مهاترات وطن

  • المشكلة في خطاب الرئيس

    شاهدت مقاطع متفرقة للرئيس الفلسطيني محمود عباس من الايام الاخيرة تتضمن مقابلة صحفية له مع قناة تلفزيونية اسرائيلية ومقاطع من اجتماع مع رجال دين اسرائيليين وغيرهم في ما بدا كاجتماع عام. وما تناقلته وسائل الاعلام من انتقاد لاذع وساخر ليس مستغربا . فكلام الرئيس يتضارب مع الواقع المعاش. إصرار الرئيس على السلام والتعاون والتنسيق امام الرأي العام الاسرائيلي ، وتهديده ووقفه سواءا بالمنابر الدولية او الاجتماعات الفلسطينية او عن طريق مركزية فتح ومنظمة التحرير او الحكومة يشكل كالضربة على الاذان الفلسطينية صاغية او عابرة . تضيع كلمات الرئيس الحقيقية ما بين خطابين بكلا الحالات موجه للاسرائيليين . ليس من الصعب ملاحظة هذا ، ولا يتطلب الامر حنكة بالتحليل لفهمه . فأريحية الرئيس في الخطاب الموجه مباشرة للاسرائيليين ليست بسبب شعوره بالراحة لانه يخاطبهم ، ولكن على ما اعتقد ، انه يعرف ان كلامه مباشر وغير مشفر ولن يذهب الى تحليل تنقيحي اخر. بينما عندما يقوم الرئيس بتوجيه كلماته لنا ، نحن الشعب ، على ما يبدو انه يكون متحسبا للتحليل اللاحق لما سيقوله فيما بعد من قبل الاسرائيليين وغيرهم من القوى المسيطرة والمتحكمة بالمشهد السياسي. فتكون النتيجة مخيبة للامال ولا ترتقي لمستوى الحدث ولا لتوقعات الشعب. هناك ما يقوله الرئيس ويتلاقى تماما معنا كشعب . المشكله في توجيه هذا القول للاخر وليس لنا . والمشكلة الثانية هي بخلط الامور. افهم تماما بأن فكرة التنسيق مفروغ منها . واي كلام بعكس هذا هو ضرب من الكذب. فعندما يقول الرئيس ان التنسيق الامني مقدس ، سواءا لنا او لهم ، فهو على حق . فالتنسيق الامني هو من مقومات السلطة المقامة على اسس اوسلو. وهذا ليس بمشكلة . عند فرض ان الاتفاق اتفاق ولقد رضينا به علي الرغم من سوئه . وهنا لا أحمل الرئيس ولا السلطة المسؤولية على هذا لوحدهم. فهي مسؤولية جماعية. نحن شعب وسلطة عرفنا معرفة صارخة بأن اوسلو ليست بالمنفذ الافضل للقضية الفلسطينية واستمرينا بها . هناك ما يناسب احتياجاتنا ربما كشعب وسلطة سكتنا عنه جميعا . ولكن يبقى السؤال الاهم . ما الذي يمكن ان نفعله للخروج من هذا ؟ نعي اليوم تماما كشعب بانه ليس بيد الرئيس حيلة امام عنفوان وبطش اسرائيل من جهة ، وتهكم وسيطرة القوى الغربية من الجهة المقابلة . هناك اجندة الكل يعمل من خلالها. فهل نرضى بهذا كشعب ؟ يبدو اننا منقسمون في هذا بين ما كنا نتمناه وبين ما نعيشه . فلا اظن ان احدا منا صادقا تماما عندما يدعو الى ازالة السلطة والعودة الى الاحتلال . على الرغم من انه هو الوضع الافضل . الا انه لا يمكن ان ننكر ان الوضع الحالي هو وضع يريده الفلسطينيون جميعا . ذلك الوضع الذي به مؤسسة بنيوية فلسطينية . صحيح ان هذه المؤسسة لا ترقى الى توقعاتنا . الا نه من خلالها تم بناء المؤسسة الاهلية والرسمية وغيرها من مرافق شكلت صورة فلسطينية مستقلة، فتحت المجال لان تكون الهوية الفلسطينية ممتدة وموجودة. وعليه تكون العودة الي خطاب الرئيس. فالرئيس حاله كحالنا . يرى انجازا وحياة ارادها كفلسطيني ويتمتع بها اليوم كرئيس. مثلا . ان يكون هناك سلطة فلسطينية يعني ان تستطيع ان تحلم بأن تصبح رئيسا او وزيرا الى اخره من مناصب لم تكن متاحة لنا تحت الاحتلال. والامر ينطبق على المرافق والوظائف الاخرى والمناصب. ولكن لا يعقل ان يكون حال الرئيس من حالنا . في كلامه بالحوار الاخير مع التلفزيون الاسرائيلي ، لم استهجن كلامه ابدا ، لم استهزيء منه . على العكس. قال ما سيقوله اي اب فلسطيني او ام . ليس هناك عاقل يعرف ان ابنه خارج بسكين ويتركه . المشكله في موضوع العمليات وردود فعل