http://www.raialyoum.com/?p=510727

 

لم يتوقف الحديث مع الياس خوري عند آدم . فلا يمكن في ظل الوضع الراهن من انهيارات عربية أن تبقى فلسطين قضية ادم . او ان يبقى ادم هو التجسيد لما يمكن ان يفهم للقضية الفلسطينية. كنا في مرحلة لم تعد فلسطين هي قضية العرب ، وصرنا في مرحلة اصبح حال الدول العربية هو حال فلسطين . فلم يعد الاحتلال هو القضية ،بل الانقسامات والفصائل والاحزاب والمذاهب والملل هي ما يحرك كياننا العربي.

أخذنا الحوار على غرة ربما ، عندما بدأنا الحديث بالشأن العربي . أعترف بأن هناك ربما نرجسية ما بكوني فلسطينية ، فأنا كما الحال العربي الذي يعيش على امجاد الماضي السحيق، أعيش على ويلات الاحتلال ، وكأن المشاكل والحلول تنتهي به واليه ، بينما يحرق العالم العربي على ايدي ابنائه من انظمة وفصائل ومذاهب وشعوب.

استكملنا الحوار في نبرة ملأها الشجون ، وكأن لسان الحال يبكي ما كان وما صرنا اليه ….

ماذا تقول بموضوع الوحدة العربية الغائبة؟

نحن لسنا واحد. نحن مجتمع منقسم وفيه اتجاهات. مقولب. متعدد. فيه الاسلاميين والاصوليين والأصوليين القوميين والديمقراطيين. أنا اعتبر نفسي بالمعسكر الديمقراطي ولا أناضل فقط ضد اسرائيل، ولكني أناضل ضد اسرائيل وكذلك ضد كل الظواهر الفاشية الاستبدادية القمعية والرجعية بمجتمعي، وأنا لا أميز بين النضالين. مجتمعنا منقسم ويجب أن نتعامل معه كأنه مقسوم. أنا لا أؤمن بأننا مجتمع متوحد. أنا مع التوحد إذا ما كان هناك عقل سياسي فلسطيني حقيقي. نقوم بعمل جبهة وطنية لمقاومة الاحتلال ونتوحد. فيما عدا ذلك من اجل ماذا علينا التوحد؟

أنا احترم الخلاف . والذي يفصل بالخلاف ، هو النضال الفكري والثقافي والديمقراطي الذي يعبر عن نضال الأغلبية.

عندنا بالعالم العربي، كما بالفكر الإسرائيلي بمفهوم السلطة هناك فهم مقلوب لإدارة السلطة. الحكم لا يعني التسلط. من يحكم هو من يدير السلطة وليس من يحكم المجتمع. المجتمع باقي. تغيير السلطة لا يجب أن يعني دمار كما يجري ببلادنا. أنا ضد الاستبداد. الاستبداد لم ترك مكان للبدائل. أنا مع ترك المكان للبدائل. نحن مجتمع متنوع ومتعدد. نحن لسنا مجبرون ان نكون بنفس المكان. يفكرون اننا نخاف. لقد انتهى العمر، ورأينا الموت مرارا. محمود درويش أذكى رجل بالعالم لأنه قرر موته قبل ان يرى كل هذه المناظر. نحن نغار من الموتى. هل يريدوا ان يخيفونا؟

 

ـنحن اليوم بعد أكثر من مئة سنة على فكرة القومية العربية. اليوم الناس ذاهبة باتجاه منفصل تماما. القبلية هي ما تميز الكيان العربي المسلم اليوم. كنت ارى دوما ان هناك تفرقة، عنصرية وقبلية في مجتمعاتنا. اليوم نحن نذهب إلى تقلصات أكثر، نذهب إلى قبيلة صغيرة نختبئ وراءها. اين الافق الممكن اوصول اليه كمجتمعات عربية. مع الوعي ان الوحدة العربية غير موجودة الا اننا نحتاج لان نكون بوحدة تجمعنا خصوصا في أوج ما نشهده من سفك الدم العربي لنفسه.

 

هناك خلل، أو نقد للفكر القومي العربي كما تبلور بالقرن الماضي في محاولة التفتيش عن استعادة الماضي الذهبي العربي. من خلال فكرة “الانبعاث”ـ وذلك بأن يبعث الماضي من موته على افتراض ان العرب كانوا شيئا عظيما ـ إن الدارس للتاريخ العربي يعرف ان مرحلة فكرة الوحدة العربية لا تتجاوز المئة وعشرين سنة، من أصل ألف وخمس مئة سنه. لم يكن العرب ابدا دولة واحدة الا في فترات محدودة.

