حوار مع الياس خوري—
رحلة آدم

منذ الوهلة الأولى لتصفحي رواية أولاد الغيتو لم يفارقني التساؤل عن حقيقة شخصية بطل الرواية “آدم”. أهو فعلا هذا الرجل الذي يقوم الروائي الياس خوري بنشر مذكراته؟ أم هو شخصية من وحي الروائي.
وحي…. كلمة سأحاول تجنب استخدامها مستقبلا في هذا السياق…لأنه خلال الحوار اكتشفت أن الكتابة في فكر الياس خوري تخرج من مضمار الوحي وتسطر نفسها بتجسيد واقعي يتفوق على الخيال بمراحل.
لم أكد أصدق حظي عندما وافق الروائي اللبناني الكبير الياس خوري إجراء حوار معي عبر السكايب للحديث عن روايته الجديدة: أولاد الغيتو: اسمي آدم. بين يدي بلا مبالغة رواية ستكون خالدة بالتاريخ الأدبي العربي، بين حبكة وسرد، بين انسياب ما بين اللغة والعبارات ألمستخدمة، وبين كم الأفكار والعبر التي لا تكف عن التدفق. وهناك ذلك التاريخ ألمأسور للقضية الفلسطينية يخرج من بين السطور بروايات داخل الروايات ليصنع أبطالا من كل شخصية حملت على كتفيها حلم الحياة رغم الموت المخيم ورائحة الجثث وطوابير الموت والتجويع والقهر، ترافق القارئ بين السطور ولا يمكن ألا يستشعرها مع كل ملامسة لصفحات الرواية.
فكرت بالأسئلة التي أحتاج لوضعها من أجل بناء الحوار. لا أنكر شعوري بالهيبة، فكنت مع نفسي أستعد للخوض في غيابات صانع هذه الرائعة. شعور حملني على افئدة الحلم بين ملامسة أبطال القصة وتساؤلاتي الكثيرة وحقيقة أنني فعلا التقي بتلك اللحظات مع الكاتب الكبير.
الكثير من الاسئلة كانت تراودني، لمن يكتب الياس خوري؟ لماذا يكتب عن فلسطين وهو لبناني؟ كيف يصنع أبطال رواياته؟ كيف يرى الوضع الراهن بالوطن العربي؟ ما رأيه بالقيادات ألمختلفة من سوريا إلى فلسطين؟
من هو آدم؟ رميت سؤالي مختبئة وراء خوفي من الجواب. خفت أن ينظر إلى بسخرية ما. وكأنه قال لي ما هذا السؤال يا هذي. كنت أريد أن أعرف إن كان آدم حقيقة أم وهما، واذ به يرمي بي بدواخل عالم آدم لأصاب للحظات بالخيبة مسلمة ان آدم حقيقة، ثم يقذفني من هولي بمكان ليذكرني وكأنه يقول: ” كفي عن السجال العقيم وامشي مع آدم.”
