحد لما كان قبل من وثنية ومعابد.

كانت العمارة الإسلامية تشكل تحديا شامخا , متوازنا متقنا , غير مبالغا فيه . كان من الواضح إصرار الأمويين على وضع الحضارة الإسلامية بجانب البيزنطية وليس ضحدها وإلغائها.

 

 


3 thoughts on “مقارنة بين القدس في العهد البيزنطي والأموي من الناحية السياسية والدينية والمعمارية
  1. Nadia,

    Thanks for the historical perspective… It took me a bit to translate it, as I’m still learning the tricks of the software I use to do so, but, I enjoyed the learning process, so, all’s good.

    Take care, sister….

    Ned, aka

    gigoid, the dubious

    Liked by 1 person

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s