الطلاق آفة إجتماعية؟

 

يبدو العنوان صاخبا .. وقد يشد الكثيرون لاتفاقهم مع الفكرة ، ويشد الكثيرون مستغربون من هكذا اطلاق لعبارة كهذه مني انا تحديدا.

الحقيقة ان العبارة استوقفتني عند رؤيتها بتتابع الاخبار لاحدى السيدات والتي على ما يبدو من غير المطلقات . او ربما سيدة تجد في الطلاق تهديد لمنظومة الامن الذي تحيا به كسيدة متزوجة.

لقد تم استيقافي كثيرا من قبل ، عند “بوحي” بطلاقي. وكأن الطلاق مرض او جريمة او آفة فعلا او ظاهرة خطيرة كما وصفته تلك السيدة. اذكر في مرة سألني احد الشباب التنويريين بتحفظ يريد منه مصلحتي : ” اسف ولكن لما تعلني بانك مطلقة؟”

لا اعرف ان كنت افهم ايا من تلك التناقضات . ما يزعجني بالمثالين ان هذا التحفظ يأتي من اشخاص يحملون الوية الحريات والدفاع عنها ، وتحديدا يسمون انفسهم “نسويون”. والشخصين بهذه الحالة ليسا متدينين،فالرجل ارمني عشريني يعمل بمؤسسة اجنبية تشد على “الجندر” في رؤيتها. والسيدة نسوية واضحة،غير متدينة(غير محجبة) تنتمي الى الطبقة المثقفة .

لا انكر ان وقع كلمة طلاق صعب . ولكني كنت اظن ان وقعه قد يكون صعب على من يعيشونه لا على من يتلقون الخبر . هناك شيئ ما كالوصمة يصاحب الكلمة. كثيرا ما ارددها بصوت عالي لكي اذكر نفسي بان الطلاق هو رديف الحرية . اصرخها بصوت يشق اذني لاذكر نفسي بان طلاقي كان لحظة الكرامة الاكبر في حياتي . اردد الكلمة اكثر ،اناقشها مع نفسي لاذكر نفسي ان الطلاق هو لحظة الصدق الاهم التي استطيع ان اواجهها .

ولكن في كل مرة يصبح حديثي هذا “مونولوجيا” اردده فقط لنفسي ومن اجل نفسي ، لانني قد اسمع في الجوار احاديث اخرى كثيره تقول : ” خلص فهمنا .. ولكن اذا بليتم فاستتروا ” . ثم ” خلص فهمنا .. ولكن الطلاق يبقى ابغض الحلال.. ولقد تجاوزت الحدود المسموحة، فلا تنطلقي في الدفاع عنه اكثر”. والكثير من “خلص فهمنا ..ولكن….” او في احسن الاحوال: “مطلقة ؟ اه اسف\ة”.

لعل عدم كلامي الكثير عن الطلاق سببه هذا.. فالطلاق “الآفة” او “الظاهرة الخطيرة” التي تهدد كيان العائلة التي تريد ان يراها المحيط سعيدة. والزواج هو الاستقرار والحب والابناء الذين يتربون في كنف الاهل الاسوياء المحبين المخلصين المتفانين. الزواج هو الملجآ للمرأة الحالمة الواعدة والتي تبني المستقبل. الزواج هو المهرب من الحقيقة المؤلمة في تعاملنا مع واقعنا ،فيستر علينا رجالا ونساءا واطفالا.

بعد اكثرمن عقد على الطلاق ، لا زلت اعيش في مجتمع (عربي) يرفض تقبل الطلاق على الرغم من ادعائه العلني بآهميته واحقيته اذا ما استعصت سبل الزواج. لعل كلمة “استعصت” هي المعضلة . فما هو المستعصي الذي لا يترك سبيلا لاكمال السعادة الابدية المرجوة من الزواج ؟

كنت لهذه اللحظة افهم خوف الرجال من الطلاق. وكنت كذلك مقتنعة ان من يروج لهول الطلاق هو الرجل الخائف من انهيار منظومة الامن الخاصة به . اي ان الزواج مناسب بتركيبته التنظيمية للرجل ، فهناك من تخدمه ومن يسهر على راحته ،وتربي له اطفالا سيحملوا اسمه هو ويتفاخروا به هو . الزواج للرجل مملكة هو الملك الاوحد فيها ، والكل مهما علت مراتبه تابع له.