واذ به يستطرد رادا على سؤالي:
آدم لا يحتاج إلى تعريف. آدم دنون إنسان ولد باللد لديه التباس حول هويته. عرف انه ليس ابن حسن دنون ولا نعرف من هم والديه الحقيقيين. تبنته منال الارملة الصبية. عاش طفولته الأولى باللد، ثم عاش مع امه بحيفا مع زوجها لغاية جيل ال١٥ ثم عاش لوحده. هو إنسان عادي جدا. مثل كل الناس، لكنه ارتطم بواقع صعب. اكتشف أنه يعيش بدولة اسرائيل وانه ليس يهودي، فلعب على هويته. ادعى انه من الغيتو، بالإشارة إلى غيتو وارسو، ولكنه اعاد اكتشاف ذاته بنيويورك عند التقائه بمأمون الرجل الأعمى الذي التقطه من تحت شجرة الزيتون بقافلة الموت باللد بالطريق إلى منطقة رام الله. ظهور مأمون أثار لديه أسئلة كبرى دفعته لأن يكتب قصة حياته. كان يعمل صحفيا وكان محبا للأدب ومتخصصا بالموسيقى الشرقية وبشكل أساسي بأم كلثوم. كان عنده هوس بالتقرب من الروايات التي يقرأها. كان حلمه أن يكتب رواية على غرار رواية غسان كنفاني تحمل دلالات ورموز. عندما هاجر الى نيو يورك نتيجة لصدمه عاطفية مع رفيقته الاسرائيلية، قرر كتابة رواية عن وضاح اليمن أحد شعراء الفترة الأموية. والذي تميز بقصته. عندما اكتشف التزوير الذي يخلقه الفن والاستعارة قرر التخلي عن كتابة الرواية وكتابة قصة حياته بشكل واضح وبسيط. وكانت رهبته أن تتحول قصته إلى قصة رمزية أو نموذجيه، لأنه كان يرى أن كل إنسان له قصته الخاصة ألمتفردة. في نهاية الأمر فلقد كتب لنا آدم الجزء الأول من يومياته التي وصلتني بالصدفة (كما تقول الرواية) من خلال إحدى تلميذاتي بجامعة نيويورك والتي كانت صديقة له. بهذه المذكرات كتب قصة الغيتو باللد. هذه القصة عاشها من خلال ذاكرة الآخرين وليس من خلال ذاكرته الخاصة، فجمعها من خلال أشخاص عاشوا التجربة مثل امه، مأمون، آخرون. الشخصية الأخيرة التي تظهر بالرواية هي شخصية مراد، أحد الشباب الذي قامت اسرائيل بتشغيله بالسخرة على لم الجثث ونهب البيوت الخ… لان آدم كان بوعي انه يعيش بمفارقات كثيرة. هذه ألمفارقات كلنا نعيشها ولكن نعتقد انها طبيعية، الا ان آدم كان ظرفه استثنائيا لأنه عاش النكبة واثارها واستمراريته، مما جعله يشعر بالمفارقات الحياتية. من أجل هذا حاول التعبير عن هذه ألمفارقات بأسلوب هو مزيج من التحليل الادبي الغريب. لم يكن متيقن إن كان هذا العمل هو رواية أو يستحق النشر لذا كان يكتب لنفسه. إلا أن الصدفة شاءت ان تقع الرواية بيد كاتب يعجب بها ويقرر نشرها.
آدم بنهاية الأمر فلسطيني، ولكن من ألممكن ان يكون من اي جنسية آخري. ممكن ان يكون سوري أو تركي أو بولوني أو يهودي أو فيتنامي. الفرق انه عاش بمفصل تاريخي جعله يعي ان الحياة هي مجموعة من ألمفارقات بالأغلب لا معنى لها، الا ان ما يعطيها ألمعنى هو تأملها.
هذا آدم بالنسبة لي. بالنسبة لك قد يكون شخصا آخر. في الكتابة هناك الكثير من العناصر في اللا وعي، ومن أجمل ما في الكتابة وسحرها أنها تأخذك ككاتب إلى أماكن أنت لا تريد طرحها بالضرورة. لو سألتيني من هو آدم قبل شهر لربما كنت سأجيب بشكل آخر. إذا سألتك أنت بالتأكيد ستجيبين بشكل آخر. وهؤلاء كلهم آدم. هناك الإنسان وهناك حياة الإنسان. في حياتنا العادية عندما يموت شخص ما نبدأ بالتكلم عنه بقصص، ونكتشف بانه يملك وجوها متعددة. الإنسان بالنهاية هو مرآة للآخرين والآخرين هم مرآته كذلك. فآدم هذا قد يعتبر مرآة. إذا ما افترضنا أنه شخصية أدبية، فهو يجب أن يقنعنا. أنا بهذه اللحظة أرى آدم مرآة لي ولك …إلى آخره. ”

في ظل هذا الاستماع ألمستفيض لم أتوقف عن التساؤل كالبلهاء. آدم حقيقي أم اختراع الياس خوري؟ سألت.
