يرحلون وتبقى الذكريات العالقة

لأشباه أشياء كانت

وصارت علائق وهم متعلقة بحواف الذاكرة

كم تخوننا قوتنا عادة…

لم يخطر ببالي ولو للحظة ، بأن ذكريات من الرعب ستلقي بنفسها علي بعد تلك المكالمة. شعور لم اكن مستعدة له . ردة فعل مني لو اكن اتوقعها لا زالت موجودة. كنت قد ظننت ان تعاملت مع كل تلك الايام الغابرة من حياتي. بانني تغلبت عليها . بانني تغلبت عليه … تغلبت على ذلك الوحش المرعب بحياتي المتمثل برجل كان اسمه زوج.

لاكثر من عشرة سنوات …احد عشر سنة للدقة ، وانا بمواجهة مباشرة مع كل ما ترتب على طلاق كان بأقل ما يمكن وصفه ،قاسيا . تلك القسوة التي تأتي من كل جانب .. ذلك الخاص بالرجل الذي تسبب في الاساس بهدم ما كان حياة كاملة لم اكن اعرف غيرها بعد ظلم واساءة تزايدت واستمرت حتى سوتني والسجاد العجمي.الا ان قيمتي كانت تقل على عكس السجاد. ومع هذا كنت انا من دفع الثمن مع كل لحظة سابقة تحملت فيها ما ترتب من ساعات وايام وسنوات متلاحقة من التعامل مع ما كان مسؤوليتي بدءا. فلقد كان زواجي اختياري ، فكان عبء التحمل الخالص علي. كما كان طلاقي.. فكان التحمل ولا يزال كاملا علي. ذلك الشعور بالمسؤولية تجاه قرارات كنت انا قد اخذتها . ومسؤولية بدأت بوجود اطفال واستمرت بهم .. وكبرت مع كل يوم كبروا فيها .

انشغلت بعقد كامل ،تعقد فيه وجودي بكل الاتجاهات وبكل ما يمكن ان تحمله تلك الكلمة من ثقل وتعقيدات . عشت بغض ما يحمله المجتمع من فكرة الطلاق حتى صرت لفترات ليست بقليلة وكأنني طاعون حل على بلد امن . صرت تهديد الازواج والزوجات . صرت تهديدا للعائلات. صرت ربما المأساة في حياة ابنائي للحظات كذلك كثيرة.

كنت كمن يقف في عراء ليال عاصفة قارصة البرودة والرياح في صحراء جارفة الا من شجرة هزيلة امتدت جذورها بالاعماق مع مرور الزمن ولم يبق منها الا ساق وبعض اغصان . احتضن تلك الشجرة العقيمة مع سقمي واحتمي بها ،وكانت ملجأي وحمايتي وسكني بكل عاصفة واعصار وريح عاتية. ولم تكد تهدأ ريح حتى تهب غيرها . وكأن الطبيعة جن جنونها ، وكأن الكواكب اقتمرت بسمواتها علي. قوى الكون اجتمعت معه من فوق ، وقوى البشر تحالفت لنصره .

وتحملت ….

وعانيت …..

وانهزمت مرارا ….وتهاويت مرارا اكثر …

وانهرت مرات ومرات ومرات … ولم يكن بديلا امامي الا اعادة النهوض ولملمة ما يمكن لملمته من دمار ساحق لاني في كل مرة كنت اتهاوى فيها الى سحق الحضيض ارى نفسي الملم بجسد ابنائي الذين تهاويت عليهم بينما كنت اتلقى كل تلك الضربات . في كل مرة كنت اصل الي تلك النهاية المحتمة كانت انفاس ابنائي الملقون تحت بقاياي تلهم الحياة بي من جديد .او تلملمها ربما.

سنوات كثيرة تهت فيها ولم اعد اعرف لنفسي مكانا الجأ اليه او احتمي فيه.سواء بداخلي او خارجها. تهت بمحاولة اللجوء بايجاد من ينقذني. كالغريق في وسط محيط هائج متعلق بقارب نجاة بلا اشرعة. بلا دعائم .بلا شيء. بخشبة تهششت حتى انتهى المطاف في دوامات سحقتني مرارا وتكرارا حتى رمتني الى شطآن ما لبثت الراحة عليها حتى استوحشت علي.

وهكذا كانت سنواتي من صحراء الى محيط بارتدادات قاسية.