انبعاث الماضي هو فكرة عربية…. فكرة العودة إلى الماضي هي الكارثة الكبرى.

علينا كعرب ان نخرج من فكرة الرسالة الخالدة. فقد صادف اننا عرب ، وهذا لا يعطينا اي فخر أو اي مجد. ما يعطينا الفخر والمجد هو ما نقوم بعمله. فكرة الانبعاث هي جذور المشكلة. مثل فكرة حزب البعث، ولا يختلف الامر عن النصرة وداعش وغيرها.

في ظل هذه الازمة التي نعيشها اليوم، علينا ان نفتش عن معنى “الفكرة العربية” الجديد الذي لا يتعارض مع الفروقات الاقليمية والقطرية والمحلية. ان نبقى كما نحن: لبنانيون وسوريون وفلسطينيون ومصريون … نحن العرب ننتمي الى اعراق مختلفة. الفكرة العربية هي بايجاد نقاط تجمع نزداد بها بازدهار اقتصاد وقوه اجتماعية لا من اجل الانبعاث إلى الماضي وأن نصبح أعظم أمة بالتاريخ.

ان التفكك الذي يحدث اليوم، أو تفكك الدولة الوطنية بشكل عام هو ناتج عن عقود من الاستبداد. وفي عقود الاستبداد نحن لم نسعى (الثقافة العربية) إلى التأسيس الحقيقي إلى العقد الاجتماعي في الأوطان العربية.

هناك مثالا شخصيا أتكلم عنه دائما ، كنت أحب عبد الناصر كثيرا في صغري. عندما بدأت حرب حزيران ١٩٦٧ ، كان يوم الاثنين صباحا. لم ارجع الى البيت ايام الاثنين ، الثلاثاء والاربعاء لأني كنت بالمظاهرات أمام السفارة الأمريكية في بيروت. رجعت البيت الاربعاء مساء، لاكتشف ان المسألة انتهت. قالوا لي:” راحت. ..صاروا بنابلس… راحت سيناء… افتح الراديو.” عندها استقال عبد الناصر وكان ذلك يوم خميس. خرجت بعد اعلانه الاستقالة مظاهرات تطالبه بالعودة عنها.

لم اشارك بالمظاهرات لأن رأيي كان، ان على عبد الناصر ان يستقيل. كان يجب ان يدفع ثمن الهزيمة.هذا لا يعني بأنني لم أحبه . أنا كنت أحب عبد الناصر ولا أزال .

ولكن عندما عمت المظاهرات من المحيط إلى الخليج بمطالبته بالعدول عن الاستقالة، كان هذا دليلا باننا لا نريد ان نواجه واقعنا. فلقد تمت تغطية الاستبداد الناصري والاستبداد البعثي من قبل المثقفين واليسار. وأنا من اليسار.

امضت الثقافة العربية ستين سنة بلا عمل اي شيء. بينما تدفع شعوبنا الثمن. هذا الثمن الذي تدفعه الشعوب باهظ لا يحتمل. اعيش ببلد به أكثر من مليون لاجئ سوري. مأساة لا توصف، نحن ندفع ثمن هائل، ومن العيب علينا ان نستمر كما كنا.

صار عيب… إذا اراد الفرد بان يستمر بالحقل العام (والكلام هنا ينطبق علينا نحن الكتاب )…. عليه ان يكون نقديا وبناء.

إن لم يكن الفرد منا نقدي ومبدئي واخلاقي، نكون قد وقعنا بمرحلة العيب وليس الغلط..من العادي ان نخطيء ، فجل من لا يخطئ….. ولكننا وصلنا الى مرحلة العار.

برأيي اننا العرب اليوم، على الأقل بمجتمعات المشرق العربي، وخصوصا ببلاد الشام (لتصغير المسؤولية) يجب أن نعيد التفكير بشكل جذري. هناك( ورشة) يجب ان تبدأ على كل المستويات.هذه الورشة يجب أن تخلو من التابوهات ويجب أن يكون بها روح نقديه وروح التضحية والا لن نخرج من الأزمة….

أنا لا أحب الوعظ ولكنك أجبرتني!!!!