يجب أن ننسى المؤلف. إما أن يصبح الشخص الذي نقرأه حقيقي، أو شخصية أدبية تستحق أن تناقش. أو لا يمكن أن يكون حقيقي فلا يستحق النقاش.
أنا كل ما فعلته بهذه الرواية هو كتابة ألمقدمة وكتابة علاقتي بآدم والتوتر الناتج عن علاقتي بآدم لكونه بالأصل شخص لا يحب أدبي. هو كان منتقدا لروايتي باب الشمس، وهو على دراية أكبر بأبطال روايتي مني، وانه يعرفهم معرفة شخصية. إلا أننا نعرف كذلك عن آدم، بأن هذه طريقته بالقراءة، فهو يصاحب ويقترب من أبطال الروايات التي يقرأها. التماس بيني وبينه، يظهر في اختلاف رؤيتنا للأدب. أنا بالنسبة لي هو شخص آخر. بالتأكيد أنا اثرت عليه، ولكن الغريب انه هو الذي أثر علي. بعد ما انتهيت من كتابة هذه الرواية، حصل معي ما يمكن أن يحصل لدى قراءة رواية كبرى. شخصيات الرواية تؤثر علينا. هذا الإنسان أثر علي. وهذا لا يعني ان آدم انعكاس لي أو أنا انعكاس له، ولكن يعني انه قد أثر بي.
أنا وآدم ممكن أن نكون مرايا لبعض. هو إنسان عاش تجربة لم أعش أنا أي شيء مثلها، لو لم يخبرني هو لم أكن لأعرف. كيف لي أن أعرف ما باللد؟ أنا لم اطأ اللد بحياتي ولا أظن أنني سأزورها، لأنني قد اخذت قرار بأني لن أدخل فلسطين إلا بعد التحرير. لا أعرف المنطقة، لا أعرف أي من المدن. أنا كتبت النص كما أخبرني هو. هو من عاش باللد، بالغيتو، بحيفا. هو من تعذب. أمه هي التي عطشت، هي التي لم يكن لديها حليب لترضعه. أنا عشت بعائله برجوازية صغيرة، بيروتية، ذهبت إلى مدرسة عادية، أهلي علموني تعليم جيد والحمد لله.
أنا متفاجئ بآدم ومبهور به.
ـ فكرة الغيتو … وإمكانية رؤية الغيتو بمقاربة بين الغيتو النازي والغيتو الإسرائيلي… فكرة تحويل المأساة لمأساة واحدة بغض النظر عن مصدر المأساة. آدم كان شخصية عالمية من جهة وشخصية ذاتية من جهة أخرى. ما الذي يفكر به الياس خوري بموضوع “الأنسنة” التي قد تشكل نقدا في ظل الوضع الراهن بالقضية الفلسطينية وفكرة التطبيع؟ كم من الممكن أن تكبر المآسي لنضعها بمقاربة مع المآسي الأخرى. فكرة الظلم الواقع على الإنسان. توحده بالظلم. برأيي أن أولاد الغيتو هي رواية خالدة لأنها تحمل بين طياتها توحيد لفكرة الظلم بهوية واحدة غض النظر عن أنه آدم فلسطيني .