وفي سعيي بين انقاذ نفسي وانقاذ ابنائي كنت احاول فهم ما يجري . احلل ، امحص . ادخل في اعماق نفسي مرات وفي اعماق الاخرين مرات . وكأن رحلة اخرى كانت بانتظاري. تلك الرحلة التي فاتت حياتي بمراحل بعيدة . لم يكن بمقدوري نهج ما كنت افعله في السابق من دفن للذكريات والدوس عليها . خرج كل شيء من دفائن الارض وصار يخرج امامي كمصاصي الدماء الراجعة من الموت . كان علي ان اتأكد من موت كل ذكرى فائتة قبل دفنها …كان علي قتلها احيانا كثيره بنفسي لاتاكد من موتها الابدي بلا عودة.

وبينما كنت اقاتل الاشباح ومصاصي الدماء ووحوش الارض المحيطين المنبثقين من كل ناحية…تركت وبوعي مني سنوات الزواج منه . ربما كان من الاسهل التعامل مع الذكريات السحيقة البعيدة في اعماق وجودي . من تلك التي كانت ارتداداتها لا تزال تنبض بي .  

فالالم كان لا يزال يحمل اثاره . ليس من السهل الاعتراف بالفشل . ولا يكفي الاعتراف في ضمد جروح كثيرة عميقة ملتهبة . تركت محاولة جعل الزمن يطفيء لهيب الالم في مواضع بقيت مكشوفة بعراء تلتقطها الجراثيم لا اقوى بالضرورة على كلمها..فلقد كانت كثيرة منتشرة كادت تكون معدية او ربما ظننت هذا من شدة لهيبها وعمقها وسوء حالها …ولربما لابتعاد الاقربون مني كالمرض المعدي والغريبون كأني طاعون مهدد قادم.

حاولت التعامل مع تلك الذكريات .ادخل اليها خلسة وارجع . اتعامل مع كبرى المشاكل فيها . تلك المباشرة التي ادت الى اتخاذي قرار الطلاق. طلاقي كان مستحيلا لي قبل لحظات من اتخاذه ،كما كان التخلص منه .مستحيل .

تعاملت مع كل شيء ربما …. الا خوفي منه .

اعترف اليوم بانني كنت اخافه … ولا ازال .

هذا ما استيقظ بداخلي اليوم عندما حدثته…ذلك الوحش المتمثل برعبي منه . رهب ظننت انني تعاملت معه حتى احكمت عليه في النسوات الماضية. ظننت وبصدق بانني تغلبت عليه. الا انني لابد انني نهجت ذات النهج من التعامل مع المصائب الكبيرة مع نفسي بدفنها آملة موتها المحتم تحت التراب. ولكن هناك من الكائنات التي لا تموت ..فهي ميتة اصلا ..ذاك الوحش الخارج من اعماق موت سابق لا يقتله الدفن . ظننت ان الحياة فقط تستطيع ذلك. ظننت ان ابتعادي سينقذني . ظننت ان تركه ورائي سيخلصني .ظننت بان تركه وما انشغل به من غنائم مادية سيبعده .   

ذلك الخوف منه عاد بلحظة وكأن كل ما كان لم يكن. وكزنه لم يرحل ابدا عني . وكآن طغيانه لم يفارقني . وكأن جبروته لا يزال يقمع حتي انفاسي.

كانت مكالمة عادية ..او ظننتها كذلك. فلم نتلكم منذ ستة اشهر بعد بث سموم حقده في اخر مرة قررت فيها عدم الانصياع لمطالبه . انتبهت الى انني لا استطيع مواجهته الا وسط الجموع .امام الاطفال تحديدا . فهناك امامهم. امام الناس يرتدي دائما وجوها اخرى كثيرة مهما بلغ سوؤها لا تشبه حقيقته التي اعرفها .

كيف يتحكم بنبرات صوته الهادىء وتفاصيل شكله التي يحتكم الى وجوده في عرضه . ثم يخرج منه وحش مرعب . به نظرات قاتل وقبضة خناق ارواح.

كنت قد تألقت في سعادة قبل اسبوع ربما في مشهد هزلي امام الاطفال ارمي فيه غضبي من وضاعة تصرفاته وتحوله من اب الى مجرد عابر سفر في حياة ابنائه . كالقريب البعيد الذي يآتي من سفر محمل بهدايا حصل عليها من سوق التنزيلات في بلاد الغرب . لا انكر غضبي ويأسي . وفي كل مرة اواسي نفسي قائلة.. لقد كبروا واحسنوا ولم يحتاجونه … مساهماته في حياتهم كمن يدفع البقشيش من فاتورة عشاء.

