نعيش حياتنا مجتمعة بين وعي ولا وعي من أجل لحظة أحيانا لا نعرفها ، ولكن نعيش من أجلها لأن بنا ،بداخلنا السحيق ما يدركها . بداخلنا ما يعي بوعي ولا وعي بأن وجودنا مرتبط بوعي وبلا وعي بها .

تأتي هذه اللحظة من حيث لا تدري …

تأتي ولقد رتبها القدر وأرساك اليها ليثبت لك دائما ودوما ..انك مسير علي هذا الكون الغامر وخيارك فقط في اقتناء اللحظة وقنصها او تركها وتبديدها.

منذ زمن ،اختلفت معاييري بالمكاسب والمقتنيات . يقال في الطلاق انه كالطلقة ، متى خرجت لا ترجع ابدا ، ولا يستطيع احد التحكم بمسارها . ويقال في الطلاق انه كالطلق المصاحب لآلام المخاض. ألم لا يمكن وصفه ولا يمكنك من العودة الى اللحظة السابقة ، ولكن منه تخرج حياة ،مهما حاولت لا تعيدك الى اللحظة السابقة ، ومهما ثابرت وتدبرت لا يمكن لك ان تتحكم بمسارها وكينونتها .

تعلمت ان المكسب الوحيد المرتجى هو لقاء انسان. انسان رجل كان او امرأة .انسان رأيته للحظة او ليوم او لسنة. انسان يشعرك بان الانسان لا يزال موجودا . وان الانسان بهذا الكون هو الاصل . انسان يذكرك بأن الانسانية هي المعنى الوحيد المرتجى من الوجود.

تعلمت من الطلاق ان به يكون الانطلاق . وبالامس القريب تعرفت ان كلمة طلاق ممكن ان تكون تلاق.

ألقتني اللحظة في حضن الفكر المصري من اوسع أضلعه وجدانا وتجليا . لحظة لم تكن مخطط لها ان تكون لا بأندفاع الوعي ولا بأفئدة اللا الوعي. وبلحظة غريبة عني قررت رمي نفسي بها . لحظة راودني بها التردد والتخوف والتوجس ، وقررت تبديدها بالثبات والتجرؤ والحماس.

أن التقي بيوسف زيدان ، كان في حياتي السابقة لتلك اللحظة مجرد حدث جميل سأستمتع به وافرحه واتكلم عنه لبضعة ايام . ولكن لقائي به بعد تلك اللحظة صار بالنسبة لي تاريخا يشكل بصمة بحياتي ستعرفني بذاتي وتعرف بي الى الابد.

لا اريد ان اخوض بوصف ما رأيت وما تعلمت منه في الايام المعدودة التي التقينا بها . فبالحديث عن يوسف زيدان تسقط العبارات . فلا تبقى كلمات من الممكن التمسك بها لتشكيل كلمة او عبارة او جملة. فالرجل يحمل فوق كتفيه علم الفكر والفلسفة بمسافات تخترق الأزمنة القريبة والبعيدة. لا يمكن مجابهته ولا يمكن التلاقي مع حدود ما يجري بداخل حراك رأسه الذي لا يقف للحظة عن التفكر. وعند الاستراحة يرمي عليك كالنبع المنسدل ببيت شعر لمحمود درويش. يجعلك تتوقف امام نفسك عاجزا منبهرا ، تتساءل كيف يهون الوطن وقلبه ينبض بشرايين رجل كهذا.

رأيت مصر بهذه الأيام التي احب . مصر الولادة . مصر ام الدنيا .

رأيت الانسان المحب البسيط سريع الانفعال بغضبه وفرحه . عيون الناس بالشوارع الممتدة بايقاع ضجيج السيارات وزحمتها . عيون تشتري الفرحة ببسمة عابرة وتبيعك البهجة بكلمة لطيفة.