أنت تكتب دائما عن فلسطين ..لماذا؟

أحببت أن أحكي حكايته مش لأنها فلسطين. هذه النقطة بحاجة لتوضيح دائم. طبعا فلسطين بالنسبة لي هي تعبير عن أكبر ظلم ممكن يحصل، ليس بسبب العدد. هناك القول الدائم بأنه لا يجوز المقارنة بين الهولوكوست والنكبة. وهذا صحيح الهولوكوست راح ضحيتها ٨ ملايين يهودي. أفران وغاز. زرت الأوشفتز ورأيت الأفران. أكيد لا يوجد مقارنة. والآن بهذه الأيام يقال: ما الذي تقارنه؟ المأساة السورية أكبر. أكيد أكبر. في سوريا يوجد عشر ملايين لاجئ. الذين خرجوا من فلسطين كانوا سبع مئة أو سبع مئة وخمسون ألف. عدد الفلسطينيين الذين قتلوا بالنكبة وما تلا النكبة أقل بكثير ممن قتلوا بأسبوع من القتل الذي جرى بسوريا. القصة ليست مقارنه. القصة هي أن الظلم الفلسطيني كبير ومؤثر لأنه مغطى، لأنه محجوب. لأنه تم حجبه مع الكارثة التي حصلت لليهود وكيف تم التعامل معها من قبل الغرب. الغرب مخادع. بدل من أن تكفر أوروبا والتي حدثت فيها ألمحرقة النازية عن جرائمها، قامت بغسل يديها بدمنا. من هنا قضية فلسطين هي بالنسبة لي قضية كبرى بهذا المعنى. المظلوم، المقموع، القتيل ممنوع من أن يصرخ بالألم.
أنا لا أتكلم عن فلسطين. آدم ليس فلسطيني فقط. من المؤكد أن آدم ينطلق من تجربته كإنسان عاش بغيتو اللد. بينما كنت أعمل على هذه الرواية اكتشفت اكتشاف مذهل، كل المدن الفلسطينية كانت غيتوات، وكان اسمها الغيتو، الرملة، يافا، اللد، حيفا، كل المدن الفلسطينية الكبرى ما تبقى من سكانها وضعوا بأماكن مسيجة وأطلقوا عليها اسم الغيتو. الجنود الإسرائيليون هم من أطلقوا عليها هذا الاسم. الفلسطينيون لم يكونوا على علم بما هو الغيتو. بهذا المعني نحن نتكلم عن قصة إنسان عاش بهذا الانفجار الكبير الذي سمي بالنكبة وما تلاها. بالنسبة لي أنا اكتب قصة الإنسان. قصة وحشية التاريخ البشري. ووحشية الإنسان تجاه الإنسان.
أنا برأيي أن كل المآسي توضع بنفس المستوى. الهولوكوست نجح بإبادة يهود أوروبا. ما قام به هتلر وكل من شارك بالإبادة من ألمان وفرنسيين وبولونيين وغيرهم. ما أقوله هو أن ألمقاربة لا تكون بالأرقام. برأيي أن كل المآسي البشرية توضع إلى جانب بعضها. ولكن ما جرى بالهولوكوست. إذا ما كان هناك خصيصة للهولوكوست فهي محاولة لإبادة شعب كامل. أما خصيصة النكبة هي أنها جريمة مغطاة. هذا ما يميز النكبة عن جرائم أخرى. الجرائم الأخرى غير مغطاة. كشف الغطاء عن جريمة النكبة أخذ منا نصف قرن، من الجميع، من المؤرخين والمثقفين والمناضلين عربا وغيرهم. الموضوع ليس أي المآسي أفظع. أن يكون الهولوكوست أفظع هذا لا يغير شيء.
