تنشغل أفكاري بهذه الأيام بموضوعين يزيدان من الأرق والألق العام ، ينبثق عنهاها تساؤلات طريقها مقفر.

فهناك موضوع التطرف الفكري المحاصر لعقولنا والذي بطريقة سحرية ما، يسيطر تماما على مخارج ومداخل التفكير عندنا في كل ما هو مهدد بتثبيت صوامعنا من سباتها العميق.

وهناك الحال الفلسطيني المقفهر. ما أثاره د.فريح بو مدين في مقاله الأخير والذي تناول في جزء منه موضوع الأراضي التي تستولي عليها السلطة بشقيها المنفصلين المتنازعين . وهناك ذاك الدم المجاني الذي تلتهمه الأرض لتروي عطش جشع الحكام المتمكنون على هذا التراب.

أحيانا ما تنتابني هواجس تنقض علي وتسائلني : لما كل هذه المتاهة ؟ إسرائيل هنا ولا تزال ممكنة. في النهاية ما الذي نريده بعدما سلبت الأرض وتقوضت القضية وأصبحت كبركة ماء تتحول الى مستنقع في كل يوم ؟ فإسرائيل بها من المساحات في الحرية والثقافة والعلم والفرص الحقيقية في بناء الإنسان مقابل شحها في جانب سلطة اوسلو ومخرجاتها . ولكن لأن بداخلي ما يتوق للحرية الحقيقية اقمع وابل الهواجس في رأسي بكلمة واحدة : عنصرية .

صحيح ان اسرائيل بها من المساحات في الحرية ما ينقص بالمبدأ بالتفكير والثقافة الفلسطينية العربية . الا ان اسرائيل تنظر الينا على اننا “الاخر” “الغوييم”

صحيح ان بإسرائيل مساحة يستطيع الإنسان الحراك فيها من تعليم صحيح وفرص في حياة اجتماعية ليبرالية مبنية على اطر ديمقراطية ولا يزال فكر الكيبوتس الإشتراكي يغلغل فيها . الا ان هذه المساحة محصورة في تلك المبنية على التفرقة والعنصرية البحتة. فنحن في أحسن أحوالنا بالنسبة الى اسرائيل ” عملاء ” ، “متعاونون” ،”عرب جيدون” ، وفي حالنا العادي نحن ” عمالة” ، ” عبيد” مسخرون لخدمتهم . هذا المبدأ المتأصل في الفكر الصهيوني الممتد من التراث التواراتي بشأن “الجوييم”. فاليهود هم سلالة نقية “سيدة” مقابلها من سيتم تسخيرهم لخدمة الأسياد.

ولكن …. ماذا عن “آلسيادة الفلسطينية” التي يبدو انها تستمتع بنهج ما يطيب لها من “آلاقطاعية” . قد يكون موضوع الاراضي وعملية شراؤها وتمريرها بكل تلك الطرق الملتوية لجيب بعض امراء السلطة يعكس هذا المشهد الاقطاعي بجدارة . فهناك امراء المقاطعات والشعب بالنسبة لهم في احسن احواله ” ناظر العزبة” وفي حالته العادية ” فلاح ” وفي بعض الأحيان “عبد” .

ولكن ليت المشهد يتوقف هنا … ففي مشهد الامير الاقطاعي والفلاح ، يتعفف الاقطاعي عن الاستيلاء على رغيف الفلاح.

ما يجري من غياب كان مؤسفا من جهة ، مهينا من جهة أخرى يمثل حالة التفقير التي وصلنا اليها. فذاك الصمت والغياب الكامل من قبل سلطة السيادة عن المشهد الدموي الذي يودي بحياة فلسطيني كل يوم منذ اشهر ، يزيد الوضع حنقا. فليس هناك الكثير من الفروقات في مشهد قمعي بجدارة علني او خفي ، وبين هذا المشهد الصامت الغائب. فالشعب اليوم يعيش في حالة انتحار نتيجة الإحباط المطلق من غياب أفق حل يستطيع الفلسطيني ان يأمن فيه على حياته. في وضع أصبح كل فلسطيني مكان شبهة تأخذه بحالها الطبيعي الى الموت المحتم ، صار سباق كل هؤلاء الشباب الى الانتحار تحت وسام الشهادة أرقى ما يمكن الوصول اليه. فمهما زيننا ما يجري من موت ، حقيقة الامر ان هؤلاء الشباب بالرغم من بطولاتهم الحقيقية بالتجرؤ حتي “بوخز” هذا الاحتلال القامع الغاشم ، الا انهم شباب فقدوا الامل بالحلول التي تبيعهم بعض الأمل . هذا الجيل المتعطش للحرية التي قيل لهم انهم على طريقها ، لم يجدوا بذاك الطريق الا شوك الاحتلال وقمعه وعنصريته وفساد سلطة جعلت من أجساد الشعب أرقاما تضيف اليها جشعها بالاستيلاء على كل ما يمكن ان يدر حياة بها أمل من هذا الشعب.

هناك عالم “فقاعي” تم ايهام الشعب انه حقيقي، فتحول الشعب الى “مستخدم” جل اهتمامه دفع اقساط سيارة او شقة اشتراها بموسم الوهم المجاني بدعاية اوسلو ، يتهدد في كل يوم في قوت عائلته ،اذا ما خرج عن “القطيع” سيصبح تائها ووجبة للضباع المصطفة من بنوك وغيرها تنتظر التهامه.