وافهم كذلك المرأة المغلوبة على امرها ،المسكينة التي لا سبيل للحياة بكرامة لها الا عن طريق رجل اسمه زوج ، فهو المعيل والحامي والحاوي.

ولكني لا استطيع ان افهم اولئك الرجال والنساء الذين ينددون كل يوم بقمع الرجال وينادون من اجل المساواة وكل ما يترتب من امور الحريات والعيش الكريم . فترى المرأة منهم تقف امام المجتمع مدافعة عن تلك المضروبة والمظلومة والتي يمنعها زوجها من الخروج والدخول والعمل ولبس ما تشاء . وترى الرجل منهم يبيعك ارشادات بالتعامل مع النساء وعن طريقته المثلى في التعامل العصري مع امور الزواج والاسرة والحياة. تقول هي لزوجها كل يوم بانها لا تحتاجه وان حياتها معه ليست الا مصيدة مضطرة البقاء فيها من اجل العيال. وهو يقول لزوجته بانها الاوفى حظا لانها حظيت بالدونجوان، وانه باشارة تأتيه النساء مقولبات باجساد عارضات فاتنات مستعدات لما يأمر هو به.

يسب كل منهم الزواج واليوم الاغبر الذي جمعهم . وكل يحن لايام ماضية عاتية ، كان هو الوسيم المطلوب وكانت هي الفاتنة الحسناء. يقول كل في سره : ” كان يوم اسود ” . وكل يتأكد من تنغيص حياة الاخر. وكل بطريقة عجيبة ما يرعبه الطلاق. مع ان الطلاق هو المفتاح للحالتين. وفي الحالتين من يبادر للطلاق هو الاخر (هي او هو) في اطراف العلاقة

يكون الطلاق مفجعا ، مع انهم دائما يشجعونه للاخر المقموع غير السعيد … اصدار الفتاوي لكل ما لا يقترب منا امر سهل .

الافة الحقيقية التي نعاني منها هي البشر. هي تلك النساء واولئك الرجال المدعون الملتفون في امن حياتهم الخاصة ويصدرون الفتاوي والاحكام للغير.

خلال سنوات طلاقي التي تجاوزت العشر ، لم ادع امرأة الى الطلاق ولم اشجعها ، حتى ولو كنت مقتنعة تماما بأن ما تبقى لها من حياة في زواج انتهى لن يجلب لها الا سوء العاقبة.

كانت مرة وحيدة اردت فيها ان ارى صديقة لي مطلقة. واعترف انني تمنيت لو ارغمتها على هذا. لسبب مبدئي مهم اولا ، هو قربي الكبير منها . فمصابها كاد يتذوت بداخلي لاننا صديقات طفولة . والسبب الثاني ،والذي لا يقل اهمية ، هو ان بقائها اصبح “قلة قيمة” في لحظة انتهى الحب الكبير الذي كان يجمعهما . حتى ولو كان انتهاء ذلك الحب من طرف واحد فقط. وانتهائه بزواج اخر.

قبولها “بالضرة” كان بالنسبة لها ارحم من قبولها بالطلاق ، ولاسباب متعدده كذلك استثني من هذه الاسباب ما لوحت فيه عاليا “آلاطفال” .ولن انكر ان هذا التلويح لم يكن بالامر السهل فلها من الاطفال خمس اصغرهم كان في حينها لم يتجاوز الاشهر القليلة من عمره. وكانت لا تخشى من ترديد عبارة امامي تنص على انها لن تستطيع ان تمر بما مررت به انا . فانا كنت الدرس الذي تعلمت منه النساء بان الطلاق ليس بالضرورة “تفريق باحسان”. والطلاق في حالتي كان “شحططة” شارك فيها القريب قبل البعيد .لدرجة ان البعيد لم يكن له تآثير . فالاقربون كانوا الاسوأ والاكثر شدة . فضلا عن الرجل الذي يرفض عنفوانه ان يتم تطليقه. فلقد كسرت جبروت الرجال بذلك القرار.