-ـما هو موضوع النكبة ألمستمرة؟
رأيي أن هناك افتراض نشأ بالثقافة الفلسطينية والعربية. نشر أساسا انطلاقا من كتاب متميز للمؤرخ السوري قسطنطين زريق نشرة خلال سنة ١٩٤٩ اسمه “معنى النكبة”. الافتراض الذي انطلق منه قسطنطين زريق أن النكبة بدأت عام ١٩٤٨ وبالتالي وظيفتنا الرد عليها. هذا هو الفكر القومي العربي. وبالتالي الفكر الفلسطيني جزء منه. برأيي أن الخطأ الشائع هنا أن النكبة لم تحصل عام ١٩٤٨. النكبة مسار. مسار مستمر. النكبة تحصل الآن. لذا علاقة النكبة بذاكرة النكبة معقدة جدا. لأنك لا تتذكر حدثا من الماضي. اذكر مثلا ب١٩٩٨ عملت بمسرح بيروت ذكرى ال ٥٠ للنكبة وعملنا لمدة ٣ أشهر. بدأنا الذكرى الخمسين بمسيرة للنكبة بتاريخ ٩ نيسان بمسيرة بالشموع نحو مقبرة صبرا وشاتيلا. لنقل انه هذه ايضا هي نفس الجريمة، إذا أردنا الحديث عن دير ياسين، هناك صبرا وشاتيلا. وإذا أردنا الحديث عن صبرا وشاتيلا هناك جنين. وإذا تكلمنا عن جنين هناك اليرموك. وإذا تكلمنا عن اليرموك هناك نهر البارد. وإذا تكلمنا عن نهر البارد هناك قرية دوما التي احترقت بها عائلة الدوابشة. وإذا تكلمنا عن دوما سنتكلم عن القدس. فهي نكبة مستمرة. من اجل هذا، أنا اقول بان ألموضوع ليس موضوع ذاكرة. هناك خطأ شائع.
هل ترى ارتباطا بين باب الشمس وأولاد الغيتو
كلتاهما مختلفتين اختلافا شاسعا وجذريا. والفرق بينهما كذلك ١٨ سنة. أخذني الكثير من الوقت لأستطيع أن اكتب. عندما انتهيت من باب الشمس كان رأيي أن أبعث خليل ايوب مكان مشيه وذهابه إلى الضفة. كنت أريد أن أرسله إلى الضفة وأكتب من هناك. ولكني لم أستطع، كان هناك داعي لوجود زمن كامل لإعادة ولادة نمو الرواية من جديد. بالروايتين أنا لا أتكلم عن الماضي. أنا أتكلم عن الحاضر. آدم يتكلم عن اليوم. هو لا يكتب رواية تاريخية. أنا اكتب رواية اليوم. لان الحاضر، اليوم هو استمرار للنكبة، فالنكبة تحضر.

بالحديث عن الرواية التاريخية، هل تسقط التاريخية من رواياتك على الرغم من أنها تساعد بحفظ التاريخ الفلسطيني واعادة النظر فيه، خصوصا بإحياء فكر النكبة؟
أنا لا أحب الرواية التاريخية. لأنه إذا ما كان هناك رواية تاريخية، فإن التاريخ يصبح فيها استعارة (ميتافور) بلا معنى. فلا معنى هناك بأن هاملت كان أمير الدنمارك. لا أحد يقرأ هاملت لهذا السبب. عندما ذهبت إلى الدنمارك، إلى قلعة هاملت، وجدت ما أضحكني. لا دخل للدنمارك بأي شيء بتلك القصة. الدنمارك ومن فيها لم يكونوا إلا مجرد استعارة. أنا لا أحب الروايات بهذا المضمار، أنا لا اكتب تاريخ. للتاريخ ورواياته شخوص مهمة وأنا اتعلم منهم، من ايلان بابيه لوليد الخالدي ورشيد الخالدي. أنا لا أكتب فلسفة ولا أكتب فكر مجرد. أنا تلميذ صغير بمدرسة ادوارد سعيد. أنا اكتب رواية الحاضر. الآن تحضر النكبة. نحن لا نتذكر هنا. مرة أخرى هناك خطأ شائع بالمقارنات التي يقوم بها الدارسون والأكاديميون بأدب الهولوكوست وأدب النكبة. لا يوجد مقارنة.
أدب الهولوكوست حصل. الأدب ذاكرة فقط. أدب النكبة ليس أدب ذاكرة. أدب النكبة هو أدب الحاضر.