تجلس على المقهى المتاخم للرصيف بشارع مزدحم كالعادة . تختلط الاصوات بين ضجيج وعزف وزامور السيارات اللا منقطع . وكأنه اذا توقف التزمير توقفت الحياة في الشارع . تتحاور الناس بالموضوعات الكثيرة العامة والخاصة . السياسة والفن والطبيخ. تختلط اللكنات وسط الصخب العارم وبلحظة تشعر انك في بيتك . في مكانك . في وطنك. حتى تذكر كلمتين حماس او الاخوان. وكأن مسأ اصاب المستمع .يستنفض نفسه وينظر اليك بتساؤل متوجس .حماس؟ عادة شكلي لا يوحي حماسا من هذا النوع . ولكن في تلك اللحظة تجتمع حماس وفلسطين ولا يميز المستغرب امامك ان حماسا هذه حزبا له ما له وعليه ما عليه . له انصاره وله اعداءه . وفي وطني المنقسم فالاحزاب المتقاتلة لا يخفى نحيبها ولا عوائها على احد.

كان مؤلما ان ارى ان الفلسطيني يختزل تحت عباءة حماس. وكان مؤلما ان ارى ان الظلم الواقع من إسرائيل على الشعب الفلسطيني قد تم اختزاله بمشهد حامل لسكين يظهر الفلسطيني كأنه الارهابي والاسرائيلي كأنه الضحية المسكين.كان مؤلما هذا الجمع والخلط بين الضحية والجلاد . بين القيادة ومنقسميها والشعب . كان مؤلما ان اشعر بأن فلسطين لم تعد القضية في زحام القضايا المتزاحمة الاكثر عنفا والاكثر دموية في الصراعات المحتدمة في اشطار الوطن. ولكني رأيت حنين المصريين لكلامي عن فلسطين التي اعيشها وتعيشني كإنسانة ووطن. رأيت التعطش للاستماع عن قضايا فلسطين وقهرها الذي لم يعد يذكر. ولا استطيع ان اشارك المصريين كثيرا في شعورهم فالقهر يمثل كينونتي الفلسطينية ولكني كنت استطيع ان افهم حجم المعاناه التي تذوقوها بسبب تفاهات الساسة الفلسطينيون منهم بحماس وتلك الخاصة بالاخوان . ولا زلت لا استطيع فهم هول الشعور بتلك المأساة ولكن يبقى التعقل سيد احكامنا بهذا الزمن الذي يشوبه العته والتطرف.فلا يعقل ان تكون حماس هي فلسطين . ولا يعقل ان يكون من تسبب في تدهور الامور بالاصل مصدره حماس. فحماس باحسن احوالها فصيل لا تتعدى قوته على الارض نقطة قياسا بحجم مصر . ولكن لا بد من الاعتراف والاقرار ان خللا ما صدر من قبل الفلسطينيين ممثلين بحماس بهذا الشأن زاد الخراب خرابا. وخللا اخر صار دمارا بحق الفلسطينيين اولا والمصريين ثانية عند الكلام عن رابط الدم بين الشعوب الاخوة، وهو في غياب الرأي الفلسطيني المضاد لما حصل . لدرء الانشقاق الذي وقع ما بين ابناء الشعبين بسبب اذا ما اجزمنا انه حماس.ولكن على ما يبدو ان السلطة الفلسطينية ارادت ان تكسب نقاطا في صراعها مع حماس كعادتها نسيت ان فلسطين ليست فصيل واننا لسنا بحرب ضد الفصائل ولكننا شعب يصارع من اجل البقاء امام عنجهية احتلال اتى عازما البقاء.فاختلطت الامور واصبح الفلسطيني بالنسبة للمصريين حماس . واصبحت حماس مجتمعة آفة سرطانية فاسدة بالمطلق . ناسين ان الناس تختلف وتخطئ. وقد تجتمع على خير اريد به باطل وبالعكس .ولكننا بالنهاية ابناء شعب واحد حتى لو ضللنا وتهنا وغضبنا وتصارعنا من اجل المناصب ورفاهيات الحياة. فالكل زائل الا تلك الانسانية التي تقربنا من حنيننا الى اصولنا التراثية العربية ربما. هناك ما يجمعنا بهذه اللغة يجعل من عروقنا تضخ حنينا الى الذات . فكم هو مؤسف رؤية الاوردة في الجسد العربي متقطعة مهترئة بالكاد تضخ الانفاس.