اثرت صديقتي ان تظل في قهر “الضرة” والزواج على ان تعود الى بيت العائلة لتقع في جور الاقربين. وكنت كذلك المثل الحي.

لم تشأ ان يكون مصير ابنائها كمصير ابنائي .. ممزقون بلا عائلة تحتويهم ،بجوع ،بحرمان، مع ام لن تقوى على اعالتهم ولن يرحمهم المجتمع الذي لا يغفر للمرأة الطلاق وهي عاقل وراشد، حتى ولو ظلمت.فالمرأة المستورة تصبر على الاذى . فما الذي ممكن ان يلحق بالابناء . “اهلهم مطلقون” .من سيتزوج بهم ؟ من سيتقبلهم . سيتم سخطهم كما تم سخط امهم …

ولربما كل ما كانت تخاف منه كان .. واسوأ . فالمرأة المطلقة في غياب الدعم الانساني تصبح كالابل الذبيح. تتبارى السكاكين على نحره. فكيف وهناك اطفال؟

ذلك الادعاء بالخوف على الابناء هو نفسه الذي جعلني اسعى للطلاق. حبي الخالص لهم جعلني اسعى لحياة كريمة لهم بالرغم مما خافت على نفسها من الوقوع عليها فيه صديقتي . الا انه في الحب . وفي الحب الخالص تحديدا . في ذلك الحب الذي ندعيه لاطفالنا ، تختلف معايير الحياة الكريمة . لم استطع ولم اقبل ان يعيش ابنائي داخل منظومة كاذبة خادعة يحيطها من كل الاتجاهات الكذب والخداع ، وفي كل الاحوال .. انتهاء الحياة بين اثنين.. لم يصبحوا ثلاثة او اربعة او عشرة بفعل الاطفال . ولكنهم اصبحوا مسؤولين عن حيوات اخرى .

انظر الى صديقتي تلك اليوم ، وابكي حال ابنائها الذين فقدوا معنى الاحساس بالاب لغيابه الدائم الذي يكذب كلاهما في تبريره . حتى اصبح العالم كله ينظر بحزن لاولئك الاطفال “المساكين” . والاطفال كاهلهم ، يعرفوا الحقيقة ويعيشوا في غيابات الكذب المنمق بالاسرة السعيدة التي يراها الناس من الخارج كما يظنون.

منظومة بالية من كل الاتجاهات يعرفها الجميع ويعيشها والكل مجتمع على انكارها امام الاخر ويغتاب الاخر والاخر يغتابه والاخرون ويصر الجميع على انه يضحي من اجل ذلك الطفل الذي تدريجيا اصبح شريكا في هذا البلاء…. كل هذا من اجل الحفاظ على منظومة يعرف الجميع انها منهارة في حالتهم تحديدا.

ولكن هناك شيء اخر خفي… هو شعور(او التمني) صديقتي حينها بانه سيرجع . وارادته ان يرجع ،لا حبا ، ولكن استحواذا. فالحب الكبير الذي كان يسكنها تحول في كل يوم قهر الى بغض وضغينة اصبح الكره فيها اضعف الايمان . هناك ما يستحكم بنا رجالا ونساءا عند الشعور بالفقدان ،يتغلب كثيرا علينا ، وهو رفضنا للاعتراف بان الامور انتهت . بان ما كان كان . بانه او انها ذهبوا الى طريق اخر جديد . الاستحواذ يصبح مركز اهتمام ، والكبرياء يغلب على العقل ويلغي مشاعر الرحمة تماما. فيعيش الشخص بحالة من الهوس التي تجعله يفقد السيطرة على كل شيء الا رغبته بالبقاء .فيصبح الضحية والجلاد وتختلط الامور وينتهي الامر الى خسارات فادحة يدفع ثمنها اولا الاطفال ، ثم ما يلبث الشخص النظر الى نفسه فلا يرى الا انسانا مهشما من المستحيل لملمته .

فهل الطلاق افة اجتماعية ؟

ام البقاء في زواج منتهي من كل ما يمكن ان يكون حياة ؟

 


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s