مر برأسي الكثير من الافكار فيما بين المحاضرة التي تم دعوتي

عن باولو فريري وبين انتهائي منها .
أهم فكرة كانت تلك المتعلقة بتحضيري للمحاضرة . في زحام الايام المليئة بالامور المتعددة ، كنت قد فكرت ان الفرصة ستكون مواتية لأقرأ . القراءة في حالتي كذلك مواضيع كثيرة متشعبة . فبين قراءتي لأربعة كتب في نفس الوقت ، لا زلت لا اشعر بأنني اقرأ . وأن ازاحم وقتي بقراءة جديدة بدا الامر بالبداية سهلا . فأنا عاشقة لفريري. رأيتها فرصة يجب انتهازها لاعادة المعلومات لذهني. الا ان المطاف انتهى بي الى ساعة واحدة قبل الموعد المتفق عليه ولم انظر في كلمة . كل ما فعلته منذ ذلك اليوم هو تأكدي بأن كتاب التربية للمقهورين بين يدي .

شعرت بانتكاسة قادمة، وحاولت التهرب من الحضور . فكرت مليا  وشعرت بأنني داخل قفص. لا يمكن التعامل مع الموضوع كما اتعامل معه عادة. أحب بالعادة ما أقوم به من محاضرات تثقيفية اقرب الى الوعي السياسي، تكون عامة بلا تقيد بكتاب. الا انني ومنذ بدئي بالعمل كمحاضرة بالجامعة صرت اتعامل مع الموضوع بأكثر جدية . اتعمد استخدام كلمة جدية بهذه اللحظة مع تيقني بعدم مناسبتها وما اريد التعبير عنه. الا انها الكلمة التي تأتي وزي التعليم . وكأن الجدية تأتي بإطار يتناسب تماما وتقنيات مرسومة ومحددة مسبقا . هناك هالة ما لفكرة “الاستاذ” تجعلنا نتقولب بداخل شكل نجلي اليه تلك الهالة فنحددها بشكل ما يقتل تدريجيا ما نحن عليه ، ونصبح بإدراك او بلا إدراك جزءا من النظام المطلوب.

فريرية الفكر انا بلا ادنى شك .

هذا هو فريري لمن لا يعرفه . بدأت رحلتي مع فيريري خلال عملي كناشطة بحقوق الانسان وتمسكت حينها بفقرة لا تفارقني يتكلم فيها عن الحرية تقول بأن الحرية لا تكون الا بتحرر المقهور بنفسه وعندها فقط يستطيع المقهور ان يحرر نفسه والقاهر . ان عملية التحرر لا يمكن ان يتم تقديمها من قبل المحتل او القاهر.

هذه العلاقة في التحرر بين القاهر والمقهور استطيع ان اترجمها بعلاقتي بصديقي الاسرائيلي الذي دعاني لالقاء محاضرة لطلاب فلسطينيين عن الموضوع . ما يميز صديقي هذا انه ينتمي الى هذه الاقلية المعدودة على الاصابع من اليسار الصهيوني الاسرائيلي. عاصرت رحلته في التغيير من صهيوني يساري الى انسان يكافح بصدق من اجل حرية الفلسطيني الذي يعي تماما ان حريته الحقيقية لن تأتي الا بتحرر الفلسطيني نفسه من قيوده . هذه المفارقة بأحجية التعليم من جهة واحجية علاقتنا بالاحتلال من الجهة المقابلة توصلنا الى نفس المفهوم. ذلك الذي يتكلم عنه فريري : ” لا حيادية في التعليم ، فهو اما للقهر واما للحرية” . وبما انه وتأكيدا لفريري بأن التعليم عملية سياسية كما ان السياسة عملية تربوية ، كان هناك متسعا كثيرا للنقاش في تلك المحاضرة.

وقفت امام مجموعة يتعدى عددها المئة من الشبان والشابات المقدسيون في غرب مدينة القدس بكلية اسرائيلية اتكلم عن العملية التربوية من وجهة نظر فريري ، لأجد نفسي وسط مثال حي وديناميكي لما يقصده فريري في كل ما يترتب عنه موضوع التعليم والحاجة لتلك الثورة في تغيير النهج التربوي من عملية تلقينية مبنية على السيطرة الى عملية ديناميكية تبادلية فيما بين الاستاذ والطالب. ولكن كالعادة ، المعضلة الفلسطينية ليست بمعضلة سهلة ، فهي شديدة التعقيدات كثيرة التشابكات .