 

ـ مثلا لو نظرنا إلى الشأن الفلسطيني. نحن نلوم القيادة دائما. الا أنني أتساءل. هذه القيادات هي إفرازات الشعوب. هناك على ما يبدو خللا بنيويا. فبينما نطالب بالتغيير نحن نغير شخوص ولكننا لا نغير فكر. ما الذي علينا ان نقوم به لتغيير الفكر. لأول مرة أنتبه لمدى اهمية المفكرين (في عدم التأثير)في السنوات الخمسين الاخيرة، وكم كانت مساهماتهم بوجودنا بهذا الوضع المأساوي اليوم؟ هل من الممكن التعويل على المثقف العربي؟

التعويل يجب ان يكون على المجتمع أولا.

إن المثقف هو جزء من المجتمع. هناك ظلم للكثير من المثقفين : هناك من المثقفين من قتلوا، من تم نفيهم، من سجن. هؤلاء يستحقوا كل احترام وتقدير. أفكر بأناس مثل نصر حامد ابو زيد، هادي العلوي، أناس شكلوا نقاط مضيئة علمتنا ولا تزال تعلمنا. وهناك أناس مثل ادوارد سعيد، مهدي عامر. كثر بالحقيقة من لعبوا دور اساسي. لذا ليس من العدل التعميم.

الإشكالية هي في كيفية التعامل مع الازمة. إذا ما تكلمنا عن فلسطين. فالوضع الفلسطيني في أزمة كبرى. حصل في سنة ال ١٩٩٢ خيار خاطئ كان أوسلو. ووجدنا أنفسنا بآلية سلطة حاولت ،- من أجل الإنصاف ،- أن تخرج نفسها من هذا المأزق سنة ال ٢٠٠٠.ولكنها وضعتنا بمأزق أكبر، لأن الانتفاضة الثانية فشلت. وفشل الانتفاضة الثانية كان لأسباب عديده أهمها ؛ تقاطعها مع أحداث سبتمبر والقاعدة . هذا التقاطع ادى إلى تدميرنا. دمر ما كان يمكن ان تنتجه الانتفاضة الثانية.

نحن اليوم بأزمة لان هناك سلطة وبنية سلطوية قائمة على الرشوة والنهب من اموال الدول المانحة، وعلى فئة من المستفيدين من الاحتلال بشكل حقيقي. وأنا هنا لا اتكلم عن السلطة (في رام الله) فقط. أنا اتكلم هنا عن السلطتين، سلطة رام الله وسلطة حماس. وهذه الفئة تقوم بتدمير الموضوع الفلسطيني. الموضوع الفلسطيني يجب ان يعود ليد الناس.

كيف؟ في رواية باب الشمس كان هناك شخصية اسمها يونس. عند هزيمة ال ٦٧ دخل إلى المخيم وضرب رجله بالأرض وقال: ” من الأول … لازم نعرف كيف نبلش من الأول.” وهذا يتطلب ان نقوم بعمل تأسيسي جذري. ليس بالسهل، ولا يمكن التنبؤ به.

ولكن….. من الممكن ان يقوم مثقف بالقول: “انا بخدمة البحث عن حل”.

هذا ما يقوم به الناس والمناضلون، ونحن نكون بخدمتهم ومساعدتهم.

ان ازمة المجتمع الفلسطيني ليست ببعيدة عن ازمة مجتمعات المشرق العربي. نحن نمر بأزمة طاحنة. هذه الازمة تعلمنا ان نفكر بطرق مختلفة وتحتاج إلى الكثير من العمل.

أنت تجبريني على الكلام بالسياسة وهذا ليس تخصصي….

أنا لا أعرف التكلم عن السياسة. أنا بعرف اكتب قصص.

اتمنى أن أكون مساهما ببعض الشيء في هذه القصص.

نواياي أن أساهم بشيء…. أتمنى أن تكون قصصي هذه مطابقة للنوايا.

وإذا لم تكن … فلا حول ولا ….

 

 

ـ موضوع سوريا: بين موقفك من النظام وموقفك من داعش. الواضح أنك ضدهم جميعا. هل ترى ان وجود بشار حافظ على ما تبقى من سوريا في ظل الدمار الواقع. بغض النظر انه تعامل مع “الثورة ” بالبداية بطريقة خاطئة؟

لا أعرف كم حافظ الاسد على ما تبقى. …….