من ألممكن أن نقع بمصيدة الكتابة عن الماضي. بما أنا نتكلم عن النكبة فإننا نتكلم عن الماضي. هذا ليس صحيحا. لأن النكبة ليست ماضي. ليس لأننا نحب أن تبقى النكبة. يا ليت النكبة كانت ماضي. لأن الماضي مهما كانت جراحه عميقة فهي غير موجعة. ذاكرة الألم هي ليست ألم. ذاكرة الألم لا تشبه الألم. نحن لا نعيش بذاكرة الألم. نحن نعيش بالألم. هذا ما يجعل كتابتنا عن النكبة كتابة عن الآن. عن الحاضر. وأنا شخصيا كنت على وعي من اللحظة الأولى بأنني لا أريد أن أقع في مطب التاريخ. مع أنه علي الاعتراف أنني من أجل الخروج بباب الشمس وأولاد الغيتو عملت الكثير من البحث. البحث الذي قمت به، لوكنت مؤرخا لخرجت بأفضل كتاب للتاريخ الشفهي بالعالم. ولكني لم أشتغل به كتاريخ شفهي. لم أسجل كلمة واحدة. لقد قمت بمقابلة مئات الاشخاص، لم أستخدم مسجلا أبدا ولم اكتب أبدا ملاحظة على ورقة. لأنني لست مؤرخا. بالنسبة لي العودة لهذا الماضي هي انطلاقا من الحاضر. من الألم وليس من ذاكرة الألم. وهذا ما لا يفهمه الإسرائيليين ولا الآخرين. الآخرون الذين لم يعيشوا الألم. لا أحد يفهم الألم الا الذي يعيشه. عندما أتذكر الألم على سبيل المثال، أراه مهضوما. ذاكرة حلوة على الرغم من انها ضايقتني بحينها، إلا أنني عندما أتذكرها فهي لا تؤلم. أستطيع أن أتكلم عنها، أن أتفلسف. من أجل هذا, فإن رواية أولاد الغيتو ملفوفة بالصمت. إنه ألم. والألم لا لغة له. من الصعوبة بالكتابة أن نجد لغة الألم.
بما أنك تريدين الحديث عن الكاتب، سأحدثك …
فبهذا ألمعنى هذا الألم ينعكس على الكاتب. بالمعنى الحقيقي. ينعكس على الكاتب أكثر من قصص هو عاشها فعلا. لان القصص الذي عاشها الكاتب هي قصص ماضي، ذكريات، والذكريات يقوم الزمن بتلطيفها وبتغليفها برباطات واقمشة. هنا أنت لا تكتب ذكرياتك ولكن تكتب اللحظة التي يعيشها بهذه اللحظات آدم. من اجل هذا ينعكس هذا الألم عليك.

سألتيني لمن أكتب؟ أنا لا يهمني أي قارئ بعينه. عندما تكتب بهكذا مشروع. أنت تكتب ألمك. ومن غير المؤكد أن يصل ألمك. وغالبا لا يصل. هذا هو سحر الأدب. عندما نرى أحد متألم بالأغلب نشعر بالتعاطف معه، ينقبض قلبك. هنا نحن ندخل في عملية الشعور بالوجع. إذا استقبل الكتاب أم لم يستقبل. تمت ترجمته أم لم يترجم. ما يفرق معي هو نقل الألم. بالعمق، ما كان يفرق معي أن أستطيع كتابة هذا النص. النص الادبي هو الذي يستطيع ان يوصل الألم. الفن وحده هو الذي يستطيع ان ينقل الألم، يعبر عنه. سواء تم التماهي مع النص أو حبه لا يهم. عندما كتبت باب الشمس كنت أتوقع أن يغضب الفلسطينيين. كان فضيحة. كنت أنتظر البهدلة. قصص لأم ترمي ابنها، مصائب. تفاجأت كم احبه الفلسطينيين. كذلك بأولاد الغيتو. لا يهم ما سيتم قوله. ما يهم أن الكتاب خرج. سيخرج كلام رفضاوي بشأن اليهود. ولكن هذه آخر همومي. ألمهم أن يبقى لدي عصب وطاقة للاستمرار. أعمل حاليا على الجزء الثاني من الكتاب. انه يمتص روحي. آدم يقتلني. يمتص طاقتي. استهلكني…

