http://www.raialyoum.com/?p=527444

في ظلال الرجال

للكاتبة نادية حرحش

بقلم امل ابو زيدان

 

قرأت رواية في ظلال الرجال للكاتبة الصديقة نادية حرحش، ووجدتها رواية مميزة من الناحية الادبية ومن ناحية الفكرة. لن اتطرق للجوانب النقدية الادبية وادع ذلك للمختصين في ذلك، سوى انه استطيع القول انها تعتمد اللغة المباشرة والواضحة والمشتقة من الواقع بحذافيره، وهذا ما يجعلها رواية تعتمد الواقعية. اسلوبها في السرد شيق وممزوج بكل ما يضفي قوة وجمالية من التوصيف الشكلي والمضموني لكل حالة تطرقت اليها.

خلال القراءة تشد الكاتبة القارئ وكأنه يكون معها لا في السرد فحسب بل وبشكل فعلي في مجريات الامور .

من جهة المضمون، تطرقت الكاتبة الى موضوع العلاقات الزوجية خاصة والعلاقات الاجتماعية عامة، وما يتخللها ويرافقها من كل ما يمكن ان تضيفه الحياة بشكل عام في المجتمع الشرقي التقليدي، وما تضيفه الموروثات التي نشأنا عليه بصدد الرؤية للمرأة ومكانتها .

تتطرق الكاتبة الى رؤية المرأة لمكانتها بكل اشكالها، في ظل الرجل والذي يمثل مكانة الرجل بفوقيته المطلقة الممنوحة له وذلك فقط بفضل ولادته ذكر لا انثى ..ومن هنا تبدأ كل الاشكالية بتجلياتها القاسية.

الرواية هي رواية تسلط الرجل للمرأة بكل ما اوتي به من قوة ليترجمها باقسى صورها واشكالها…وهذا ينعكس في كل جوانب الحياة اليومية بدءا من التفاصيل الصغيرة وانتهاءا بكبائر الامور.

الكاتبه تتقن ببراعة وجمالية الاتيان بكل تفاصيل الحياة الصغيرة وتجعل منها كبيرة وفق ظرفية كل حدث. وكل تفصيل تجعله حكاية عاكسة لما هو اكبر وكيف لا والحياة في النهاية هي تراكم جامع للتفاصيل الصغيرة.

نجحت الكاتبة في التطرق الى موضوع جوهري في حياة المجتمع الشرقي التقليدي، الا وهو دونية مكانة المرأة وضحويتها في كل الحالات، وليس لذنب لها سوى انها ولدت انثى، ومع هذه الولادة – اي كأنثى- تبدأ كل مشاكلها في المجتمع. لا يكون بعد ذلك اي شيء عادي وطبيعي . تتحكم بها التقاليد الظالمة والفكر الرجولي التقليدي وكل ما هو موروث التقليد وبأقسى تجلياته.

في وصفها لمراحل الحياة قبل وخلال الزواج وما بعده من مرحلة الطلاق، يتجلى ان لا شيء يكون طبيعا او عاديا في حياة المرأة وذلك فقط بسبب انوثتها وهو ذنبها الوحيد، وفي المقابل الرجل يحظى بكل اشكال الحرية والقوة والحراك والتي يستعملها ضد المرأة بابشع صورها.

المرأة في الرواية لا تريد سوى الحياة الطبيعية والعادية، ولكن كي تحظى بذلك عليها ان تكون هي نفسها، ذات كيان مستقل له ارادة ورغبة ورؤية وحس وجودي وهنا يكون الصراع مع الرجل الذي يمنعها من كل ذلك ويسيطر عليها بظله قولا وفعلا. وهو يرى هذا الصراع كأنه وجود- يكون او لا يكون.

حين تريد تلك المرأة في الرواية البدء في التوقف عن النزيف الداخلي واستنزاف روحها، تدخل عملية بناء الوعي الذاتي بقواها الذاتية متحدية كل القوى الخارجية التي توجهها من قبل المجتمع والممثلة بالرؤية الرجولية- الذكورية. تبدأ بلملمة اشلاءها واعادة بناء نفسها من كل تفصيل صغير كانت محرومة منه. وتبدأ باعادة بناء كل انكسار سببه لها الرجل في الحياة فقط لكونها انثى،وهي لا تريد شيئا من الحياة سوى الطبيعي والعادي واحترام الذات، ذاتها. رحلة اعادة بناء ذاتها هي رحلة شيقة وتمر بها بعودة الى كل بدء..بدء التعرف على الذات..وبدء فهم صراع القوى المجتمعي التقليدي الظالم..وبدء ترميم روحها وجسدها واعادة صفة الانسانية الطبيعية البريئة لكيانها. يتخلل اعادة البناء هذه التطرق وسرد محطات تمر بها المرأة وتوصفها الكاتبة بطريقة تكون اشبه بالناطقة باسم ملايين المستضعفين ليس من النساء فحسب بل لكل المستضعفين وهنا تتجلى ز قوة الفكرة ، اي فكرة التحرر من كل ظل قامع وظالم ان كان متجليا برجل او بهيئة ما.