ولكن هناك منطقة ما بسؤالك فد تكون شرعية. وأنا مع ان نطرح هكذا نوع من الاسئلة. شرعية سؤالك هو بأين قوى المعارضة السورية؟ لماذا اختفت؟ لماذا انهارت بهذه السرعة؟ صارت العوبة بأيدي دول النفط التي دمرت نواة الجيش الحر وادخلت داعش والنصرة واحرار الشام وكل هذه الكتل. داعش احتلت الرقة من المعارضة. من الجيش الحر. داعش لم تحتل شيء من النظام. داعش دخلت على الناس.

الوضع السوري بالغ التعقيد، ولكن هذا لا يبرر للنظام الاستبداد. ممكن ان هذا يدين القوى الديمقراطية والعلمانية لأنها ضعيفة ولأنها وجدت نفسها بوعي أو بلا وعي يتم استخدامها من قبل الدول الاقليمية التي بالأصل تم تفريخ كل كتل الاستبداد والاصولية فيها، من السعودية إلى قطر إلى آخره. افهم هنا اننا علينا النقاش. ولكن هذا لا يعني ان نعطي للنظام السوري اي مبرر. ثم اسأل مرة أخرى، ما الذي يقوم به النظام السوري الان؟ من يقاتل معه اليوم هو الروس وإيران والميليشيات من أفغانستان وباكستان والعراق ولبنان. سوريا تحولت الى بلد محتل بالكامل.

لا أعرف ان كنت لا أستطيع ان أحافظ على موقف مبدئي بهذا الشأن. إذا سألتيني ما الذي سيحدث سياسيا، لم يعد هناك اي طرف سوري مقرر بشأن سوريا. لا بشار الأسد ولا المعارضة السورية. من يقرر مستقبل سوريا هم روسيا وامريكا، ولقد خرج الشعب السوري من المعادلة. الوضع السوري شبيه بالوضع اللبناني أبان الحرب ولكن على اسوأ، لان الدمار السوري شامل. لا اعتقد ان هناك دمارا من الممكن مقارنته بالدمار السوري. انظري الان إلى ما يجري بحلب. انظري إلى الدمار، كيف تدمرت حلب، ريف دمشق، حمص، دير الزور، درعا. الدمار….

 

ولكن يجب ان يكون هناك حلا. على الاقل من اجل مسك أو الحد من هذا الدمار

بالقوى المحلية لا يوجد أحد. بشار الاسد لم يعد يملك اي قوة. لولا الطيران الروسي وإيران التي تقاتل لن يكون موجودا.

ولكن ممكن استخدامهم لحين انتهاء هذه المأساة، التخلص من داعش؟

ان تتخلص من أصولية النصرة وتحضر اصولية إيران؟ ما الفرق؟ ان هؤلاء يقتلون المدنيين ويخطفوهم؟ لا يجب ان نختار بين اصوليتين. بين اتجاهين دينيين متطرفين. الحل ليس هنا.

ما هو الحل. ما الذي سنفعله؟

مع الاسف نقاشنا بلا معنى لأنه ليس بأيدينا. نحن نناقش بالسياسة الفعلية. نحن لسنا مراقبين. نحن نموت. عندما تناقش بالسياسة الفعلية وأنت لست طرفا فيها، فأنت بلا معنى. لو كان هناك طرفا سوريا أستطيع التماهي معه سأناقش. لا يوجد طرف. هل من الممكن التماهي مع بشار؟ مع النصرة؟ مع داعش؟ الجواب لا. لقد تم تدمير النقاش. هذا هو الاستبداد.

للاستبداد وجوه متعددة. لقد تم استبدال القومية العربية ووضعوا الاسلام. الجوهر واحد. حزب البعث، وهؤلاء الاصوليين التكفيريين. كلهم اعداء الشعب السوري واللبناني والفلسطيني وغيرهم. هنا يحتاج الشخص منا في هكذا وضع، نعرف انه لا يوجد حل ، ولكن علينا الا نتوهه.

سواء كان هذا النظام البعثي “الاستبدادي” أو الاصولي “الارهابي”… فانهم بالحالتين يستمدوا قوتهم من الشعوب. هناك أناس تؤمن بما يقوم به هؤلاء. أنا لست متأكدة ان كان الاستبداد هو سبب كسب هؤلاء لكل هذا الدعم الشعبي. اليوم أنا ارتعب لفكرة داعش التي ظننتها قبل سنتين نكتة سخيفة ستزول. اليوم داعش تتربع في بيوت الناس. الناس تؤمن بهم.

