مدرسة الفرير ..انموذجا في التربية والتعليم

أشعر برغبة جدية بالكتابة عن مدرسة الفرير بالقدس ، بلا مناسبة ، ولربما لداعي دائم الحضور في رأسي . هذه المدرسة نموذجا في التربية الوطنية والثقافية.
في كل مرة أتداول اطراف الاحاديث مع ابنتي ، يغمرني هذا الشعور بالعرفان والامتنان للمدرسة . وافكر، كم يكمن الاسلوب الانساني في التعامل مع الطلاب كمؤشر اساسي في رسالة المدرسة كصرح اكاديمي تربوي.
بالحقيقة ، لا يهمني كثيرا الجانب الاكاديمي في منهجنا التعليمي ، فأنا من المدرسة المنقلبة ربما على المنهاج التربوي التعليمي . ولا أري بمنهجنا ما به الامل لخلق جيل ريادي بسبب المنهاج التعليمي القائم . الا ان الامل كبير بابنائنا انفسهم . فنحن امام جيل بلا شك ،أكثر ذكاءا ، ودهاءا، وخلاقا ،وبالتالي ريادة من جيلنا نحن الاهل .
ولكن لا انكر بأنني راضية عن النهج الاكاديمي القائم . لا زلت أصر ان المدرسة هي مكان الدراسة لا البيت . والمدارس التي تكهل الاهل والطلاب بالدراسة بعد ساعات المدرسة هي مدارس فاشلة بجدارة. والطلاب يتفاوتون بمقدراتهم وجهودهم ، والتركيز على طاقاتهم بأمور اخرى اهم من التركيز على جهدهم بالحفظ والبصم .
لا يزال المفصل القاسم لسوء مناهجنا هو قيامها على التلقين والحفظ بدل من الحث على التفكير الابداعي والخلاق.
وبعيدا عن موضوع الاكاديميا ، اقف عند الدور المهم والاهم للمدرسة . ذاك الدور التربوي المبني في الفرير بما احترمه جدا على التربية المجتمعيه . الاحساس بالجماعة . التفكير الجمعي . الاحساس الجمعي . الانتماء . التواصل . وبناء نهج وطني بجدارة.
هناك عدة اماكن ممكن اذكرها منها ، تحول المدرسة الى مركز جماهيري، مبني على تجميع المجتمع بداخل المدرسة . يركز على ان المجتمع ليس مدرسة بحد ذاتها ، بل هو تجمع لمدارس تشكل ماهية المجتمع . هذه الفكرة الاقصائية بالمدارس والبيوت والعائلات اصبحت من سمات المجتمع .كل منزوي يريد ان يصنع من نفسه مثلا استثنائيا امام الغير . منذ سنوات عندما فتحت مدرسة الفرير ابوابها لفرق الدبكة ، والغناء ،السباحة وغيرها من النشاطات ، كان من اجمل ما رأيت تلك المسابقات في قاعة المدرسة كانت تضم فيها طلاب وطالبات من المأمونية والرشيدية والوردية ومار متري وغيرهم … مشهد استثنائي ، كبرت انا على غيره . عندما كان هناك نوعا من الخصوصية الطبقية للمدارس ، ولا يزال . الا ان الفرير دأبت على دمج مجتمع المدرسة بالمجتمع المقدسي لتكون كتلة مجتمعية راقية ومحفزة والاهم مجمعة.
في كل مرة اقف محترمة ومقدرة للجهود التي تبذلها المدرسة على صعيد البناء الشخصي للطلاب مع الحفاظ على فروقاتهم ومقدراتهم وظروفهم. والاكثر تعامل المدرسة بالمواقف العامة والمشاكل المجتمعية والسياسية المتاخمة لحياتنا . وهناك الكثير من الامثله ، في كل مرة احاول الكلام مع بناتي عن موضوع ما يشغلني ،موضوع انتفاضة السكاكين مثلا، رأيت كيف تعاملت المدرسة مع الطلاب ،بطريقة عقلانية لم تغب عنها الحفاظ على حس الابناء الوطني وبنفي الوقت المسؤولية المطلقة على امنهم . كان هناك حوار دائم ما بين المدرسة بطواقم تبدو وكأنها تعمل منهجيا بحراك غير مرئي . في المسائل الاجتماعية البحتة كذلك ، تقوم المدرسة بالتعامل مع المسائل بطريقة عقلانية وانسانية.