وفي ظل استيائي من عودته للمشهد للحظي ببعض المشاعر التي يشبع فيها ابوته القابعة في سبات سقيم .لا يل على الحياة فيها الا ظهوره المؤقت في كل مرة لحصد الانجازات فيساهم في شراء حذاء او قميص .ويدعو احدهم لوجبة عشاء يشبع فيه جوعه الدائم ونرجسيته المقيتة.

اذكر تلك الايام التي عشتها معه . عندما كنت ااقلم نفسي لاحتوي طباعه الحادة واقلب نفسي لاجمح عناده وعنجهيته . كنت حتى اخاطبه في خطابات قد تلين قلبه . كنت اتمنى ان ما يصدر منه قشور لانسان طيب في داخله العميق . حتى عندما تيقنت ان قشوره هي نفسها قلبه وداخله حاولت .. مقتنعة بسذاجة ان الغلبة للخير. ولكني تعلمت منه بان الشر لا يخرج خيرا مهما احاطه من خيرات. الشر اصيل ربما … لا الطيبة.

كلمته  اليوم وفي مخيلتي بعض امل ، ان يكون تأنسن في الايام الماضيج بعد فك قطيعة طويلة على مدار الاشهر السابقة مع الاطفال كعاداته المتكررة في التنصل من مصروفاتهم الاساسية. كجامعات ومدارس وملابس وبضع من نفقة ليتحول كما صار اليوم الاب الذي يخرج عند حصد النتائج ،فيظهر امام الناس وفي الاسواق والمطاعم فيظن الناس على حسب مخيلته انهم يشترون ما يبيعه من ابوة… وقد يكون هناك من يبيعون ويشترون في ابوته وتضحياته .فهو رجل حسن المظهر والهندام .ابن ناس على رأيه .يلبس حزاما على بنطاله الذي يتعدى سعره بضع مئات من الدولارات ويعلوه قميص بنفس البضع من المئات بالف ربما او الفين .وحذاؤه وساعته ونظارته . فهو عبارة عن تسعيرة لرجل يتراوح الالف دولار بالمعدل باللبسة الواحدة… حتى قيمة المادة في حالته محدودة بمحدوديته…

كان الموضوع عن قسط جامعة لابنه . اعترف بانني اعجز عند عجزي وتوفير ما يلزم من امور احيانا . واعترف ان امكانياتي بالتحمل والمراوغة والحصول على القروض لها سقف مهما على فهو محدد. ولقد بلغت ارتفاعات كثيرة بمصاريف الجامعات كاضافة . فقلت في نفسي. لربما استفاق واحس بالمسؤولية . فهو صار الاب الصديق منذ اسابيع .وتبضع بالمولات وعشاوات وحفاوات مشتركة. ولربما اخفف عن نفسي الضغوط في امر بالاصل لم يكن من مسؤوليتي. كم اكره هذه الكلمة . كم اكره نفسي عند ترديدها . كم اشعر بالقهر عند استعمالها. الا انه بوضاعة لا يستطيع احد منافسته فيها قال: وهل اخذتي رايي عندما قررت ذهابه الى الجامعة ؟ بتلك اللحظة عرفت ان الكلام انتهى . الا انه استشعر بالعوز من طرفي فاستفاض في تبجحه . واذ به يعيد الموشح الذي لم ينته منذ الطلاق . وبلحظة صرت افكر ما الذي يراوغ فيه اليوم ولقد استنفذ كل الحيل والمحاولات . فتنصل من معظم مسؤولياته وتفرد في الرغد على نفسه ولم يعر تجويع او عوز لاي من العيال .

لم اعد اسأل كيف يكون هناك اناس هكذا .. فهو هكذا وقد يكون هناك من السوء مثله واكثر . لا تجعل منه قاعده ولكن لا تجعله دناءته استثناء . هناك اناس هكذا … خلعت من حياتهم الحياة . فلا حياء في حياة يمشي اصحابها بجثث خاوية من الحياة.

