تتسارع الأحداث أمامنا ولا يحدث شيء. يمشي الزمن ونحن بنفس المكان هائمين على انفسنا .

هناك خلل في حالنا علينا تفكيكه وإعادة النظر في كل ما يشكلنا . فصرنا مخلولين بهذا الكيان الذي لم يعد له إلا هيئة .

من جهة فهناك الكثير بنا . بصمودنا .بقضيتنا. بالأرض هذه. بالشعب نفسه.

هناك ما لانزال نحن أنفسنا نعول عليه. لا يزال بنا هذا الانسان الصامد بحق . المترقب للحرية والساعي إليها بحق. هناك لا يزال الإنسان الذي يزهد بحياته من أجل وطن حر.

من أجل هذا الانسان علينا أن نفكك طلاسم بنياننا . صرنا كالركام المتصدع الرملي الصخري الضحل . ولا يزال يخرج منا من يصرخ من أجل حرية مرتجاة من هذه الحياة.

مع كل عقدين تتفاقم الامور معنا في كيفية إحتواءنا وتقبلنا للواقع الهش الجديد. مع كل هبة نصبو بأحلامنا إلى التحرر وجنات السماء وما نلبث نستيقظ على كوابيس في قعار الارض.

وها نحن نقف هناك . على مفترق ،الهاوية به أكثر سحقا من تلك التي نحن فيها . وكأن الهاوية لا قرار لها .تسحق وتبلع وتلتهم وتسأل هل من مزيد.

هذا الدم المنهمر من اوردة ابنائنا في المشاهد اليومية التي نراها . يشبه كالجسد المحتقن ولا يبطل احتقانه من جلطة محتمة إلا إجراء بعض الجروح ليتدفق الدم. خفقت قلوبنا مع كل شهيد . وتنفسنا ما نطيق اليه من تمني للحرية والكرامة.

لم يعد الحجر ممثلا لنا أمام العالم بمقاومتنا . ولم تعد السكين تعبيرا عن القهر . ولم يعد الدهس بالسيارات انعكاسا للقمع الضاغط على حياتنا.

فمن يضرب الحجر كمن يطلق الرصاصة . ومن يحمل السكين كالقناص. ومن يدهس بالسيارة كم يعتلي المجنزرات . يرونه بحجره وسكينه وسيارته مكتمل العتاد في حرب وجود.

خسائرنا وكأنها مبرمجة من قبلهم. يقتلون الأبناء ويحتجزون الجثث والله أعلم بالتنكيل والسرقات وما خفي من امور جرت ولن ندري عنها ،ويهدمون البيوت ، ويسجنون الأهل. فالسكينة لا تطال الا الشهيد بعد شهادته.

أفقدونا معنى الحياة فهانت علينا بحجر وسكين.

من تلقفه الشهادة هو فقط المسكين الفقير الذي يحلم ببساطة بحرية ربما . بانفكاك قمع وتنكيل عنه ربما . بيأس من القهر والفقر وانعدام الافق ربما… ولكنه بالنهاية هو الضحية الوحيد…. وأهله ربما… ولكنهم يستمرون بالحياة على امل الحياة بعد غياب الامل … أما هو فقد فقد للامعلوم الى الابد.

كان ممكن ان يكون شجرة مثمرة في هذه الدنيا ، وصار ما ترتوي عليه الاشجار . مات لنحيا…

ونحن ….

لسنا بأحياء…

نلتهي بالحجر والسكين ونقدس البشر والحجر، وننتهك الإنسان ونجعله أضحية ما تقدس من مدنس فينا.

يتراقص كل صاحب مصلحة وغنيمة حول نيران وقودها دم فلسطيني وحطبها جسد فلسطيني.ندور حول طقوس الموت مبتهلين لاعنين شاكرين باكين متضرعين راقصين مهللين ،ونقول هل من مزيد..

لم أعد أر انتصارات بكل هذا الموت. لم أعد أرى استحقاقات بعيون ام واب واخ واخت وحبيب وصديق ثكلوا بفقدان ذاك العزيز الحبيب البطل.يا ليته بقي ولم يبطل.

ونردد ولا نتوقف …نموت نموت ويحيا الوطن.

كيف يحيا الوطن وابناؤه يموتون؟

في هذا الوطن لم تعد الشعارات السابقة صالحة…فكل ما فيه طالح…الا أولئك الذين يموتون.