في سؤال للطلاب عن رأيهم بالعملية التعليمية كانت الاجابات الكثيرة المتلاحقة تجيب على سؤال لم اسأله . وكأنني سألتهم : ” لماذا اخترتم التعليم في كلية اسرائيلية ؟ ” أجوبتهم كانت بصلب فكر فريري. والتي تقع في ذلك المطب من التربية للمقهورين المقدمة من قبل القامع . وجد الطلاب انفسهم يجيبون على تساؤل يقع في انفسهم. سؤال يتعلق في هويتهم الوطنية . سؤال حاولوا من خلال الإجابة  عليه ان يصلوا الى تبرير لسبب فعلهم هذا .

لم يكن السؤال يرمي الى ان اخذهم لعذاب الضمير ، لاني لم اجد في اختيارهم للذهاب للتعليم في كلية اسرائيلية جرما . الا ان اجاباتهم كانت تقودني الى يقين بمشكلتنا التعليمية التربوية.

لم يكن هناك استثناءا في اي جواب قدم لسؤالي الذي لم يجيبوا عليه . جميعهم تكلموا عن نظام التوجيهي ومشكلاته واستقصائه لفئة من المجتمع او الطلاب لم يستطيعوا التأقلم مع هذا المنهج الصعب . منهج مبني على الحفظ والتلقين وتحديد الامكانيات والفرص ، والاهم من كل شيء . تلك الوصمة الابدية التي ترافق الطالب وتحدد امكانياته عند ظهور نتائج التوجيهي. كان الطلاب بين ناقد لنظام التوجيهي وتحديد فرصه وبين مادح لنظام “البجروت” (الامتحان الاسرائيلي) وبين اولئك الذين كانوا يبررون الناحية التطبيقية والعملية من اختيارهم لجامعة او كلية ليست فلسطينية وذلك لسهولة توفير فرص عمل بالقدس اذا ما كان الخريج من كلية اسرائيلية . نتكلم هنا عن طلاب تربية هدفهم على الاغلب التوجه الى التعليم فيما بعد . وهذه مشكلة حقيقية يواججها خريجونا من جامعة القدس تحديدا بسبب عدم اعتراف اسرائيل بشهادات  جامعة القدس. وبين حقيقة سبب عدم الاعتراف وبين ما يتناوله الناس من اسباب تكمن كذلك تعقيدات الوضع الفلسطيني المقدسي هنا تحديدا.

تناولت الاسباب امورا عدة ، من بينها واهمها ، صعوبة المنهاج الفلسطيني المتمثل بالتوجيهي ووصمه بالفاشل او الناجح بسبب امتخان لا يمثل بالضرورة مقدرات الطالب ، امام نظام تعليمي منفتح يقدم فرصا اكثر ويركز على الامكانيات لا العلامات .

تركتهم يجولون بتلك الفكرة لعدة دقائق ثم أخبرتهم بأنهم لم يجيبوا على سؤالي. الا ان اجوبتهم كانت بصلب التربية لدى فريري . عندما نعيش تحت نظام تربوي سلطوي ، يتكلم عنه فريري بالاساس. وهو تعليمنا التقليدي المبني على اسس داعمة لنظام سياسي اجتماعي ما . يساهم فيها التعليم مع صانعي القرار بالحفاظ على بيئة عامة تحت السيطرة. تحافظ على سيطرة الاب بالبيت وتستمر بسيطرة الاستاذ على الطالب وتخرج الى سيطرة رب العمل على الموظف وتعاد الكرة الى هذا الطالب عندما يصبح هو ابا او معلما فيحكم السيطرة بدوره على الجيل القادم.

وبين استخدام لكلمات بالعبرية وبين مديح للنظام التعليمي الاسرائيلي . كان لا بد من التوقف عند نقطة هامة ،اثارها الطلاب انفسهم . وهي نقطة الصراع الدائر في كل واحد منهم . بين التبرير لما يمكن ان يعتبر خرقا للوطنية من جهة ، وبين الشعور بأهمية ما يمرون به من تجربة اكاديمية تصبو الى طموحاتهم . فهم في مكان يستطيعوا به التعبير عن انفسهم . يشعروا باهميتهم . يتكلمون بحرية . يشعروا بأنهم محترمون. هناك امل ما يرونه في انعدام الامل في المكان القادمون منه .