لا اعرف الى اين ذهب الحديث ، ولا اهرف ما الذي جرى باللحظات اللاحقة لتلك المكالمة … دخلت بعالم من الشعور ظننت انني تخلصت منه منذ مدة .كان صوته يعلو ينبرة مخيفة . تلك المليئة بالتهديد والوعيد. قال الكثير وكنت اسمع في مكان ما كلامه عن كتاباتي. فهو يعيش ربما حالة رعب من الكتاب المنتظر. متأكد بانه عنه …متأهب مما سيأتي من الاعلان عن فظائعه . وكأن اي منها خفي . لا اعرف ان كنت قد خفت من هذا . لربما مر بسحاب الشعور بتلك اللحظات خوف على كتابتي كخوفي على اطفالي. لربما . ربما خفت من محاولته سرقة ما تبقى لي من اشياء لم يستطع سلبها لاستهانته بها .. فانا اربي وهو ياخذ. كيف اكتب اليوم وهو لا يحظى بشهرة ارادها ان تكون له ككاتب ربما . اذكر في الزمن السابق كان يقول لي بانني استطيع ان اكتب ولكن باسمه هو . لربما كنت خضعت لذلك لو بقيت في ذلك الزواج.

لا ارعرف ، ولا ازلت احاول ان اتذكر ما جرى . لا اذكر.

اذكر هذا النوع من الشعور السابق كهذا .كنت انسى كل ما جرى من شدة الرعب . وكآن ذاكرتي تريد محوها لكي لا اخاف. هو ذلك الشعور بالخوف. لا زلت اقول لا اعرف لما .. هي نفس الحالة لا بد من الهروب من مواجهة الامر. مواجهة الاعتراف بالخوف منه . لما اخاف هكذا منه .

ما جرى بعد اغلاقي للمكالمة بينما كان يردد كلاما كثيرا قطعته باغلاقي كان بعيدا كل البعد عما ظننته حالي في هذه الايام…

فلقد ظننت ان الدنيا وبعد كل هذا العناء والمشاكسات قد فتحت بوابات امل جديدة .. كنت قد بدأت بمحاولة الاقتراب من السماح لنفسي بان احلم . فجأة كانت الدموع تنهمر مني كأنها شلالات .بكاء اجهش به لا استطيع السيطرة عليه ،بين الحاجة لان يستمر وبين الخجل من المحيط بالعمل الذي قد تكون اصوات نحابي وصلتهم بالغرفه المجاورة. رجعت الى ذلك المكان في انزوائي في ركنة الغرفة ابكي وكأن مصيبة او كارثة حلت . لم اعد استطع التحكم بما يجري. كانت الدموع تنسال وكأن هناك فيضان يفيض من عيوني . بلحظات طويلة مرت حياتي معه امامي. خوف .رعب ما سكنني وكأن وحشا خرج ليجهز علي. بدأت بالاستسلام تدريجيا . احسست بنفسي انهار تماما . كنت افكر بابني والاقساط التي لا املك وسيلة لتوفيرها في اليومين القادمين . اناور نفسي بين طلب دين من هنا او قرض ما لربما يعطيني اياه البنك. استسلمت لفكرة اجهزت علي تماما عندما قلت في نفسي ، قد يبقى ههنا ، ولا داعي للذهاب الى جامعة . بتلك اللحظة استفاق بي شعور ظننته كذلك لن يعود بعد كل هذه السنوات من الاسي. خفت على كسر قلب ابني . كنت في الاسابيع الاخيرة شديدة القسوة عليه وعلى اخواته بسبب علاقتهم هذه بوالدهم الان في ظل شعوري بالضغوط المالية مع اقتراب موعد دفع اقساط جديدة .في تلك اللحظة اقطرت على دموعي غصته الممكنة .ورحت اذكر نفسي بأن هذا ليس ذنبهم.بتلك اللحظة عاد وعيي الي .ورحت افكر في حلول ممكنة. هناك حلول . لقد مررت واياهم بالاصعب . فلن تكون هذه هي اصلا مشكلة. قد اكون ارتبكت من ظهوره هذه المرة بعد انقطاع الاشهر السابقة وقد ثبت للمرة الالف بانه لن يتغير . حتى الابناء يعوا ذلك تماما ولم يعودوا ينتظروا منه شيء . الا انه الاب.

لم اتوقف عن البكاء ولكن عاد الامل بلحظة مع تفكيري بابني . وصار عقلي يفتش بالحلول وقلبي يسلم امره مجددا لله..

وعيده لم يفارقني …لن يهددني قلت لنفسي …سأكتب  رغما عنه …  .

 


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s