الثورة لا تزال تشكل هاجسا مهما في عقول المصريين. تشغل بالهم وتفكيرهم ولا يزال التحليل فيها حديث الانسان على المقهى وفي البيت وفي اي مناسبة . واشارك يوسف زيدان تفكيره بأن السياق الذي اخذته الثورة في مصر مختلف عن ذلك في البلاد العربية الاخرى. فالمصرييين قرروا الرجوع الى مصر بدل الهروب منها . وهذا ينطبق على حال المثقفين . والجيش المصري كذلك يضيف يوسف زيدان ، ليس جيشا عنصريا، بمعنى انه يختلف عن ذلك في ليبيا حيث كان يجلب القذافي في جيشه جنسيات اخرى ، وكما الوضع في سوريا والعلويين. اما بمصر فالجيش من كافة اقطاب الشعب ، الامر الذي ادى الى الحد من كمية الدمار التي اصابت البلدان الاخرى .ومع هذا كان الوضع بمصر على وشك “ان يفلت العيار” بسبب الاسلاميين .

وعن مشكلة الاسلاميين بذاك الوضع وعلاقة الفلسطينيين وضع يوسف زيدان ما يشبه النقاط على الحروف ، الناس خرجت بالثورة بشعار “ارحل” ، والاسلامييون صاروا يرددون “اسلامية اسلامية لا شرقية ولا غربية.” “والقدس رايحين شهداء بالملايين”.كان الشعب المصري منشغلا بموضوع توريث الحكم والفساد وقضايا الاراضي التي يتم سلبها وتوزيعها بين فئة معينه ، فما شأن القدس بهذا؟

مرسي خرج بحملات يستعرض فيها السب على اليهود ، ونعتهم بآنهم اخوان القردة والخنازير ،وبعد ان اصبح رئيسا لمصر بعث رسالة لبيريس يخاطبه وكانه صديقه واستعمل عبارات تعدت الديبلوماسية .

هذه الامور كانت مضلله ، مما جعل يوسف زيدان يكتب ثلاثة كتب في تلك الفترة : متاهات الوهم ، دوامات التدين وفقه الثورة. تناول المواضيع بتفاصيل كثيرة لكي يعيد الانسان المصري بناء التصورات الاساسية القابعة في اذهاننا .يريد ان يبدأ الناس باعادة التفكير والتوقف عن خلط القداسة او اوهام القداسة بالامور.

لم يفارقني التفكير بما يصر يوسف زيدان على ترديده :”انا لا يعنيني ان انتصر او ان انهزم . انا بحلل..بحرك مخهم”.

ولربما يختصر يوسف زيدان ما يريد ان يوصله على طريقة ابن النفيس على حد تعبيره في قول : “ربما أوجب استقصاؤنا النظر عدولا عن المشهور والمتعارف . فمن قرع سمعه خلاف ما عهده، فلا يبادرنا بالانكار ، فذلك طيش. فرب شنع حق ومألوف محمود كاذب،والحق حق في نفسه ،لا لقول الناس له . ولنذكر دوما قولهم: اذا تساوت الاذهان والهمم ،فمتأخر كل صنعة خير من متقدمها.”

اصراره ملفت . ومتابعته ومتابعيه على الفيس بوك تؤكد بأنه رجل يؤرقه حال وطنه ويصر على “خلخلة” اسمنت التفكير المتصلب.فتراه كما يصفونه ” مولانا” يرمي بركاته بتواجده وبحضوره ..وكلامه لا يمكن الا ان يؤخذ على قدره وذلك المحيط الذي يحد عقله بالعلم والمعرفة الحقيقية. فجداله لا يمكن لهاوي ولا لغير المتمكن من الغوص في اعماق بحار ابحاثه وتنقيبات اعماله. ويصر على تفعيل حراك ثقافي في ظل الفراغ في هذا المجال منذ الثورة . فيرى الامر كارثيا ، وسد هذا الفراغ يتطلب جهودا حفيفة. وبرأيه ان هذا الفراغ ادى الى هيمنة الجماعات الاسلامية على عقول الشباب ، وعليه يجب العمل على سد هذا الفراغ بالثقافة الحقيقية من خلال هكذا نشاطات.

مرت الساعات في النقاشات المختلفة ، واستسلمت مرارا لبعض الافكار وقاومت مرارا افكارا اخرى . ولكني انهزمت تماما امام الملوخية. فنعم ..الملوخية في مصر تختلف تماما … ونعم لمصر الغلبة في هذا…وعند الطعام اعلن استسلامي وعدم وجودي اصلا على القاعدة. فأنا امرأة متمسكة بأحقية النحافة في التعبير عن الصحة والجمال والشباب..قاعدة تتنافى مع مباديء يوسف زيدان تحديدا!!.

