من مصائر عالقة بين النكبة والهولوكوست …إلى آدم وأولاد الغيتو

تلقيت خبر فوز رواية مصائر للكاتب الفلسطيني ربعي المدهون بسعادة حقيقية ونوع من التفاخر. فلقد سمعت

الكثير عن الكتاب واجتهدت في محاولة اقتنائه بالقدس كثيرا حتى صدوره بمعرض الكتاب برام الله. لم اتردد بشرائه وترشيحه للأصدقاء رغم المبالغة في سعره حينها (٦٠ شيكل)، وكأني قلت في نفسي ان كتابا حائزا على جائزة البوكر العربية يستحق ذلك. أردت قراءته بأجواء تسمح لي بالقراءة، فلم أرد ان امرره مرور الكرام. فبالنهاية كل الترشيحات التي تلقيتها كانت من اصدقاء يشاركون ذوقي بالقراءة. وناقد بحجم فيصل الدراج يكتب فيه غزلا، لا بد انه كتاب العقد. قررت بأن كتابا يحاكي مصائر الفلسطينيين بين نكبة وهولوكوست، يستحق جو شاطئ الذي اعتزمت تصفحه فيه. قليلا ما اختار طقسا لكتاب اريد الانزواء في قراءته. صاحبني في مشواري الى غزة، وبينما انتظر السماح لي بالعبور من خلال معبر ايريز اخرجت الكتاب من حقيبتي، مضطرة لأواسي نفسي في الانتظار الاضطهادي الذي لا يبرره الا كلمة احتلال. كنت متحمسة، متحججة بأن الكتاب سيهدئ من غضبي المشتعل ازاء الانتظار الطويل. واعتذرت له متمتمه بصوت قد يكون مسموعا: ” لا بأس، سنكمل جلستنا على الشاطئ بكل الاحوال”. كان تمرير ٥٠ صفحة ليس بالأمر السهل، اقلب الصفحة وراء الصفحة محاولة بكل صدق ان أجد ما يشدني لما اقرأ. فكرت انها قد تكون ظروف القراءة، فلقد كنت مضطربة، اكبت جماح استيائي بالقراءة، واغلقت الكتاب عائدة لخطتي الاولى. سأنتظر وصولي الى غزة واقرأ امام الشاطئ. لم تكن قراءتي امام شاطئ غزة بالموفقة كذلك، فكان برنامجي مزدحما وضاغطا، ولم تستطع الصفحات الخمسين الاخرى بشدي أكثر. تركت الكتاب لأسبوع ربما جالسا في حقيبتي، ليكون مخرجه القادم بينما كنت انتظر دوري لتجديد وثيقة سفري في الداخلية. لم أستطع الا ان اربط وانسجم واغضب. تضاربت مشاعري بينما كنت اقرأ عن “جنين” المقيمة بيافا وزوجها من بيت لحم، وحياتهم الزوجية التي بدأت بالأفول قبل البدء بسبب تعسر لم الشمل لزوجها “الضفاوي”. كان المشهد الحاصل بين جلوسي هناك وبين ما اقرأه بين الصفحات اشبه بالفكاهي الساخر. كيف تتقارب الحياة الفلسطينية. كم من الازواج يمثلون بطلة الرواية وبطلها. في تلك السويعات تعاطفت مع الكتاب واحداثه، واسقطت من رأسي كل الانتقادات التي شكلتها، فلم تهمني ركاكة المضمون ولا الحبكة والاستعمال المترف للهجة عامية لم أكن متأكدة انها اللهجة التي نستعملها. تنازلت عن كل التفاصيل التي كانت تؤرقني وحاولت خمدها منذ بدء قراءتي وفكرت انه من اجل هكذا وضع تحديدا، هكذا توصيف لمرارة الواقع الفلسطيني المعاش يكفي ان اتغاضى ويحق للكاتب الفوز.