هل تعرفي ان هتلر تم انتخابه من قبل الشعب الألماني؟ من الممكن ان ينتخب الامريكان ترامب الفاشي كذلك …الفاشية لا تخرج من فراغ. الفاشية تخرج من ازمة بالمجتمع، ثقافية وسياسية واجتماعية واقتصادية. هذا ما ينتج الفاشية. ولكن مقاومتنا للفاشية لا تكون بأننا نصبح نحن كذلك فاشيون. علينا ان نقاومها بالتفكير بتقديم بديل ديمقراطي. عند وجود هكذا ازمات علينا ان نفكر بأسبابها من اجل النضال لتلافي الفاشية والاستبداد. لا الاختيار بين مستبد ومستبد لان الاختيار لن يقودنا إلى مكان.

نحن بأسوأ لحظة بتاريخنا ، بصرف النظر عن المأساة السورية. العرب انتهوا …خرجوا من التاريخ.

من أخرجهم من التاريخ؟ هكذا فكر سواء كان بعثي أو أصولي. من اجل هذا علينا ان نفكر ونحلل من اجل الوصول إلى مكان حقيقي. أنا لا يوجد لدي حل سياسي، ولا اريد وهذه ليست مهنتي. علينا ان نبدأ من الأول …. ليس استبدال هاوية بأخرى…

بكفي سياسة الله يخليكي….

خلينا نكفي ادب. ..

مع الاسف الوضع بسوريا مبكي … بينما كنت اقرأ قصة آدم لم يفارقني مشهد السوري الذي يرمي نفسه إلى البحر. هذا المشهد لم يفارقني مع الرواية. لذا اتكلم عنه بنفس الوجع.

 

أنا مثلك بالضبط وأكثر. سوريا جرح عميق بالقلب. الكارثة السورية هي أكبر كارثة عربية بهذا الزمن. بالمعنى العميق للألم والكوارث.

 

لا أريد أن أعود بك إلى السياسة، ولكن هل نحن بصدد العيش بفكرة ما جرى لليهود بأوروبا؟ فكرة الهولوكوست وإعادة تشكيل أوروبا وطرد اليهود منها أو مسحهم من أوروبا وإرسالهم إلى فلسطين وتغيير الطريق. أي ان تلك اللحظة كانت لحظة فاصلة للتاريخ. هل من الممكن أن ما يجري بسوريا اليوم هو عبارة عن إعادة تشكيل للمنطقة وكذلك للبشر؟ إن ما يجري من تهجير غير طبيعي وغير منطقي. مستحيل قياسها على انها طبيعية، ومن المستحيل رؤيتها كعشوائية. أعترف ان عدم العيش وسط الرعب لا يمكن ان يعرفنا ما هو الرعب. ما يحصل من دمار لا يمكن فهمه لمن لا يعيشه. الا أن هناك ما يدفع البشر هناك إلى رمي أنفسهم إلى البحر، وكأنني إذا نظرت إلى المستقبل بعد عشر سنوات سأكون امام حدث غير أو اعاد تشكيل التاريخ الإنساني. ان يصبح أناس جدد بهذه المنطقة. لا أستطيع فهم لمصلحة من تجري الامور بهذا الاتجاه. لم الشعب السوري. صحيح ان الرجوع قليلا للعراق نعرف ان هذا حصل كذلك بالعراق. الا ان ما جرى بالعراق كان ربما صامتا، قتل الملايين……

 

أربع مليون عراقي هجروا. ابيد بالعراق الصابئة، واليزيديين، والمسيحيين نزل عددهم لستين بالمئة. هناك جنون. لا أعرف ما يجري. لا أعرف إلى اين نحن متجهين. لكيلا ادعي انني مثقف وأعرف. أنا لا أعرف. كل ما أعرفه اننا نعيش بلحظة أصعب بالتأكيد من لحظة هولاكو. هل تعرفي أن هناك ٢٠٠ سنة بين هولاكو وجنكيز خان ؟ نحن هجم علينا الاثنان معا. شيء مرعب.

أنا لا أعرف ان كنت عقلاني التفكير. أنا تربية الفكر الماركسي الذي يدعي دائما العقلانية التاريخية؛ بأن هناك ما يقود إلى مكان. لم اعد متأكد من هذا الشيء. ممكن ان نكون بلحظة تفكك. هناك مجتمعات تنهار وتتفكك لأن هناك دول وسلطات لم تتحمل الضغط الواقع عليها، لأنها لم تكن مؤهلة ان تتحمل. من اجل هذا نحن بلحظة غامضة جدا.

