لا نظافة…لا انتماء…أقم الصلاة

تم تداول بعض الصور مؤخرا ، من باحات المسجد الأقصى ،بين قذورات ممتدة مخلفة من جلسات الناس و”تعبدهم” ، وبين رسومات وخربشات تشويهية على العمدان من قلوب وقصائد وحفر أسماء عشاق وأحبة.

في جولة تعليمية  لي في البلدة القديمة قبل عدة سنوات مع أستاذي في مساق “القدس-نظرة تاريخية” ،التفتت الى ظاهرة الكتابة والخربشات الجرافيتية على الجدران والأبواب التاريخية التي تعود إلى الفترة الأيوبية والمملوكية . فسألت أستاذي في سؤال بريء عن الموضوع . كيف نقوم بتشويه التاريخ بأيدينا ،بينما ننقض على الاسرائيليين كالأسود إذا ما اقتربوا من مكان لنا ؟ كيف نصيح للعالم عن سرقة اليهود لتراثنا بينما لا نتكلم عن تشويهنا لهذا التراث؟ كان المنظر مؤلما ، بين تجمع النفايات اللا منتهي وبين الشخبطات من كل الألوان وفي كل الأشكال بمزيج مزعج ومشوه ، وبين التكاثف السكاني هناك لما كان في يوم ربما قصر او مقام يستشهد به التاريخ لأصالة المكان وملكيته لنا.

كان جواب الأستاذ غير مقنع ، وأشار إلي بعدم إكمال الكلام . ” هناك كثافة سكانية ، وهذه التجمعات السكانية تساعد الناس على البقاء في القدس!!!!”

لم يكن هذا هو المشهد الوحيد ، لوم تكن القدس هي المكان الوحيد الذي يشهد الاهمال التراثي ، فسبسطيا وقصر هشام وغيرها الكثير من المعالم التي تشكل مزيجا للحضارة والوجود ، تؤكد على ان التراث في الأيدي الفلسطينية يشوبه القذورات والاهمال وعدم الادراك وغياب الوعي. أذكر قصر هشام وأنا صغيرة ، ويبكني ما آل اليه من اختفاء وتآكل للآثار المشكلة له اليوم ، وكالعادة صحوتنا المتأخرة …كما في سباسطية التي كذلك انتظرت الاوروبيين لإنقاذها …الا ان تجمع الأوساخ المترتبة عن الناس لا ينفع بها اموال اوروبية ولا غيرها.

النظافة من الايمان ….تنعدم النظافة فيما بيننا ، فكيف يبنى ايماننا ؟ وهذه الحجارة والمعالم قد تجعل وجودنا على المحك في لحظة واحدة . لحظة يضع العدو يده عليها ،فتصبح أغلى وأهم ما نملك.

كيف تكون الأغلى والأهم، وشعار وجودنا وتمكيننا في الارض، ونحن لا نرقى إلى درجة أن ننظف القذورات من حولها. كيف نكون شعوبا نتوضأ من أجل الصلاة بغرض النظافة ، وحماماتنا العامة في أماكن الصلاة وخارجها مقرفة غير إنسانية. ليس بسبب انعدام الوسائل والخدمات ، بل بسبب انعدام النظافة الذاتية والوعي الخاص والعام . أستغرب من إنسانة او إنسان يجلس في باحة الحرم للصلاة ،رائحة عرقه تملأ المكان واذا ما نودي للصلاة قرر تجديد الوضوء. وضوء في حمام على ارض نجسة من إهمال ذاتي متكرر حتى اصبح المكان القذر والنجس مشكلا لهوية المكان.عندما كنت صغيرة كانت أمي تقول في وصفها لقذورات ناجمة عن إهمالنا في تنظيف البيت او الحمام مثلا : “مثل حمام المطاهر”. مفارقة اخرى في التسميات ، “المطهرة” تلك في الحرم من اجل الطهارة والوضوء ، هي نفسها التي يضرب فيها المثل عند وصف الاماكن غير النظيفة.