ومن السياسة العقيمة والثقافة التي تحتاج الى حراك وعمل حفيف …. ذهبنا الى المعضلة الاساسية …. موضوع المرأة….

كان اللقاء بنوال السعداوي يفوق بأن يكون حتى الحلم. فأنا بالاصل امتداد لهذه الانسانه . ان تتحقق رؤيتي لها كانت من الامور التي لم افكر ابدا بها لاني ظننت استحالتها . طلبت مني نوال السعداوي ان اكسر كل الآلهة التي ابنيها للبشر عندما كلمتها فيما بعد. فبينما منحتني اجمل الكلمات التي من الممكن ان اسمعها قالت وفي كلامها نصيحة ولربما بعض العتب بعد ان قرأت ما كتبته عن لقائها ويوسف زيدان . لأن علي ان اثق بمن انا ، وان لا اصنع من الناس الهة.

لم ارد ان اصنع منها او من يوسف زيدان الهة . فنظرتي للالوهية كذلك تختلف كما نظرتي للانسان منا، انسانية بحته . ولكني بلا ادنى شك اسعد عندما اشعر بانني صعدت بانسانيتي مع اشخاص التقي بهم واقترب معهم بتلاقي اشبه بالارتقاء . اكاد لا اصدق ان هذا يحدث. تعظيم الحدث واشخاصه يرتبط بمشاعري الفرحة بان هناك تأكيد ان الدنيا لا تزال عامرة بالخير . كلامي عنهم ليس من باب التأليه او التعظيم بل من باب التقدير والعرفان الذي يستحقونه.

ولا انكر انني وسط متابعتي للهجوم الشرس على هكذا شخصيات اشعر بانه اقل واجب ان نقدم كلمة حق في حقهم عندما نراها ونعيشها امامهم.

فماذا كانت تتوقع نوال السعداوي مني وسط غمرها لي بضيافة كريمة جعلت الدموع تستفيض بداخلي منذ قابلتها لهذه اللحظة؟ وهي نفسها التي رددت امامي :” انا ممكن اضيع عمري من اجل لحظة. الناس قليل قوي لما تقول لك انت ايه. الغباء المستحكم بالرجال والنساء هو بعدم الوصول الى هذه اللحظة. ان اسمع حد يقول حاجة فيها صدق جدا…زي ما انا شفت اعماقك كده.”

ما الذي تتوقعه مني ان اقوله ولقد رأيت اعماق هاتان الهامتان الفكرية امامي في جلسة كان الحوار فيها بارقى تجلياته الانسانية والفكرية ربما .

جلست امامهما استمع وكأن احتفاء سيمفوني بليغ يتم تحضيره لي من قبل اعظم الموسيقيين. اكاد لا استيقظ من وهج اللحظة وسحرها حتى تغمرني اللحظة ذاتها بدفء الكلام وعمقه .

هناك ، على طاولة مطبخها ،وعلى يميني تلك المرأة التي لا تزال تحدق بوجه الشمس مسقطة الامام ومجبرة الالهة على تقديم استقالته ومع كل شعلة في بريق عينيها تلك المرأة عند نقطة الصفر . وعلى يساري ذلك الرجل الذي استفاق به عزازيل . وجعل من نساء رواياته قصص انهزامات الرجال ..

وفي حديث المرأة والرجل الذي لا يغيب في حضور نوال السعداوي اصرت ان كل ما يجري من نقاشات بالدين والمواقع .بالتراث والتدين . بالاسراء او المعراج او غيرها ليس الا عملية الهاء عن القضية الحقيقية . قضية المرأة. فتصر نوال السعداوي ان “الدين سياسة “، ويصر يوسف زيدان ان ” الدين اكثر انسانية. فالدين في جزء منه اعتقاد وجزء عبادات . الاعتقاد هو ذلك السر بين الانسان والمطلق.. ايا ما كان هذا المطلق . والعبادات تنظيم اجتماعي.”

