عندما يأمن الفلسطيني على نفسه بمستشفيات الاحتلال وسجونها ولا يأمن على نفسه في سفارات فلسطين وشوارعها ، فعندها لا بد وان نقول ، على البلد السلام .

صارت حياتنا في هذا البلد تتتابع فيها المآس والويلات الداخلية بنفس مستوى تلك, الخارجية التي نتلقاها من الاحتلال . والمصيبة الكبرى اليوم في تلك التي يبدو وان التنسيق مع الاحتلال فيها لم يعد خفيا .

كأن يتم مداهمة البيوت والمكاتب ليلا من اجل اعتقال من “شاغب” نهارا . عندما تقوم قوات الاحتلال بتنفيذ اعتقالات ومداهمات لصالح السلطة الفلسطينية بطريق مباشرة او غير مباشرة.

عندما تتوحد الحواجز او تتلاقى . فيقف المواطن على حاجز اعتيادي للقوات الاسرائيلية ويتفاجأ بعد امتار بحاجز طيار ما ،صار “الجندي” الفلسطيني هو القائم عليه.

عندما يغادر الفلسطيني منزله ويخشى فتح فمه بكلمة قد تفهم خطآ . يتجنب التعبير عن نفسه . يبلع الاهانات والذل ، يمشي “الحيط الحيط” كما يقولون ، وتكون المحصلة مزيدا من الذل والتخبط.

أزمة المعلمين تحولت الى عراك سياسي ابسط ما يقال عنه مخزي. وتستمر الازمة ولا ينتهي الصراع المستفحل بين السيادة السلطوية . فتقاذف الاتهامات الجاري بين رئيس الحكومة وممثلي القيادة الفتحاوية او بعضهم ، بين تهديدات واتهامات باسقاط الحكومة والتآمر عليه وتهديد الاخير بفضح ما يجري من خبايا السلطة او ما يترتب من هكذا تقاذفات صرنا كشعب نخجل حتى من سماعها . يبدو المشهد وكأننا في صف في مدرسة ابتدائية يتقاتل فيها الطلاب فيما بينهم ويتنازعوا في امرهم امام مدير المدرسة .ومدير المدرسة غائب .

اغتيال اليوم للاسير المحرر(عمر نايف) في سفارة فلسطين في بلغاريا ،خبر مفجع جديد. ان دل على شيء دل على انعدام السيادة الفلسطينية بكافة اشكالها وارجائها .

ليس من المهم ابدا ان كانت اسرائيل هي من اغتالته . اسرائيل تتغنى وتتفاخر باغتيالاتها ولا تضيع لنفسها ثأر . المشكله الاكبر والمصيبة الحقيقية هي في الاختراق الاسرائيلي للسفارة الفلسطينية . كاختراق اسرائيل للكيان الفلسطيني في الاغتيالات الكثيرة السابقة واغتيال ابو عمار لا يزال حاضرا كشاهد.

نستطيع ان نلعن الاحتلال ليل نهار . ولكن الاحتلال لم يعد هو اساس المشكله واكبر مصائبنا . ان يتم اغتيال رجل آمن في سفارة هو خرق صارخ لكل المعايير الدولية والاهم ..السيادية .

في نفس الوقت الذي نستمر فيه في فضح ممارسات الاحتلال ضد شعبنا . انتصر اليوم الاسير محمد القيق بعد مقاومة تجاوزت التسعون يوما في اضراب عن الطعام ،يعبر بكل المقاييس عن معنى صمود شخص امام الية كاملة من العنجهية. القيق ، كالعيساوي وخضر وغيرهم من الاسرى الابطال الذين دافعوا بأجسادهم الخاوية عن حريتهم وكرامتهم ..وكرامتنا المهزومة .. وانتصروا. انتصروا لانفسهم ولم ينتصروا لنا .. لاننا ابدا لن نرقى لان نكون مثلهم.

ولكن ، بينما حطم القيق اليوم عنجهية الاحتلال ، واجبرهم على الخضوع لمتطلباته هو ..لا هم .. لا يستطيع الفلسطيني منا بالتعبير عن نفسه في سجون السلطة التي لا نعرف عنها شيئا . ما يتم من اعتقالات وتنكيلات بالمجتمع بموضوع حرية التعبير مرعب بكل ما تحمله الكلمة من معنى .

