حين تنجح القراءة والكتابة بتحرير الذات
لقد قرأت وبتمعن رواية الكاتبة المقدسية نادية حرحش، “في ظلال الرجال”، والتي صدرت مؤخرا عن دار ابن رشد في القاهرة.
الرواية تسرد وتتأمل محطات هامة في حياة فتاة فلسطينية مقدسية منذ طفولتها التي فقدتها، مرورا بزواجها وطلاقها.
توظف بطلة الرواية القراءة والكتابة كفعلين تحررين وتحريرين. تصبح بطلة الرواية ممثلة لقضية مركزية هي قضية المرأة العربية؛ الفلسطينية؛ المسلمة بشكل عام والمرأة المطلقة وما تواجهه من معاناة بشكل خاص.
من خلال تسليط الضوء على جدلية الزواج_الطلاق أو مؤسسة الزواج تكشف الكاتبة عن الكثير من الاشكاليات والمعيقات في المجتمع والثقافة.
لا تكتفي الكاتبة؛ والتي كأنها تكتب من رحم التجربة ب”حليب اسود” كما تقول الكاتبة التركية اليف شافاق؛ بأسلوبها الانتروبولوجي التوثيقي؛ الذي يهتم بعرض الحقائق كما هي فقط، بل تسهب في عمليات التجريد والتأويل والتأمل والتحليل والحفر في الاعماق حتى تصل الى نصوص تأسيسية وعادات واعراف ومقولات واوهام ومسلكيات متجذرة.
تخصص الكاتبة حيز كبير من كتابها للشخصيات الذكورية التي ارتبطت بها من جد واب وزوج وابن واخ وصديق وقريب ومشغل وخصم وحليف الخ محاولة تفكيك علاقات القوة المجحفة؛ ومحاولات هندسة الوعي المعطوب والذين يحملان في داخلهما طاقة سلبية محبطة ومدمرة.
تأرخ الرواية لمرحلة زمنية معينة وتدور احداثها في مواقع وامكنة معروفة في سياق اجتماعي ثقافي معين.كما أنها تعالج اسئلة هوياتية ووجودية بجرأة ووضوح ودون مواربة او خوف.
تتمتع الكاتبة، وهذا كتابها الاول، بثقافة ومعرفة وتجربة واسعة وقدرة على الوصف وصياغة الافكار باسلوب رشيق. كما انها تتناص مع عدد من الكتاب والكاتبات المهمين في التراث الاسلامي والادب والفكر العربي الحديث.
يحتل “الجسد” الفلسطيني مكانه هامة في الرواية وتحاول الكاتبة تشريحه في سياقات اجتماعية وسياسية وثقافية متعددة بدقة.
تكتب الكاتبة قصتها مدفوعة بالرغبة بالمواجهة والتحدي وعدم الهروب؛ منتصرة ومنحازة لحقوق الانسان وحقوق المرأة متخذة من النزعة الانسانية منطلقا وبنية تحتية لكتابتها ومن الامل افقا للمستقبل من خلال التداخل واعمال الفكر والنقد في قضايا مجتمعية وتربوية هامة.
ممكن الاتفاق والاختلاف مع الكاتبة في العديد من الموضوعات ولكن لا يمكن تجاهل اسلوبها الراديكالي المستفز الذي يجبر على التفكير ومراجعة الذات.
اثناء قراءة النص يحتار القارئ : هل هي رواية؟ أم مقالة؟ أم مداخلة؟ ام تعقيبات ومقاطع؟ ام تقرير؟ ام خطاب؟ أم سيرة ومذكرات؟ ولكن نجحت الكاتبة في الدمج ما بين مجمل الاجناس والانواع الادبية.
لا شك ان الرواية تتطلب قراءة ومراجعة ونقد معمق ليس هذا هو الحيز الملائم. ولكن نبارك للكاتبة اصدارها الاول متمنين لها الاستمرار في مسيرة الكتابة.


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s