وترد نوال بإصرار ان المشكله هي بالعقيدة ،لان علاقتنا بالمعتقدات هي ايضا سياسة.لا فرق بين العقيدة والعبادات .. كما لا يوجد فرق بين الروح والجسد “كله بخرم على بعض” على حد تعبيرها. الا أن يوسف زاد من اصراره انه ومن اجل هذا هناك الصوفية. فبها تجليات النفس الانسانية .فترد نوال متحسبة من الطاقة المنبعثة من مجرى الكلام على يوسف :” هناك سقف في الصوفية…علمني ابي الصوفي الازهري السابق وباصرار بألا أصدق الا عقلي. الصوفية بها ثغرات فكرية رهيبة. ما هي النفس البشرية؟الجسد والروح هي بؤرة المشاكل بالدين.ان الدين كالاسمنت المسلح. والخروج من مبدأ الايمان الى الصوفية ليس الا مهربا تحت اسم النفس الانسانيه والروح البشرية . الكلام بالتجليات لا يزيد من الامور الا غموضا … وبالغموض ازمة واشكالية.

وبين سؤال ورد. وانا هناك اصفق لنوال مهللة متفاخرة … يوسف يصر ان الصوفية هي تجليات الداخل الانسان الذي ينعكس بالسلوك واصرار نوال واصراري بأن المشكلة تكمن هناك….

لم يقنع يوسف نوال بالخلاص بالصوفية ، كما لم يقنعني كذلك. ولكنه اوقفنا عند بيت لابن العربي : “عقد الخلائق في الإله عقائدا ، وانا اعتقدت جميع ما اعتقدوه.”

في ملحمة فكرية مثيرة في ماهية تفكير المرأة والرجل . بدأ خلافنا مع يوسف بالخروج عن نطاق الكلام المعسول . فيوسف زيدان يرى أن اصول الحضارة تتكلم عن تأليه الانوثة ،وان المرأة جميلة في كل حالاتها وان الأمومة طبيعة والأبوة ثقافة.

كلام اختلف معه وكان من الصعب الحديث بتفاصيله لوحدي مع كاتب ظل الافعى . مع الرجل الذي جعل من النساء بطلات رواياته بادوارهم الرئيسية والثانوية منها . مع خطابه الانثوي الصادق في محاورة تنساه المرأة مع زحام حياتها وانشغالها في إثبات مقدراتها في هذا العالم الذكوري المتسلط. نتفق ثلاثتنا بأن “النسوية” بها من الاشكاليات التي اساءت للمرأة اكثر مما قدمت لها .

كلام كان من المستحيل ان يقف امام افكار يوسف زيدان الا نوال سعداوي… وهنا دبت بي القوة التي قالت انني اتمتع بها ببداية اللقاء. وكأن نوال سعداوي تجلت بداخلي. ورايتها فرصة لاعترض…. الامومة طبيعة

في تلك اللحظة كنت التحم ونوال في التلاقي ولربما بدأت هناك التجليات . فبينما هو يقول لنا ان كل النساء جميلات . كنا نعترض بالقول : ” انت بهذه اللحظة ككل الرجال” .فليست كل النساء جميلات . فهناك القبيحات والسيئات . المرأة ليس بملاك او شيطان . هي انسان . وكان يرد ولربما في رأسه يدور قول ” ما هذه المصيبة التي حلت علي بهاتين ؟” قائلا مبحرا في كلامه الجميل : ” الانسانية تكتمل بالاثنين ولكن هي تستحق حته اكبر” .

“حتة اكبر ليه ؟ ” نحن لا نحتاج هذه “الحته الزيادة” .فالرجل في احسن احواله وبهذه الحالة يرى انه يقدم للمرأة اكثر مما اعطاها الوجود. نحن لا نحتاج هذا الاكثر. نحن كيان به محاسنه واشكالياته . به تجلياته وهمومه. به قوته وبه ضعفه. كذلك الذي يحمله الرجل . لا داعي للتكثير ولا للتقليل.

كانت لحظات مثيرة صرخت فيها نوال ضاحكة : ” هي دي تلميذتي الحقيقية ” . واردف يوسف قائلا: ” ان وهم الهيمنة هو ما يجعل الرجل يفقد المرأة .. ينظر حوله فلا يجدها.” وبين اثير ضحكنا ردت نوال : ” ما انت على وشك انك تفقدنا ” .

