اسمي آدم ..لحظة..بل.. وضاح اليمن….

إلياس خوري وأولاد الغيتو

لا أستطيع القول أن الكتب التي أحببتها لدرجة التذويت اللا منتهي كثيرة . تلك الكتب التي أعيد قراءتها بلا ملل او كلل ، وارتشف كلماتها كمن يشرب الماء بيوم حار. أرتوي ولا يزول عطشي. كتب لا أستطيع أن انهيها ، وأستمر في قراءتها كأنها أبدية . في أبديتها شعور يشبه شعور معزوفة تسمعها في كل مرة لأول مرة . وليس من الصعب عد هذه الكتب ، فقصتي مع الكتب هذه وكتابها كقصص العشق الحقيقية..الا ان ما يميزها عن العشق بأنه لا نهاية لوهجها . بها هوسي الدفين . نيتشه وهكذا تكلمت زيرادثت. النفري والمواقف . جبران والنبي. ماركيز وعشت لأروي.

منذ أسابيع وأنا احتضن رواية إسمي آدم-اولاد الغيتو للأديب إلياس خوري. في هكذا رواية كنت سأنهيها في يومين ، مثل مئة عام من العزلة ، الحب في زمن الكوليرا، قواعد العشق الاربعون …. تستحضرني كتب بعينها بهذه اللحظة ربما لما يجمعها من ربطها بتداخل الزمن ومزجه حيث لا تعرف متى يبدأ الزمن الحقيقي ومتى تتوه في برزخ زمن الكاتب وزمن ابطال الرواية. لم أذكر قواعد العشق الاربعون كذلك سدى ، ليس لعبقرية حبكتها ، الا انها بلا شك كانت من تلك الروايات التي تشوقت لانهائها . ما ميز قواعد العشق هي محاولة حمل القاريء لزمن الرومي. الكتاب ليس من ضمن الكتب المفضلة لدي ، الا ان به من الاهمية والتشويق الذي لا استطيع تغييبه. خصوصا ان هكذا كتاب جعل الناس تقرأ.

أشعر وكأني وجدت ضالة في كتاب بحثت عنه منذ زمن في قراءتي لهذه الرواية-اسمي ادم. يعجبني حتى انني قررت استخدام هذا الشق من الاسم لاستخدامي . واشعر بهذه اللحظات اختراقي لعالم ذلك الكاتب لتلك الرواية . ـلك الراوي بطل القصة ، ام الكاتب لا يهم كثيرا . كما لا يهم كذلك ان يكون هدفي او توقعي من قراءة الكتاب هذا المسألة الفلسطينية ، فأجد نفسي متلذذة بوضاح اليمن وقصة عشقه الاستثنائية وصندوق شعره وموته.

آقف أمام كتاب ، جعلني أريد أن أكتب مقالا عن مقدمته. فلا أستطيع كبح جماح قلمي وأكتب . فأتركه لأيام ، لأني شعرت بمدى سيطرته علي ، واعود إليه لعلي أكون نسيت ما قرأت فتخف عني تلك الطاقة التي سلبتني إليه . فأجد نفسي مذهولة كمن تم امتصاصها في زوبعة سحبتها إلى زمن سحيق بعيد. الصندوق والموت فيه . غسان كنفاني ونهاية روايته بالفلسطينيين الذين لم يحاولوا الخروج أو الصياح أو طلب المساعدة بينما غرقوا في داخل الصندوق المائي . ووضاح اليمن الشاعر العاشق الذي لقب (ربما) بشاعر الصندوق الذي احتضن موته فيه وترك من خلاله أسطورية عشقه.

ما علاقة هذا بذاك . كيف تم إقحام وضاح اليمن الشاعر البعيد لزمن الخلافة الأموية في رواية اسمها اولاد الغيتو .. وتتحدث عن القضية الفلسطينية … من المفروض أن أفهم ذلك من العنوان كقارئة. ومع هذا من مقدمة مشادية الطابع بين المؤلف والراوي ، وبين محاولة لتوصيف للواقع الفلسطيني عابر ، وبين ربط القضية الفلسطينية بتذويت قومي للكاتب ، فيحق له ما يحق للفلسطيني عند الوصول إلى قلب فلسطين ولو لم يطأ أرضها ولم تلده أمه فيها . إلا أن الوجدان نحو القضية واحد .

تذوب في الصياغة وبلاغتها ووضوح ثقافة الكاتب وخبرته الحياتية والمعرفية في كل سطر بلا مبالغة. هذا الكتاب هو أحد الكتب التي مرت بين اناملي وتستبطئني القراءة من كثر تدويني لأقوال بها مأثورة . عمل احترافي بجدارة ،يندرج بلا هوادة وبسلاسة عبقرية مع عمالقة الأدب الحديث (بالنسبة لي على الاقل) . ان يحملك الكاتب الى زمنين او اكثر هي حبكات معهودة . الا ان هفواتها في معظمها تقتل روح القصة ، لأن هكذا تداخل وتباعد في نفس الوقت بالازمنة يتطلب حرفية شديدة . هنا كذلك مسألة انفصال القصص عن بعضها في حبكة واحدة . مما يتطلب حنكة مع الحبكة اكبر . برأيي المتواضع ان ميلان كونديرا ابدع في هذا . ولا اكاد اسمح لاخر ان يتنافس معه . وكل من يحاول يقع في سحق ضياع الحبكة ولا يكاد يعرف كيف يخرج منها ، فتتحول الكتابة الى تقنية واضحة الاسلوب تنفر القارىء . كما حدث مع (مصائر- ربعي المدهون) .

هذه الرواية مزيج متفرد يجمع التاريخ بالحاضر بسلاسة متدفقة ،وكأنك تسير في مسار ماء ينتهي الى شلال ، تقف امامه ،تتأمل روعة المنظر بين طبيعة خلابة وبين ينبوع انتهى الى شلال . تنتهي من تأملك وتبحث عن مسار ينزلك الى ما انتهى اليه الشلال . فترمي نفسك وسط عذوبة الماء من جديد وتنتشي بنقائها وتدفقها المتسارع اللا منتهي.

تنتهي من وضاح اليمن وقصته مع روضتيه ، بين تساؤل وتأمل عن ماهية العشق وذروته ، وعن انتهائه في موت لا محال ،بداخل صندوق ، كان مآل الشاعر في حياته وفي موته .تراجيديا كاملة قد تكون في ذلك الصندوق ، وقد تكون فيه خلاصا وتسليما …او لربما تذويتا لا يفرقه الموت عن صاحبه.

تكاد تنسى ان الرواية التي تقرأها مرة اخرى هي اولاد الغيتو ، هو ادم ذلك الراوي . وهنا عبقرية تأخذ القاريء وكأنه يصبح جزءا من قلم الكاتب. يتحكم بقارئه كما يشاء .يقره في زمن ويحمله الى زمن بخشوع مطلق . مأخوذ بين رحلات قرر الكاتب في تلك اللحظة ان يرمينا اليها ، وهناك في فضاء المساحات التي نستشعرها بين انغمار مطلق في ذلك المكان وتلك القصة بين العاشق والمعشوق . بين اهمية الادب الجاهلي وشعره . بين السلطة والشعر . يأخذك بنفس السلاسة وبحذر العارف ليبقي في خلفية المشهد صندوق اخر ينتظرنا رسمه غسان كنفاني في زمن لا نزال نعيشه انتهى هو منه ،ليرمينا بعد لحظات الى عالمه في رجال في الشمس.

ولكن …ليس بهذه البساطة… سيعود الينا آدم….


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s