في وسط هذا الفشل والخفاق الغير مسبوق في تكامله من قبل السلطة الفلسطينية مجتمعة بالرغم من انقسامها المقيت ، وكأنه لا يكفي استباحة الدم من شبابنا من قبل الاحتلال وآلياته ، يخرج رئيس السلطة فجأة من سباته الملتبس في حراك ليس مصادفة فيه ولا لبس من قبل الاجهزة الامنية التي عادت تتنفس الصعداء في محاولات القمع والتهديد لمن يعترض او يتذمر من هذا الحال . خبر اعتقال احد الناشطين الوطنيين “نزار بنات ” صبيحة هذا اليوم ، هو مؤشر على ان السبات لم يكن سباتا، لكن هناك إعادة تنظيم لآليات التقويد المطلوبة والتي يجب فرضها على الشعب . فكما لم تكن مصادفة انتشار قوى الامن الفجائي وبعد غياب تام من الشوارع الفلسطينيه على مناطق التماس كبيت أيل ومنع الشباب من التظاهر كان بداية بسبب مرور ” قوافل وجاهات العالم” التي تأتي حجيجا لدولة رام الله الأبية . فليس من حسن الضيافة ان يأتي الضيف الرفيع وسط وابل حجارة تستهدف جنود الاحتلال. فهذه نقاط تنسيق يجب تقديسها .

وفجأة ، وكأن الرئيس استيقظ على رؤيا بها الحل السحري للوضع الراهن. وكأن الرئيس يعيش بداخل كبسولة توقف الزمن ، فمن غير الممكن انه لا يشاهد الاخبار على الاقل ، ولا يسمع الاصوات الصادرة من المظاهرات وقنابل الاحتلال ورصاصه واجتياحاته على مقربة من مقاطعته ومكان إقامته ، الا اذا كانت جدرانه عازلة للصوت . ولربما ان السيارة التي تنقله كل يوم الى المقاطعة التي لا تبعد عن مكان اقامته سوى بعض الامتار تحجب الرؤيه كذلك. وأنعم الله علينا كشعب ان نراه يقلد مراسيم تعيين وزاري جديد!!!!!!!!!

هذا كان شعوي الاولي عندما ظهر الرئيس بعد غياب … حالة من علامات الاستفهام التي لم يعد عقلي يستوعب رصدها. تعديل وزاري جديد في حكومة وفاق غير متوافقة ومؤقتة الى اجل غير معلوم ..ولكي اطرد شياطيني قلت في نفسي: وزير ثقافة .. لا بأس. شاب فتحاوي مرموق واعد … مش غلط. نحتاج لوزير ثقافة في ظل هذا الغياب الحقيقي لمفاهيم الثقافة وتغليب التطرف على تصرفاتنا وآدائنا . اختيار شاب واعد لهذا المنصب ايجابي… حتى مع غض النظر عن الآلية والانتماء الى اخره… حتى مع غض النظر عن مهزلة تشكيل الحكومات التي اقترب عددها على ان يزيد عن عمر السلطة الفلسطينية وليدة اوسلو.

للحظات ، اقترب من عقلي المتعقل حتى هذيان هذى به نحو فكرة فقيرة اسمها “انتخابات” . يعني الحقيقة، ان الرئيس اذا ما استطاع ان يشكل تعديلا وزاريا مفاجئا وبلا احم ولا دستور يستطيع ان يدعو فورا للانتخابات … الانتخابات التي قد تكون هي طوق نجاته من سخط شعب بات يفقتر في كل يوم من الحياة.

ولكن يبدو ان التعديل لم يكن على حسب فقر عقلي الصغير للحنكة والحبكة السيادية القائمة ، فمراسيم الرئيس الفجائية من “مكرمات” و”سخط” كثرت في الآونة الأخيرة . فهو كما رأينا بالأمس قرر إجراء تعديل فجائي . قد تكون اوساط السيادة على دراية به ، فبالنهاية نحن الشعب لا نمثل الا “قطيعا” في “عزبة” الرئاسة المترامية.ولا زلنا ننتظر نهاية لبداية ملهاة انتخابات فتح والمجلس الوطني الفلسطيني وانعقاده . ولكن كان الخبر المدوي هو إقالة مجلس أمناء مؤسسة محمود درويش بمرسوم رئاسي على ما يبدو في نفس السويعات التي فصلت بين التعييينات والاقالات .في الحالتين هناك غياب صارخ لسيادة القانون والدستورية والتشريع . فهذا طبعا ليس الموضوع .. فنحن نعيش في حالة يغيب فيها القانون والدستور والتشريع وكله في قلب هذا الرجل الرئيس.

هذه ليست المرة الأولى التي يقرر فيها الرئيس النزول عن عرشه القيادي والنزول الى “العزبة” وإقالة “الناطور” . فسكت اي استفهام وتعجب عندما عرف الشعب المغيب بعد فينة ان “ناظر” إحدى العزب الرئاسية السابق ” ياسر عبد ربه” هو رئيس مجلس أمناء هذه المؤسسة.

في هذه اللحظة سكتت شهرزاد عن حبك المزيد من القصص التي تخاطب لا وعي شهريار …فلقد بان الأمر وظهر للعيان …. حتى لو كان هذا الشعب لا يزال في نفس المكان … لا يعرف ولا يفهم وليس من حقه الا الاجترار بالتوقعات والتساؤلات…

وكبقية حكاية الوطن والمواطن…

نعيش تحت احتلال يسفك دمنا … وقيادة “تمتص” دمنا وتنهش لحمنا …فأفقرتنا وأوعزتنا … حتى افقرت عقولنا للتفكر والتفكير …

فنحن نحيا في عهد غلب التفقير فيه ، حتى صار سد رمق الجوع ابعد اهدافنا ….

التفكير فيه آفة تزيد من الفقر والتجويع … عافانا الله وأعاذنا


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s