المواضيع الطائفية التي لا تخلو من مجتمعنا ، هي احد الركائز المهمة التي تحرص ادارة المدرسة على عدم ترسيبها ومحوها من فكر الطلاب.
ومرة اخرى ، في كل مرة احاول انتزاع غلطة على المدرسة من هذه الناحية ، اجد ابنتي تناقشني وكأنها تترأس لجنة دفاع عن المدرسة . ولا يخلو الامر طبعا من انتقادات بناتي الكثيرة وتذمرهن وشكواهن. ولكن في كل مرة تصل الواحدة منهن الى حل مشاكلها مع المدرسة من خلال المدرسة نفسها.
ما جرى مؤخرا بالمدرسة من حادث مؤلم ، لاحد الطلاب هو ماحفزني على الكتابة اليوم. فلقد تعرض احد الطلاب لحادث بالساحة بعد تناوله عن طريق المزاح ربما قطعة من غصن نبتة زينة ما ، تبين فيما بعد انها سامة ، وادت الى دخول الصبي في غيبوبة حتى اللحظة. كنت قد قرأت ما كتبته والدة الصبي على الفيسبوك ، واصابني ما قد يصيب كل ام وكل انسان من حالة حزن شديد وتمني واستجداء من رب العالمين ان يلطف بهذا الصبي. كم هي صعبة امتحانات هذه الحياة احيانا . اعتصر حرقة على الاهل . وعندما سألت ابنتي عن الموضوع ، تكلمت بروية وحذر شديد، وكأنها كانت تحرص على الا افهم الامور خطأ لكي لا تتحمل المدرسة او اي شخص اخر المسؤولية. كانت تناقشني بالموضوع وكأنها محامي دفاع عن المدرسة . وككل مرة ، يبدو ان المدرسة لم تهمل ان تتكلم مع الطلاب عن الموضوع .
مهما كان الموضوع كارثيا ، ولا اظن ان هناك اصعب من هذه اللحظات على المدرسة وعلى الاهل وعلى اهل الفتى تحديدا واصدقاءه وزملاءه . الا ان المدرسة بحرصها على احتواء الموقف بعقلانية وانسانية وبلا تخبط يجعلها مرة اخرى بمكان ترقى فيه الى وجودها على هذا الصرح التربوي.
استطيع ان ادعي انني مررت بجولات كثيرة بمدارس القدس لاسباب خاصة مختلفة . وكان انتقائي للمدرسة يرتكز الي ذاك الشق التربوي الذي يتناغم مع تربيتي لابنائي ويحاكيه لا يتناقض معه ، ويتناغم مع محيط المجتمع لا يقصيه . ما تقوم به الفرير على هذا الصعيد يشكل انموذجا اتمنى ان تستطيع كل مدارس القدس وفلسطين ان تحذو حذوه .
الفرير تعتبر من اقدم مدارس القدس وارقاها . كان بوسعها التغني بماضيها الحافل بالرقي الاكاديمي وتكتفي . الا انها اندمجت مع متطلبات المجتمع وتغييراته. تحدي الاختلاط اولا ، ثم تحدي الخلط القائم بالمجتمع بين داخله وخارجه ، بين الجدار وتفريقاته ، بين مسلميه ومسيحييه ، بين الظروف السياسية الصعبة ، وبين هذا العدد الكبير من الطلاب والطالبات .
في كل مرة انظر الى بناتي ، وارى قوتهن، شخصياتهن، تفانيهن، اخلاصهن، ثباتهن على مواقفهن وارائهن، دفاعهن عن ما يؤمنن به ، حسهن الوطني ، إقبالهن على الحياة وحدياتها … أشعر بالامتنان للمدرسة… ولا يسعني الا ان افكر بكم الجهد الذي تبذله هذه الادارة لتشكل وحدة متكامله فيما بين اعضائها المختلفين ليكونوا عمادا يحمي هؤلاء الطلاب ويحرص على نضوجهم وسلامتهم وامنهم وتعليمهم.


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s