كان لا بد للحوار ان يتوقف مع مرور الساعات عليه ..فكما قالت نوال ان الانسان ينسى كل شيء امام المهم وما جرى بيننا كان الاهم.

كم نحتاج الى هكذا حوار. فتجديد الفكر الديني يحتاج كما تؤكد نوال السعداوي الى الاقتراب من “العقم الديني” . فالحديث بالبخاري والصخرة والمعراج وغيرها لا يغير في صلب الفكر . نحن نعيش في حالة انفصام وخلل فكري. قضيتنا اشكاليتها ليست في الصخرة. قضيتنا اشكاليتها بالدين والتصوف.

تركت المكان ولا يزال صدى كلامها محفورا في ارجائي . نظرتها الثاقبة الحقيقية الواضحة كالكريستال .لا تكذب ولا تخطيء

مسكت بيدي قائلة :

“انا اعجبت بيك شكلا وموضوعا . ملامحك بها دلالة….اعملي حاجة. اعملي كتاب .. في صلب اللي نحن قلناه.. انتي محظوظة انك قابلتي ناس بتحاوروا بالطريقة دي.. مشغولين بقضية فكرية حتغير العالم اكتبي عن الحوار ده … ده يوم مهم بحياتك .. اعملي كتاب عن الحوار ده

.. ادخلي بحوار اعمق مننا ….. انقدي الصوفية ..انقدي الفمينيزم …

وفي تجليات يوسف زيدان توقف كعادته في تلك الايام عند محمود درويش ثانية مرددا : ” لولا وقوفي على جبل …لفرحت بصومعة النسر… لا ضوء أعلى.. ولكن مجدا كهذا المتوج بالذهب الازرق اللامتناهي… صعب الزيارة…يبقى الوحيد هناك وحيدا …ولا يستطيع النزول على قدميه ..فلا النسر يمشي ولا البشري يطير…فيا لك من قمة تشبه الهاوية…انت يا عزلة الجبل العالية.”

واختم قولي بصوت فلسطين الذي لا يكف يوسف زيدان عن التغني به واقول : ” لوصف زهر اللوز تلزمني زيارات الى اللاوعي ترشدني الى اسماء عاطفة معلقة على الجدران .ما اسمه؟ …ما اسم هذا الشيء في شعرية اللا شيء؟ …يلزمني اختراق الجاذبية والكلام،لكي احس بخفة الكلمات حين تصير طيفا هامسا فأكونها وتكونني شفافة بيضاء…. لا وطن ولا منفى هي الكلمات، بل ولع البياض بوصف زهر اللوز لا ثلج ولا قطن فما هو في تعاليه على الالوان والكلمات لو نجح المؤلف في كتابة مقطع في وصف زهر اللوز ، لانحسر الضباب عن التلال ،وقال شعب كامل : هذا هو …هذا كلام نشيدنا الوطني.” .


3 thoughts on “لحظة في فقه الفكر
  1. I was born in the USA; it is a place.

    I am not an American. I am a human.

    If I MUST be labeled an American, then, I can only also consider myself to be Palestinian, Egyptian, Israeli, Chinese, Russian, AND, a citizen of every other country in the world. If I am anything, I am a citizen of Earth, Terra, our Home.

    As long as humans regard themselves any other way, as citizens of different countries, as proponents of different religions, as possessors of different colored skins, or different genders, or, as ANYTHING other than a human being, FIRST and LAST, we will never learn to make peace with each other.

    Applying a label, of any sort, to a human, is to place limits on what they can be, or think, or do….Freedom, true freedom has no limits, and no labels among the free….

    Simple logic, and absolute truth about human nature….

    You won’t find it in ANY Bible, or Quran, or any other book. You can only find this absolute truth in your own heart and mind.

    gigoid

    Like

    • if u were not an american u would have wanted to be one…)))) sometimes u want to be an american rather than human.. it has more benefits of humanity)).. there is something about us , humans, more i this part of the world that tribal divisions is major.. it all starts from there. all the mess.. it is not about any Book.. the problem is not within the words of any book. it is within our behaviors. we tend to unholy the holy and vice versa.

      Liked by 1 person

      • Yes… it seems we have always preferred to focus on the unreal, because the real is so frightening to our animal nature… so we have always retreated into fantasy…..

        SIGH….

        Love is the only weapon we have left to use….

        gigoid

        Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s