الاهل والشعب تكمن في اللحظة التالية للعملية لا اللحظة السابقة . اي ان الاعلام يستفرد بالام الثكلى بلحظة علمها بفقدان ابنها ويسألها عن شعورها وسط جموع وافرة من المعزين المصدومين الذين يقومون بشد عضدد الاهل محاولين التهوين عليهم واعدين اياهم بالاجر الكبير في الجنة . فتكابر الام او الاب وتتفاخر بما حصل. وتقول انها تشجع ما قام به ابنها . كل ما نتناوله هو اللحظات التالية … اللحظات التي لا يمكن للام استرجاع ابنها منها . لحظات قادمة لحياة مليئة بالفقدان لن يعبئها اي شيء. خسارة لا تعوض ولا تسترجع . فتقول ما تقوله . ويردد الجموع ما تردده او العكس. ولكن هل هناك ام او اب يقولون لابنهم اخرج اطعن ولا تعد ؟ هذه هي المشكلة في تسويقنا الخاطيء لتضحياتنا الكبيرة . عندما سمعت الرئيس يقول ان اجهزة الامن تفتش في حقائب الاطفال استهجنت وقع التصريح بالبداية. وربطته بفكره التنسيق المقدس. ولكن عندما اعدت الجملة في رأسي سعدت . فتصرف الامن بالمدارس صحيح. ولكن الوصف لم يكن موفقا ضمن الحوار الحاصل. او بالاحرى الاطار الذي وضع فيه الحوار لم يكن موفقا . من المسؤولية ان يكون هناك تدابير امنية في المدارس يترتب عليها الكثير من العمل مع الطلاب واقناعهم بان ما يحتاجه الوطن هو جيل حي متعلم وواعي ومتصل بحياته من اجل التحرير. ولكن ضاعت كلمات الرئيس في اثير الواقع المرير. فصورة الامن بالنسبة للمواطن المستمع ترتبط بالتنسيق من اجل العدو ، وبالقمع المستجد بالمظاهرات السلمية وبحجز الاجهزة للمواطنين بما لا ندري عنه من سلطان الا لسلاطين الامن . واذا ما قارنت كلمة الرئيس المقتطعة بكلمة ابو عبيدة التي خرجت بنفس الوقت تقريبا بخصوص الاسرى الاسرائيليين ، والتي صفق لها الشعب وهلل. لو استمعنا جيدا لانتبهنا بان ابو عبيدة قال انه لا يوجد اتصال من اي نوع مع الاسرائيليين بخصوص الاسرى . هذا يعني ان هناك ربما تنسيق او اتصال اخر بخصوص امور اخرى . وهذا ايضا طبيعي . هنا تكمن الفروقات بالخطاب. عندما خرج ابو عبيدة مكلما الاسرائيليين كان خطابه غير المباشر للفلسطينيين . كان الرأي العام الفلسطيني هو ما يصبو اليه . بعكس الرئىيس الذي يكون خطابه دائما موجها للاخرين. قد يقوم الرئيس بهذا من موقعه المسؤول والمطالب به كرئيس. فعليه ان يكون حريصا فيما يقال وما لا يقال .وهنا يكون الرئيس قد وقع في المطب بعلم او غير علم لا اعرف . او لربما يكمن السؤال اذا ما كان واعيا لما يحدث من تأثير على خطابه . ولا اعرف من المسؤول عن هذا . اتخيل احيانا ان الرئيس محاطا بالمستشارين الذين ينقلون له ويدلون له بالنصائح المترتبة بتأثيره على الشارع الاسرائيلي ، وكأن الشارع الفلسطيني تحصيل حاصل . سيقبل بالنهاية او يعي ما لا يعيه الان مستقبلا. وفي كل الحالات يكون الخطاب وكأنه محصور على فئة بعينها عند تلقيه ، متجاهلين تماما ان الشارع اختلف بتلقيه للمعلومات. وكأن الفلسطيني لن يشاهد محطة اخرى غير تلك التابعة للخطاب الرسمي الفلسطيني. لو خرج الرئيس بخطاب موجها للشعب ، مباشرا ، والشعب هنا المقصود ليس الفصيل الذي يرأسه الرئيس . اي ان يكون خطابا فلسطينيا لا فتحاويا يقول فيه ما يقوله امام الاسرائيليين . خطابا بلا اوراقا مكتوبة او اسئلة مجهزة مسبقا في حوار . سيجني الرئيس الكثير من المصداقية والثقة . احيانا اشعر باليتم بحالنا الفلسطيني . يتم لا يسببه الموت . وخطاب الرئيس وحواره مع الاسرائيليين في كل مرة يشعرني بهذا اليتم. ولا اعرف مدى صعوبة المعادلة في ايجاد حوار متوازن للشعب والاخر . خطاب للشعب يكلمه به بلا حدود . يشارك مخاوفه وهواجسه واحلامه وخططه وتوقعاته للشعب .


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s