في الحرب العالمية الثانية على سبيل المثال كان هناك ثلاث معسكرات، المعسكر النازي الفاشي، المعسكر الغربي الديمقراطي، وكان هناك المعسكر الشيوعي. كان المعسكر الغربي والشيوعي متقدم نحو التاريخ.

اليوم؛ نحن نتقاتل مع من ؟ القوى التي تقاتل، تقاتل من اجل ماذا؟ إذا ما نظرنا إلى روسيا اليوم، دولة عندها حنين إلى الاستعمار يحكمها مافيا رأسمالية متوحشة. ما الذي ممكن ان تقدمه لنا روسيا؟ ما هو النموذج؟ إذا ما كان النموذج الذي ستقدمه روسيا هو ما قامت به بالشيشان. فنحن نشهد اليوم بسوريا تكتيكات بوتين بالشيشان، دمرها كلها. الامريكان الذين من المفترض انهم منسحبون من المنطقة. ما النموذج الذي قدموه لنا، حرب العراق؟ ربوا القاعدة وداعش؟ هذه القوى التي تتقاتل على أراضينا ليس لديها مشاريع. ان أزمتنا اليوم أعمق بكثير. نحن نعيش بأزمة زمن ما بعد الرأسمالية الكلاسيكية. أزمة زمن الرأسمالية المتوحشة المتقدمة تكنولوجيا، والتي لم يبق لديها قيم. ونحن مجرد أرض تعبر عن هذه الازمة. على عكس ما جري بفيتنام على سبيل المثال. كان هناك ٣ ملايين قتيل. الا أن فيتنام كانت أرض صراع بين مشاريع استعمارية امريكية ومشروع تحرر وطني مدعوم من اليسار والاتحاد السوفييتي والصين الشعبية. كان هناك مشاريع واضحة. ولكن اليوم. نحن ماذا؟ إلى اين نحن ذاهبون كعالم. هناك ازمة طاحنة. اين فرنسا مثلا؟ أنا من جيل تربى على عصر الفلاسفة الفرنسيين من سارتر لفوكو لبوردو. من هناك اليوم في فرنسا؟ لا يوجد فلاسفة أو مفكرون لإرشادنا إلى اين نحن ذاهبون. نحتاج إلى فلاسفة ومفكرين ليخبرونا عما يحدث. الأدب لا يمكن إلا ان يؤشر لنا. بالزاك مثلا يخبرنا عن صراع الطبقات بفرنسا. وماركس قال انه استوحى وتعلم من بالزاك. إلا أن بالزاك ليس بكارل ماركس.

هذا العالم الجديد. العالم ما بعد الرأسمالي الكلاسيكي بحاجة إلى تحليل. نحن لا نعرف اي شيء. إلا أن الظاهرة التي نراها هي أننا بعالم متوحش. ضائعين، ليس فقط لأننا ضحايا، ولأن التحول يجري على أرضنا.

نحن ضائعون لأننا لا نعرف ولا نفهم ما الذي يجري وإلى اين يذهب العالم. ترى من الناس من يتبع روسيا، بقايا من كانوا بالحزب الشيوعي. تسألهم لماذا أنتم مع روسيا، بوتين اتى بنفس اللغة الاستعمارية للاقلية المسيحية. كيف يمكن ان يحموا المسيحية؟ كل مرة يأتوا هؤلاء تحت شعار حماية ألمسيحية يتم ابادة المسيحيون؟ منذ الحروب الصليبية. أول مذبحة حصلت لمسيحيي الشرق كانت من قبل الصليبيين. لأنهم وجدوا ان المسيحيين بالشرق لم يعبدوا الله بطريقتهم كانوا ارثودوكس واقباط وطبيعة واحدة. كل مره يأتي أحد لحماية ألمسيحيين يقوم بإبادتهم. اقصى ما قدموه اليوم للمسيحيين انهم هجروهم.

نحن نعيش بعالم لا يخجل … هذا لم يكن في السابق. التحول الحاصل فجأة. يصدمنا الان.

نحن بلحظة صعبة… نحتاج إلى الصبر والتحمل.

بكفي ….تعبتيني ….خلينا نكفي أدب.


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s