وبين هاتين الفكرتين تقبع فكرة “التربية للمقهورين” . مهما كان هناك من مدائح للنظام التعليمي الاسرائيلي ، الذي لا اجد فيه المديح لا من الناحية الشخصية ولا من الناحية المهنية ، وبالاخص ذلك الخاص بالمنهج الموجه للعرب. الا انني لا استطيع التقليل من مدى اهمية ونجاعة الاساليب التربوية التي يتم تبنيها . ولكن المشكلة الاساسية هنا . ليست بالاساليب والتقنيات ولكن بأولئك الذين يتم اختيارهم لتطبيقها . فليس مهما ان تكون مزودا بأهم التقنيات والاساليب الحديثة ان لم تكن مخولا بتقديمها. فلا يزال المعلم في مدارسنا ، سواءا ذلك الذي يعلم بالمدرسة التابعة للمنهاج الفلسطيني او الاسرائيلي هو نفسه صاحب مقدرات تقنية واساليب تقليدية تتبع ما تم تزويده به بالماضي. وكأن الحفاظ على التراث يستحكم الحفاظ على النهج القديم المتبع . ذلك الشعور بالتحكم على الاخر.لذا ،فان ما يقدمه المنهج الاسرائيلي للطلاب العرب لا يكاد يؤثر على الطالب لان من يوصل الاسالب هذه قادم من فكر مبني قوامه على التلقين والتحفيظ من اجل السيطرة.

وترى المعلم يقع في فخ ما يعلمه من منهاج يرمي الى تهميش القضية والهوية الوطنية مما يجعله في الكثير من الأيام متمسك يمل يدركه وتعلمه ويحاولتكرسره للطلاب بإيمان منه بانه بهذا يحافظ على الهوية الوطنية المستهدفة.

ولا تنتهي الاشكالية هنا . فالمنهاج الاسرائيلي هو منهاج مبني على العنصرية ومستحكم بفكر الاحتلال .بغض النظر عن الاساليب والتقنيات والفرص فهو مبني لكي يحافظ على الاختلاف بين الاسرائيلي اليهودي وغيره من جهة ، وتهميش العملية التربوية بما يخص العرب من الجهة الاخرى . فلا يوجد هناك داع للكثير من البحث بالمسأله . لان المتابع للمنهاج يرى هذا بوضوح جلي. ولكن الاصعب بكل هذا هو الحال المترتب على الطلاب. فالنتيجة المبتغاة هنا خلق حالة من البلبلة والتشويش بالفكر الذي يؤدي تدريجيا الى تشويه الهوية الوطنية.

فنحن امام جيل يكبر ويرى الفروقات الجلية بين المجتمعين الاسرائيلي والفلسطيني من الناحية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية . جيل يعيش على تهميش قضاياه الاساسية بدءا من التعليم من قبل المؤسسة القيادية الفلسطينية . فينظر حوله فيجد بما تقدمه المؤسسة الاسرائيلية كفيض من الفرص .

انتهيت من المحاضرة وكلي امل بذلك الامل الذي رأيته من هؤلاء الطلاب والطالبات . مجرد وجودهم بهذا الصراع حول احقية ما يقومون به كطلاب يريدون التعلم ولقد انعدمت امامهم الفرص وتقلصت في الجهة المقابلة من المجتمع ، وحضن المؤسسة التعليمية الاسرائيلية لهم ومنحهم فرصة اكاديمية قد تكون بأسوأ حالاتها فرصة احسن من تلك التي تقدمها المؤسسة التعليمية الفلسطينية .

ذلك الصراع بداخلهم والمساءلة بين تبرير وتخوف . بين محاولة بأن يقدموا لأنفسهم ما لم يقدمه لهم الوطن من فرص بالشعور باهميتهم واحتوائهم . وبين محاولة حقيقية بأن يصبحوا معلمين بمستقبل هم جزء من صناعته لجيل هم سيقوموا بالتحضير له .

هناك حاجة ماسة ومستمرة بالحوار مع هذا الجيل الصاعد من الابناء . لا يختلف شعوري اليوم من ذلك الذي اشعره بين الطلاب في جامعة القدس. للمفارقة كلهم من القدس . يحملون نفس الاحلام ويتوهون بنفس متاهات الواقع . بين الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية وبين التقدم خطوة نحو مستقبل يشبه مستقبل الاخرون من امثالهم كطلبة وكجيل .

قد تكون كلمات فريري هي افضل ما اختم فيه هذا الكلام ” علينا ان نتجاسر من اجل ان نواصل التجاسر من اجل حقنا –حتى لو كان عدم التجاسر اكثر نفعا من الناحية المادية. “


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s