كيف يحيا وطن والقيادة فيه مهترئة صدئة لا ترى اهتراءها ولا صدأها؟

كيف يحيا وطن وبه مواطن يرضى ان يعيش في كنف الذل والخنوع والفساد؟

كيف يكون وطنا مجاهدا مقاوما وفاسدا قاهرا؟

كيف يكون الوطن مكان الحياة والدم به شلالات؟

كيف يكون الوطن شعلة الحرية المرتجاة والكلمة مقموعة ومحبوسة ومكبوتة؟

لن نستطيع ان نتحرر لطالما فكرنا مُعقل بما يصمّ الفكر عنه.

نحتاج أن نرقى بأنفسنا نحو الحياة.. فالموت شبع منا ومن دمائنا.

التحرر الذي نحتاجه اهم من ذلك الذي يحاصرنا به المحتل …فمع الاسف ذوتنا وتذوتنا به منذ دهر.نحن نحتاج ان نُحرّر من الفساد المستشفي بنفوسنا واداراتنا ومناهجنا وثقافتنا .كل امورنا صارت فاسدة.

نحتاج الى إعادة بناء فكرنا لكي يصلح حالنا.

آعترف وأصر بأنني لا أريد العنف ولا الدم . ولا اريد الثورة الهدامة . فيكفينا ما الم بنا من دمار والم.الدعوة لإصلاح حالنا لا تتمثل بإصلاح السلطة.فالسلطة فسدت ولا يبدو انها تهتم بالاصلاح. كل ما تهتم به هو نفسها وما يمسها من مصالح خاصة.الوطن صار لكل منهم هو مشروع شخصي على كتفيه ترفع الاعلام ومن خلاله تكون .

ربما حان الوقت ليكون الوطن هو فعلا هدفنا الشخصي.بناؤه لن يجري الا من خلال التغيير المطلوب من داخلنا. والتغيير المطلوب لن يحدث بلا تفكيك لكل ما نحمله من أفكار ومعتقدات وموروثات .نحتاج الى إعادة تأهيل بتعليمنا وثقافتنا .

قد نسبُّ على السلطة من صباحنا الى مسائنا.ولكن هذا لن يعفينا من مسؤوليتنا .ومن ذنبنا ومن فسادنا نحن. فالسلطة هي نحن. تخرج منا . من ابنائنا وازواجنا وبناتنا (عند الحاجة) .لم يهبطوا علينا من السماء ولم يتم استيرادهم ولم يخرجوا من صوامع الاحتلال الينا.كلهم جاؤوا من بيوتنا ، من مدارسنا، من جامعاتنا.هم نحن. ولربما سخطنا ليس بغريب . فهو خارج منا علينا.

ولن نتحرر ما دام الخوف هو المارد الذي يظلل على سماء حياتنا ويدك بأرضنا.

لا يوجد امة حرة الخوف ساكنها.

قد نحتاج ان نتعلم من الشهداء ان كسر الخوف يخرج من أرجائه بطولات لا يمكن للخوف ان يحتويها.

ولكن من اجل الشهداء علينا ان نفكك قيود فكرنا العقيم في كل شيء ونعيد تأهيل أنفسنا لننتج جيلا نافعا .لكي يخلق منه قيادة صالحة غير فاسدة.

لنرمي الحجروالسكين ونحمل الحلم من جديد.

حلم حرية نبنيها بأنفسنا وبداخلنا … حرية متحررة من الخوف.

حرية متحررة من الخنوع من اجل العوز. ولا السكوت من اجل مصلحة عابرة.

حرية نبني بها الانسان الفلسطيني الحر…المتعلم ليس بشهادة ورقية يعلقها . ولا بلقب يجر اسمه وراءه.حرية بها المعرفة تاجنا .

لقد خسرناانفسنا عندما ضللنا طريق المعرفة واكتفينا بما يملى علينا وما يقال….

فخفنا….

ولن يذوب هذا المارد من الخوف الا عند رشنا عليه بملح المعرفة الحقة.

الحرية بالمعرفة…

والتحرر يأتي تباعا .. فلا يعود الخوف هو هاجسنا…

ليس مصادفة ان اعيد واكرر كلمة الخوف ….

فلقد حاولوا تخويفي…

والكلمة هي ام المعرفة…

وحريتي كلمة لا تقوّد…

حريتي طوق لوطن حي يريد الحياة بحرية.

 


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s