ما جرى في الايام الاخيرة ،وبعد سلسلة من الاعتقالات التي طالت نشطاء ومفكرون واعلاميون، انتهى باصدار مذكرة اعتقال لنائب بالبرلمان (د.نجاة ابو بكر ) بتهمة الاشارة الى فساد ما بوزارة ما واعتراف المتهم نوعا ما بفساده مع التحفظ . ثم المطاردة الامنية لرئيس نقابة العاملين (بسام زكارنة) بعد اقالته واحالته على المعاش المبكر يثير الرعب في نفوس الشعب الذي بالكاد يأمن انفاسه في هذا البلد. الا يكفينا هول الاحتلال والدم اليومي بسقوط ابنائنا عشوائيا على يد الاحتلال ؟

ما الذي تريده السلطة منا ؟

ان نخرس ؟ ان يتم سياقنا كما يتم سياق الحمير والبغال ؟

نحن مساقون كالبهائم .. ولكن حتى للبهائم ظروف يجب اخذها بعين الاعتبار لكي تستمر بالسير . لقد بلغ السيل الزبى . فنحن نعيش بظروف مأساوية بجدارة . تنعدم فيها الكرامة اليومية اصلا بكل لحظة نتواجه فيها مع الاحتلال بما اصبح عاديا من حاجز وجدار وتنكيل واعتقال وقتل. ان السلطة تفشى فيها الفساد لدرجة لم نعد نسأل . فنشاهد ونتابع ونعلق بتحسب . ننتظر اطاحة الفاسد بالفاسد. نعيش على فضائح رجال السلطة المختلفة والمتضاربة والمتصارعة .

ولكن هناك حافة ما لا يمكن الانحراف اكثر عنها . فهي هاوية محتمة . عندما يخرج الناس بهيئة معلمين للشوارع من اجل رفع سقف استحقاقاتهم . فان هذا لا يأتي من التبجح والمطالبة بالحقوق. ولا يأتي نتيجة رؤية الشعب للفساد فيبدأ بالمطالبة.

لا …

ان مطالبة المعلمون هي مطالبة المعدم الذي لم يتبق امامه سبيل للعيش. للوصول الى المدرسة اصلا . عملية التفقير التي وصل اليها الانسان الفلسطيني اصبحت مزرية امام الفساد المستفحل بالمؤسسة العامة . فالاسعار لا تتناسب ومرتبات الفقراء من المعلمين الذين يشكلون نسبة كبيرة من العاملين . فقطاع التعليم قطاع واسع . وميزانيته لا تتعدى ثلث ميزانية الامن .

لا اعرف ان كان موظف الامن العادي يتقاضى اكثر من المعلم . ولكن هناك شح في مرتبات الطبقة “المتوسطة” من هذا المجتمع المتمثلة بالموظفين تحديدا ، والتي لا تتناسب احتياجات المعيشة المبنية في هذا البلد على حسب الطبقة المستفحلة الغنى بالبلد.

خوف الانسان الفلسطيني من التعبير عن نفسه واحتمالية اختفائه واعتقاله ولربما قتله مؤشر اخر على انهيار متسارع في منظومة السلطة التي لا يزال ينشغل رجالاتها بخصوماتهم ومؤمراتهم ومصالحهم الشخصية البحتة . كأن الوطن اصبح بهم ولهم ومن اجلهم .

في نفس الوقت ،بينما يعيش الشعب الظلم الواقع عليه من الاحتلال . تبدو المفارقة محرجة .. ان ينتصر الاسير بموقف كذلك الذي حارب من اجل حريته فيه الاسير محمد القاق ، ويأمن حياته . ويطلق سراحه . بينما يختبيء رئيس نقابة العاملين كالمطاردين وتحاصر قوات الامن المجلس التشريعي لاعتقال نائب لديه حصانة .

كيف وصلنا الى هنا ؟


One thought on “عندما يأمن الفلسطيني على نفسه بمستشفيات الاحتلال وسجونها ولا يأمن على نفسه في سفارات فلسطين وشوارعها
  1. Nadia,

    As always, an intelligent, compassionate analysis, with logical/reasonable questions for those who are involved in such clearly oppressive activities, in Palestine, and, many other places now, around the world…

    It is interesting to note different news sources around the world are reporting the death in Bulgaria different ways. One source I saw merely reported it as the death of a Palestinian activist, of natural causes, while in protected custody at the embassy. No hint of foul play was mentioned.

    Either the news sources available in Palestine are lying about him being assassinated, or, the other sources are doings so. In the first case, the obvious reason would be to inflame the passions of the Palestinians. In the second case, possibly more likely, all the news sources are lying, and there is no real safety anywhere, in Palestine, Bulgaria, or, anywhere corporate interests have a reason to cause conflict and war between people, to keep them unaware they are being manipulated into such conflicts by those who sell the weapons….

    Indeed, how did we get here?…

    gigoid, the dubious

    Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s