عندما خرج الشباب الفلسطينيون وأعادوا نموذج القرية استلهاما بباب الشمس ماذا فكرت؟
الحقيقة أني تأثرت جدا. خصوصا لأني لا أعرف أيا منهم. لم يكونوا من أصدقائي أو معارفي. عندما تم إبلاغي ظننت أنها خدعة. وعندما كلموني من هناك شعرت بصدمة. كانت صدمة حقيقية هائلة. تكلمت معهم عبر السكايب عدة مرات وكتبت لهم رسالة. للحق كان لدي شعورين، الأول ان ما جرى لا سابقة له. ان تتحول رواية إلى حقيقة. وهذا بالنسبة لي ككاتب لن يعطيني أحد جائزة أو تكريم أكبر من هذا. هذا أعلى شيء ممكن احصل عليه ككاتب. الثاني، انني كإنسان ومناضل خفت كثيرا. بمعني آنني احسست ان التجربة بورطة. أو بخطر التلاعب فيها. هؤلاء الشباب كانوا محترمين. ولكن مشروعهم كان عن الضيعة فقط، وقام الاسرائيليون بتدميرها. خفت عليهم عندما كلموني في ليلة الاقتحام. وكرروا التجربة عدة مرات، العرس، وأولاد يونس… وبالنهاية انطفت طبعا. رأي هنا، ان لو كان هناك مسؤولية، وبالتحديد من الفصائل الفلسطينية التي صارت وظيفتها ان تخنق مبادرات الناس. مع الاسف الشديد، وأنا كنت في شبابي بحركة فتح. لم اعد ارى اين هي فتح. أنا أفتش عن فتح ولم أعد أجدها. أنتظر يوما يقول لي أحدهم أين هي فتح. حرام أن تؤول تجربة كتجربة فتح إلى هذا. كان بفتح شيء متفرد وعظيم. كان بها اصالة وتعددية حقيقية. كان تتيارات وكتل واراء ايديولوجية مختلفة فعلا متفقة على مقاومة الاحتلال وتحرير فلسطين. أنا اتساءل متى ممكن أن أرى فتح تلك، أو شيء مثل فتح لنستطيع أن نكون مثل قبل في هذا.

أنا كنت ارى نفسي فتح كفلسطينية. لم اعد اشعر بهذا. فتح اصبحت حزب وشروط وفصائل وسلطة وقبيلة….
هل تعرفي لما كنت تفكري بانك فتح وقت كنت صغيرة؟ لأنك كنت فتح. لان فتح كانت تسع الكل. لما تحولت فتح إلى سلطة وليس إلى قبيلة اختلت. أحد عناصر نقد فتح انها قبائل، بها الكثير من القبلية هذا صحيح ولكن كتل سياسية وايديولوجية. لما تحولت إلى سلطة وصراع على منافع السلطة ومكاسب السلطة لم يعد هناك فتح. المشكل ليس فينا. نحن لا نزال فتح، ولكن نحتاج ان نجد فتح، ان نفتش عليها. وأنا لا اقول هنا اننا يجب ان نرجع فتح. أنا برأيي ان تجربة فتح انتهت. ونحتاج إلى شيء آخر. نحتاج إلى شيء يحمل التعددية والتنوع وهاجس النضال الوطني الديمقراطي من اجل تحرير فلسطين. لا افهم كيف يكون هناك إنسان يقول أنا فتح ولا يقاتل اسرائيل؟ كيف ينسق مع جيش الاحتلال؟ كيف يسمي نفسه فتح إلى غاية الان. لا أعرف كيف يقول أحدهم أنا فتح ويتستر على الملايين التي تنهب من اموال الشهداء والايتام؟ كيف يقول لي أحدهم أنا مقاومة ولديه اقتصاد سوق متوحش كأننا في بلد رأسمالي عمره ألف سنه؟… ولكن هذا يدعو إلى الأسى… ولكن ان الله مع الصابرين ….

