عندما تركت زوجي كنت قد خرجت بخارطة رسمتها بعناية وببساطة شديدة. أهم ما كان فيها بأنني لن أحتاج لرجل . بأن أهم ما سأقتنيه من الطلاق هو الإنطلاق وفك القيد والإرتياح من متطلبات الرجل وكتمه على أنفاسي. كنت كالشجرة اليابسة التي جفت ساقها ولا يزال جذرها حيا متمسكا بتراب الأرض وفروعها كثيرة مظللة مثمرة. كنت أشعر بتيبسي. أشبه شجرة الزيتون في بلادي. تخلعها من أرضها وتستمر بالنمو. تتركها بلا ماء ولا يؤرقها العطش. وتمر عنها الأزمنة والحضارات والتاريخ وتبقى مثمرة صامدة بها زهو غريب على الرغم من كثرتها ، وعلى الرغم من أنها ليست أجمل الشجرات ولا أبهاها. فلا زهر يثمر بين أوراقها يلاحظ وجوده أحد . فما تلبث الزيتونة تزهر حتى تتلاشى الزهرة في عمق حبة تتلهف للثمار ..ولا جمال يميز شكلها يلفت الأنظار. إلا أنها باقية موجودة ترى قوتها في ساقها الذي لا يتعبه الكبر ولا الاجتثاث من الأرض ولا الخلع ولا الهز مهما حصل. إلا أنني كنت كما لم أر من شجرة الزيتون العابرة من خلالي والأرض الدائمة بهذا الوطن. هناك حياة ما تختلف عن تلك التي نعيشها بأرض ليست أرضنا وبتربة ليست تربتنا. كشجرة الزيتون المخلوعة من أراضي من يفلحها المزروعة في أرض يرعاها المستوطن ولا يفهم منها وعنها أكثر من جمالية منظرها القديم . كنت أراني بعيون الرجال كتلك الشجرة. جميلة ممشوقة القوام بهية المظهر ،وما يلبث الإقتراب مني حتى يرى في عيوني أسى زمن مرت عنه مصائب الحضارات . فلا يكاد يتظلل تحت أغصاني حتى يظن أن حبات الزيتون المتدلية من بين الاوراق جاهزة للأكل بعد القطاف السهل. فأنا تلك الشجرة وأنا نفسها الثمرة. ولم يكن بمقدور المار مني أن يميز الفرق أو ينتبه . أراد الظل والإستمتاع والأكل. كل في قطفة واحدة . فما يلبث قضم الزيتونة حتى تعتصره مرارتها وتحز قسوة طعمها معدته الهائجة. فيبصقها مستنفرا ويظن أن الزيتون اختلف عليه وأنه لا بد ان يكون هو الزقوم .

فأتحول من شجرة الحياة الى شجرة جهنم بلمح البصر . ويتناثر هو بعيوني من نار متوهجة كنت قد اقتربت منها للدفء حتى أراه أمامي سكنا لرماد خامد يتناثر حول عيوني مدمعها ومبكيها . فتغتسل عينيي منه بفركة يد أو فركتين وأهرول إلى نبع ما لأنتشي من روح الماء طعما يروي ظمأ بداخلي لم يبلغ ذروته بعد. ولكني كالمتيمم اكتفيت مع مرور الزمن بكسرة ماء ومسحة من تراب.

ويهرول هو بعيدا بعد أن اختلف عليه الطعم وظن أن الزيتون كاللوز. يزهر فيزهو فيثمر فيقطف فيؤكل. وفي بلادي بين الزيتون واللوز عشرة أبدية لا يكسرها طمع الرجال ولا يفهم طابعها بقرب صفاتها أو بعدها إلا من يفهم بالتراب والماء والهواء . والخبرة ببني البشر محدودة بتخصص يظن الداني منهم بقربه فلا تكاد صهوته تعلو ويظن أنه صار “أبو العريف” المختص بأمور الأنثى التي لا تلبث أن تصبح بالنسبة له “تحصيل حاصل” في مدونات فكره وعظمة خلقه ووسع معرفته ورحابة أرجائه التي تصبح هي جزءا من رجائها اليه.


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s