في هذه الحالة من اللا نظافة ولا إيمان تكتمل مآسينا . كأن يصبح الأقصى في باحاته وأعمدته وحيطانه مرتعا للعشاق والمراهقين. الحقيقة لا أعرف نوع الناس التي تأتي للمكان . هذا التناقض الصارخ في وضعنا الفلسطيني مفزع. تناقض تعقبه كذلك غربة يعيشها البعض منا ، لا يفهم من هو وسط كل هذه الغوغائية من الشعور. قبل أشهر وعلى امتداد السنوات ، استشهد الشباب من أجل كرامة هذا المكان في محاولة لعدم تهويده في ظل ما يتم تهويده يوميا في القدس تحديدا . كل اولئك الذين فدوا حياتهم من أجل المكان ، كل ما سمعناه ورأيناه من المرابطات والمرابطين . ما الذي جرى ؟ من هؤلاء الصبية ؟ وما الذي يجعل المكان بهذه القذارة من مخلفات المصلين في رمضان .أين عمال الأوقاف وحراسها ؟

بينما ننشغل بالمستوطنين ونخاف من محاولاتهم الصلاة في اماكننا المقدسة ، يقوم ابناؤنا ونساؤنا بالعيث خرابا وتدنيسا من نوع آخر في المكان .

سؤالي عن الاوقاف ليس في سبيل الانتقاد . ولكن … عندما أدخل إلى الاقصى .ويلي اذا ما ظهرت خصلة من شعري او ظهرت بقعة من جسدي . فترى حراسا ذكورا ونساءا مصليات متبرعين بإرشادك وتقويمك لتغطية حرمات جسدك الظاهر. أين هؤلاء عندما ترمي امرأه او طفل أو صبي أو رجل …. قمامته ويرحل؟ اين هؤلاء عندما تحفر القلوب والاسماء على الحيطان ؟

كيف تتحد أنظارهم نحو خصلة شعر تسللت من الغطاء وقطعة من جسد بالكاد تعدى المرفقين والقدمين ، ولا تلفتهم نظافة المكان وأصالته؟

الخلل الحاصل ، ليس مصادفة . وما نعيشه لا يرتبط بالاحتلال ولا بالسلطة بالضرورة. ما يجري هو انعدام في التربية وقصور واضح في التعليم . كيف أتوقع من امرأة\رجل تفوح منها رائحة العرق تدخل لتتوضأ وتستخدم الأرض بدل المرحاض، تجلس في الساعات “متعبدة” بين جموع النسوة وشيخ للحديث والنميمة ، مع ابناء “يتعبدون” بالارجاء ، أطفال ربما ، مراهقون ممكن ، ليصبح المكان تدريجيا ملاذا للحب واللعب والاستجمام . ما يجري بالاقصى في رمضان تحديدا ، لا يرتبط بالزحام المترتب  ، وبالتالي القصور . في مشهد مهيب ترى الناس هذه “تقاتل” فعلا من أجل الوصول إلى القدس وإلى الأقصى للعبادة . الحافلات بالمئات بل بالآلاف محملة بالبشر المؤمن القادم من أجل ثواب من الله في هذه الأيام الفضيلة . تغلق الشوارع من أجل استقبال المصلين …. الخلل بنا نحن …. الخلل في هذا الإنفصام الواضح بلحظة قصيرة . لحظة بين الوصول إلى المكان للتعبد وتركه مدنسا بحمام استخدمناه ولم نهتم بتنظيفه ولو اجتمع فريق من عمال النظافة على ذلك، وبأرض تركنا وراءنا عليها ورقة ، او تسالي ، او مشروب او عليه بلاستيكية او غيرها …. فكيف اتوقع من مراهق يحفر قلبه وفتاته على العمدان الأموية أن يفهم أو يعي بأنه بتلك اللحظة شوه تاريخه؟

 

ما يحدث هو عملية تراكمية من انعدام التربية والتركيز على القشور في كل شيء . العبادة صلاة وصوم وزكاة عينية ،ظاهرة في ركعة وغطاء رأس وتجويع معدة واستماع الى خطب تشد من المؤامرة على الإسلام وسطوة الرجل وقمع المرأة والدعاء على غير المسلمين . خطابات كراهية تحت اسم الله وحبه والدعوة اليه. تغيب عن الخطب في هذه الايام ككل الايام ، الدعوة إلى النظافة ، الدعوة إلى الوعي . الدعوة إلى التربية بدل حق الرجل في تعدد الزوجات واحكم الشرع على المرأة المتبرجة وواجب الطاعة. الدعوة إلى الانتماء للمكان بالمحافظة عليه لا باقصاء الاخر منه . ذلك الاخر الذي صار اليهودي فيه رتوشا نكمل فيها التشويه الحاصل على تراثنا .  


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s