إلى أين سيأخذنا آدم ….
آدم بالجزء الثاني سيخرج من الغيتو ويذهب إلى حيفا. سيتعلم بمدارس يهودية لتفوقه الدراسي، فتى جميل وأشقر البشرة. سيذهب إلى بولونيا لزيارة الأوشفتز ضمن رحلة مدرسية. هناك سيتعرف على بنت بولونية يتبين انها من اللد. هي تتعرف عليه معتقدة انه إسرائيلي. ويتعرف على أهلها ويتبين أن والدها فلسطيني من اللد. من دير طريف. ثم يغرم بها …. فيما بعد يصبح صحفي ويكتب مقالات عن ام كلثوم. في هذا الجزء الكثير من ام كلثوم. لم أتخيل أبدا بأنني سأنبهر هكذا بأم كلثوم، بالمقامات وتحاليل الموسيقى. آدم سيصبح بوهيمي. يذهب إلى البارات. يعيش بتل ابيب. هناك سيغرم بدالية…
لا أعرف من الممكن ان يغير رأيه. لآدم اراء كثيره تأخذني كل يوم إلى مكان …
هناك حالة من التماهي ألمطلق بينك وبين هذه الشخصية. طريقة وصفك للاماكن، عيشك بهذه الشخصية.
أنا لا أستطيع ان اكتب عن شيء لا أعرفه. أنا لا يأتيني الوحي بالكتابة. لست من الكتاب الذين يجلسون على المقاهي ويأتيهم الالهام. أنا اعيش الاماكن ابحث عنهم. أزورهم …
وضاح اليمن وغسان كنفاني وقرع الخزان … هل تنتهي مع الرواية إلى مكان ما؟
فكرة الخزان هي فكرة لوم الضحية. عند اليهود كان هناك لوم مركز على ضحايا الهولوكوست. كيف انهم ذهبوا كالخراف ولم يقاتلوا. مثل ما قال غسان كنفاني لماذا لم يقرعوا جدار الخزان. نفس الشيء. الصمت أعلى درجات الكلام … والضحايا لا تلام. ان احقر ما يمكن ان يجري هو لوم الضحايا. لا يمكن ان تقدم لهم دروس. الخوف هو الخوف. الشيء الوحيد الذي أذهلني عند الكتابة هو لماذا لم يخرج الفلسطينيين بال ٤٨؟ لماذا بقوا؟

وانتهى الحوار إلى داخل الشخصيات، بين منال ومأمون. الحاج اليا وخلود. رقصة خلود للموت وللحياة. كيف كان هناك مشهدا حياتيا كاملا مختلطا متساجما بكل ما يجري بوتيرة الحياة. تمازج الموت والحياة بكل لحظة. التماهي المطلق للإنسانية ….
وكان الحوار قد أخذنا للخوض في الحال العربي والسياسة.. احتدم النقاش لبعض الوقت … الحال العربي المبكي والمؤلم ،لا يمكن نزعه من الحال الانساني العربي الخاص… الا ان رواية كآدم تنتهي منها ولا تزال تأخذك بين حقيقية الشخصية والعيش بين خيال الكاتب الذي يندمج تماما وبطل الحكاية ، لتصبج كآدم القاريء …تتماهي والشخصيات والكاتب. تحاورهم وتناقشهم … هكذا روايات ….كتبت لتحفر في كتب الادب العربي أرثا للناس والاماكن ولما يستطيع الاديب ان يقدمه في وقت لم يبق فيه للعرب الا ذكريات مآسي كانت وتستمر…


One thought on “حوار مع الياس خوري- رحلة آدم

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s