الا انني لم أستطع التحمل كثيرا، هناك امور لا أستطيع تجنبها كقارئة، تمنعني من تكملة اي كتاب ان رأيتها امامي: هناك فرق بين بساطة وركاكة في تركيب الجمل واستخدام المصطلحات. لا يمكن ان لا تحسها وتلمسها كقارئ في هذا العمل. تغاضيت عنها، حتى كثرت استخدامات اللهجات العامية التي احسستني بالنفير. لدي مشكلة باستخدام مصطلحات نابية بالأدب، وتسويقه على انه من الكلام المحكي العادي. في تلك اللحظة انطلقت اعلام التحذير لدى عقلي، وازدادت كلما ازداد ترديد تلك الكلمة. اوقفتني اختي متسائلة، “كيف تعترضين وانت من تعشقين محمد شكري وخبزه الحافي. ما قدمه شكري اختراقا للأدب الواقعي، أعظم ما فيه اصالته. هنا، نحن نتكلم عن اقحام مبتذل لبعض الكلمات التي من الممكن استبدالها براحة وبلا اي تأثير على المعنى. المشكلة الثانية كانت في خلل ما بتوصيف التاريخ الذي اثار حفيظتي وارهبني ربما. لم اعد اميز ما اقرأ من حقيقة مسلمة لي كفلسطينية وبين حقيقة بها الكثير من الاغتراب والتغريب. قصة فلسطينية تذوب فيها الاصالة والوجع القديم وتسرد الحديث بالأمه كان الماضي مبرر والحق له من الاصحاب كثر. المعتدي والضحية. ذلك المكان غير الثابت اثار ارقي، من الصعب مسكه ومن الصعب الاعتراض عليه ومن الصعب هضمه.

في كل مرة كنت احاول ان اهضم ما اقرأ، وكنت رويدا احاول التسليم بفكره انه ريما هذا هو الوضع القائم للأدب. كنت اخاف كلما اقتربت من فكرة ان يصبح هكذا عمل ممثلا للأدب الفلسطيني، صرت اسرد امام نفسي ادباء اقحمهم الكاتب لروايته، واتساءل، ما الذي يريده، افهم ان يكون اميل حبيبي قدوته، هل اراد ان يخلق بالمصائر والدهمان متشائلا جديدا؟ هل اقتطاعه للحظات اقترب فيها جبرا تجعله خليفة ادبيا له؟ مر امامي من أحب من كتاب اعشق ما يكتبون كحسين البرغوثي واولئك الذين تقدموا بالأدب العربي خطوات للأمام لن تمحى وستخلد كدرويش وطوقان وجبرا وحبيبي وكنفاني والسكاكيني وغيرهم. في لحظة كانت تأخذني الحبكة لمحاولات كتلك التي اتقنها ميلان كونديرا في صياغة حبكاته العبقرية، وبلحظات كنت اشعر ان أحدهم يريد ان يكون اميل حبيبي.

هنا انتهت قراءتي، فلقد تفاقمت الاعلام التحذيرية، وعادتي كقارئة تلتزم بقواعد لا يمكن التخلي عنها واسقطها الكتاب وبكل اسف. الا انني اصريت على القول بأنه ريما سقف توقعاتي من الكتاب هو الذي جعلني مجحفة بحقه.

فتركته

لجأت مهرولة لكتاب اولاد الغيتو لإلياس خوري. ولم احتج لأكثر من صفحة تلو الصفحة لأعيد لنفسي ثقتي بان الادب العربي لا يزال موجودا. كنت قد بدأت بالتسليم الى ان المصائر هي ما سيصبح عليه الادب، وانني مختلة لا اميز ولا اتذوق. رجعت الي نفسي قائلة مبتسمة: ” هذا سيكون أجمل كتاب اقرأه”. واستعدت كلامي لنفسي ضاحكة: ” اعرف أني كاذبة” فهذه المرة التي تعدت عشرات المرات التي قلت فيها هذه العبارة. كنت قد اشتقت لهذا الشعور بأن يستقطبني كتاب، في هذه الحالة يخصني، ويخص قضيتي.

لا اعرف ان كان مصائر يشكل حالة يقع فيها القارئ والناقد بشكل عام، بان تصوير الوجع الفلسطيني وأنسنة الاحتلال شكلت ما يمكن وصفه بضرب عصفورين بحجر واحد. وان الفلسطيني هو الاحق والافضل في كتابة تاريخه ومعرفته

كم كانت مصادفة او مفارقة وقوع اولاد الغيتو بين يدي؟ الكاتب الحق هو ذلك الذي يتعامل مع نصه بحب صادق وحقيقي ويجسده بمشاعر صادقة بغض النظر عن مكانه. وبغض النظر عن حقيقة ما يكتب. أجد نفسي بين صفحات كتاب لكاتب يقدم عملا أسطوريا في الأدب العربي الحديث ، بين مقدمة أخاذة ، وحبكة حرفية تفتح امام القاريء المشاهد وتدلي عنه الستار من مشهد الى اخر .تذكرني بمشاهدة “شبح الاوبرا ” على مسرح برودوي بنيو يورك. قصة تجمع كل ما يتخيله القاريء من حرفية الكتابة لحبكة أقوى ما فيها تذويتها بين كاتب وراوي وقاريء…..

وسيكون لهذه القراءة المزيد.


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s