ما أصعب الواقع الذي نراه من خلال شاشة ،فكيف تكون حقيقة هذا الواقع بعد كل الفلترة الملقاة عليه ليخرج ضمن عمل ترفيهي يشد انتباهنا لبعض السويعات ؟

ذهبت مع صغرى بناتي الى السينما لمشاهدة فيلم ما . هذه المرة الثانية التي نكسر فيها ما هو مفترض من مقاطعة للجانب الاسرائيلي من المدينة. لا نزال في البيت منقسمين في نقاشنا حول جدية المقاطعة واين الخطوط المجدية التي تملي ما نقوم به من مقاطعة واين اللا مجدي منها .

المهم ، مقاطعتي مؤخرا دخلت ضمن تساؤلات وتجاوزات . لا أزال مضطربة في تعديها ، ولكن بداخلي تساؤلات تكثر عن جدية وضعنا كله.

المفارقة كانت لربما ، تضيف على تساؤلاتي وتخبطاتي بالفيلم الذي شاهدناه . فيلم “مفترق ٤٨” . فيلم فلسطيني بإخراج وانتاج اسرائيلي ، يعرض بسينما اسرائيلية . لم يكن هناك الكثير من الحضور . ولربما لأنه الاسبوع الثاني للعرض. ولكن كان مثيرا عندما بدأ الفيلم بجملة تقول فيها أن مجريات هذا الفيلم في مدينة اللد الفلسطينية . وهي مدينة تم تشريد سكانها في ال ٤٨ واستبدالهم باسرائيليين . تعتبر مدينة ثنائية القومية .

كلمة فلسطين تأتي كضرب الخنجر في هكذا مواقع . لا اعرف ان كانت انفاسي هي التي كانت تتراقص مع البداية ام هي اصوات نبضات المتفرجين من حولي. لا خفى على احد صعوبة وضع اللد . اللد اصبحت اليوم اللود ، وهي المدينة التي يوجد بها مطار بن جوريون . من الخارج تبدو مدينة عادية ، اسرائيلية، وكلما توغلت بها نحو الاحياء العربية تعرف حجم المأساة . لا تختلف في خفايا ما يظهر من مآسيها وضع المخيمات ،وتحديدا مخيم شعفاط في القدس.

كلما توغلت بالاحياء او نحوها ، تتملكك الرهبة ، وكأن الطاقة المخيمة على المكان تهاجمك قبل ان يراك اصحابه .

الفيلم يحكي قصة مغني الراب الفلسطيني ، او على حسب تعريف احد الاسرائيليين له في احد المشاهد ” ليس فلسطينيا اصيل ” لانه ليس من الضفة . كيف تخلق هذه الاماكن هكذا مواهب . قصص تتشابه في اماكن البؤس ، فقر ومخدرات وجنس وعالم سفلي …. واحتلال . كيف يصر الاحتلال اقحام نفسه في بؤس المشهد الفلسطيني بكل واي صورة . سواءا بتلك العنصرية او العسكرية ، وفي المحصلة ، ضحية فلسطيني .

تسري احداث الفيلم الواقعي الى درجة الخيال بين احداث خاصة وعامة يتداخل بها كل شيء . في هكذا اماكن لا يوجد فرق بين الخاص والعام ، ويبقى الموت هو المفرق .

بين صوت اذان وصلاة الجنازة في عدة مشاهد صعبة ، وبين قسوة الواقع ، عالم سفلي بعالم مستوي . لا يكاد يفهمه او يراه الا من يقترب منه . المخدرات والجريمة ..الشرطة والاحتلال … التشريد والهدم …الفقر والعنصرية ….

الموت المصاحب لهذه الحياة ، بين حادث طرق بشارع لا ينتهي اصلاحه ، وقنص من فوهة بندقية شرطي اسرائيلي ، واغتيال بدم بارد من قبل عصابات المخدرات ، يصر الموت على ان يكون الغيمة التي تسكت المشهد للحظات . لحظات حزن وغضب ويأس وجنون حتى .

وبين التقاط الامل في فن يرتجله الشاب واصدقائه وبين صوت جميل يتمثل بدءا بصوت امه التي كانت تغني وابيه بحفلات خاصة وطنية الطابع تحولت بعد موت الاب الى هويسة تتعاومل مع الجن . وبين حبيبة رفيقة مسرح يحلم به الثنائي وعادات مجتمع قبلي تصر على ان صوت المرأة عورة ،وانها محكومة من ابن العم وما يمكن ان يمتد من قبيلة في لحظة تتحول فيها الفتاة الى شرف العائلة ويصبح دمها مستباحا .

صراع اخر للمرأة الفلسطينية يجسده واقع مجحف بين حصار الاحتلال وقيود القبلية المجتمعية .

في لحظة ما يحملك الحلم واياهم نحو وهم واقع يشبه ذلك الواقع المتاخم للحياة الاسرائيلية . ليرتطم كل شيء بدوي سحيق. تقف الفتاة فيه بتحدي للحبيب الذي يفرض قراره بمنعها من الغناء معه مناجل حمايتها من اهلها المتربصون ، وبين واقع الخوف المحيط بها من ذكورية مهما تركتها وراءها أتيها زاحفة . مهما تعلمت ، وانفتحت للعالم المقابل ، الا ان كونها عربية يتحكم بها هي اولا . بين صراع الفتاة في اثبات هويتهاالفلسطينية ، غنائها الوطني ،كوفيتها بالبارات الاسرائيلية ، والعلم الفلسطيني المزين لغرفتها ، وبين حصار عالمها الذكوري الذي يحدد لها مساحاتها من الحرية بتلك المرتبطة بالاحتلال .

حصار بقلب حصار . مشهد قاتم للحقيقة مهما حاول اصحابها التلاعب مع الواقع .

اجيال متلاحقة من الفلسطينيين الذين لا يكف الاحتلال عن محاولة تمزيق هويتهم وتطويعهم داخل “اسرلة” تابعة ،تضعهم في احسن الاحوال في مكان المواطن من الدرجة الثالثة او اي درجة سحيقة .

من الخارج تبدو الامور طبيعية. تندمج اللغة العربية والعبرية لدرجة لا تكاد تفرق كيف تبدأ الجملة والى ما ذا تنتهي . تشويه باللغة ، وتشويه بالمكان وتشويه لا يقف بالانسان الفلسطيني. محاولات لا يوقفها يأس من تدمير الماهية الفلسطينية . وكأن الفلسطيني يذكرهم دائما بأنهم مغتصبوا ارض لا مستحقون لها .

والفلسطيني بين تمزيق لاشلائه ودمار فوقه ومن حوله لا يكف .

تبقى الهوية الفلسطينية تلك كالوردة المنبثقة من قلب دمار شامل خلفه زلزال.

هناك فسحة للامل بهؤلاء الاجيا من الشباب الفلسطينيين هويتهم تبدو وكأنها احد مكونات اعضاء جسدهم ، لا يمكن الحياة بدونها . وكأنها عضو مرافق للقلب تنبض بنبضه .

تبقي املا رغم الاصرار على سحق كل ما تبقى من فلسطينتهم ..بأن فلسطين هي ما سيبقى مهما طال الزمن .. ومهما قسى الواقع … فالحقيقة الفلسطينية لا يرسمها واقع يقرره احد…

فلسطين هي وجدان سحري هو اساس النفس الفلسطيني ….


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s