خلال القراءة وبكل مراحل الرواية، يلمس اي قارئ انه مر ببعض او كثير مما وصفته الكاتبة، من تجارب تتعلق بالمكان والزمان والعلاقات الاجتماعية، وتنجح الكاتبة بدورها في اظهار وبتوصيف جمالي متميز، امورا لا نتكلم بها ولا نلبسها التعبير الكلامي وذلك لاننا كنتاج لمجتمع تقليدي لم يعلمونا اهمية وطريقة التعبير عن كل ما يدور في عالمنا الداخلي، وفي سردها هذه الامور كأنها تأخذنا جميعا اناثا وذكورا بتجلينا الانساني الى تجربة تصحيحية لما مررنا به في حياتنا. في ذلك يكون عامل مساعد تزوده الكاتبة بشكل خاص لكل امرأة لم تحظى بتلك الفرصة، وهو الحق وضرورة التعبير عن كل ما يمر بنا ومعنا وفينا، وتوصل القارئ الى التفكير والنتيجة ربما انه لا يمكن ان تكون اي علاقة واي فهم لاي انسان وخاصة المرأة دون ذلك.

ضروري التنويه ان الكاتبة تتحلى بجرأة في كتابتها الروائية وخاصة وانها تتطرق لمواضيع ما يعتبرها المجتمع التقليدي ضمن مواضيع الخاضعة للممنوعات والطابو. جرأتها لم تأت في الرواية للتحدي المستفز بل لطرح الامور على حقيقتها والكشف عن الاقنعة المزيفة والمرضية، والتي تمنع اي نهوض لاي فرد ومجتمع. ومن خلال جرأتها نلمس مراجعة لكل مركبات العلاقة بين الرجل القاهر والمرأة المقهورة وهو ما يتطلب معالجته باساليب الجرأة والوضوح وتسمية الامور بمسمياتها.

ما وجدته مؤثرًا من تأثير الرواية علي حين القراءة، ان الكاتبة استطاعت ان تشعرني كأنني مع المرأة في كل ما مرت به من قساوة الرجل والمجتمع الذكوري، وانتابني شعور بامنيتي لو استطعت في اي مرحلة او ظرف ان اكون معها لاساعدها ما استطعت.ارجح هذا الشعور لكون الكاتبة ابدعت في وصف ما تمر به المرأة بطريقة تجعل كل من يملك ذرة انسانية يتعاطف معها ويود ان يغير ما يمكنه في هذه المسألة. انها ليست مسألة التعاطف مع المرأة الراغبة في حريتها وكرامتها واستقلالية كيانها، بل هي مسألة الانسانية والعدل والحياة ومعنى الوجودية، كما لها ان تكون لمجتمع صحي. اذ لا يمكن تحرر الرجل دون تحرر المرأة وهو ليس بمعروف يقوم به الرجل بل لان هذا المطلوب بروح الانسانية وحياة صحية وعادلة.

اود التنويه، انني عرفت شخصيا بعض النساء اللواتي مررن بتجارب مريرة كما هي موصوفة في الرواية، وناضلن بعد مرحلة الطلاق – من الرجل ومن ظله ومن كل سيطرة ذكورية – وقد استطعن بنجاح باهر عمل المستحيل للانطلاق مجددا للحياة من البدء المتجدد، وابدعن وتألقن اما في الحياة المهنية، او الادبية، او المجتمعية وعلى هذا يستحقن كل التقدير والاحترام واكثر.

انتابني شعور بعد قراءة الرواية وهو رغبتي بالاعتذار باسم الرجال الانقياء لكل انثى عانت من ظلم الرجل والمجتمع التقليدي الذي منح كل القوة للرجل. آمل ان يكون اعتذاري ما يجعل المرأة تقول وتؤمن ان ثمة من هم من الرجال معها. والحياة لا تكون اجمل وارقى بروحها ووجوديتها دون المرأة.

اهنئ صديقتي الكاتبة على عملها الروائي الاول والرائع ومقدرتها على جعلها رواية تستحق القراءة والاخذ بها بكل جدية واحترام.

 


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s