غزة … العنوان الذي يعري الانسانية

 

تتراكم مصائب الانسان في هذا الزمن ، ويصبح كلا منا عنوانا وكتابا لقصته الخاصة التي لا يعبأ بقراءتها غيره . الكلام عن غزة يبدو غير متكافيء مع ما يجري حولنا ،بالاخص اذا ما ذكرنا سورية واليمن . كم الدمار والقتل بلغ ما لا يمكن وصفه من انهيار في المنظومة الانسانية العربية والعالمية . ما يجري من جرائم كهذه ليست مسؤولية اصحابها ليدافعوا عنها ، ولا المسؤول عن الاجرام فيها من ينفذ هذه الجرائم والمجازر . كلنا مسؤولون كبشر نعيش ونشهد ولا نعبأ في التغيير او حتى قول كلمة حق . كلنا نتفرج على سورية واليمن ، وكلنا نساهم في مسلسل القتل والدمار في اصطفافنا مع فريق ضد الاخر ، وفي تحليل وتبرير لهذا على ذاك ، بينما يستمر القتل والسفك والدم يملأ ناظرنا من خلال الشاشات .

غزة تبدو بلا مشكلة تذكر ، او قضية تعرض امام هذا الدمار الاخر المحيط هناك . الا ان غزة كمن غرقت في بحرها واندثرت امام مجريات الامور الاخرى، في حين تبقي غزة هي القضية المحورية.. قد تكون العنوان الذي لا نلاحظه او نعيه لنهاية القضية الفلسطينية او تشكيلها الجديد . وكم الدمار المتلاحق فيها لا تلقفه مياه البحر وسط امواجها وتخفيه ، لانها بؤرة مغلقة من كل الاتجاهات ولا ينهيها الا طوفان يسحب فيه البحر كل ما يأتيه .

ان يعيش اكثر من مليوني انسان في بقعة كهذه تحت حصار متآكل وازدياد ملحوظ في اعداد الاطفال لن يستطيع بحر ابتلاعه .

المشكلة في غزة لا تكمن في كم الدمار والقتل اليوم ، فهذا مشهد اغلق الستار عنه . وكم الدمار الذي حصل في ٢٠١٤ كان بحجم قنابل نووية سابقة على الانسانية والحقت دمارات شاملة في الشعوب . ولا المشكلة في الالفين شهيد ولا عشرات الالاف من الجرحى . فكل هذا مجمد في مشهد سابق . ولن يستغرب احد اذا ما اعيد من جديد. المشكلة في غزة هي اليوم . اليوم وبعد اكثر من سنتين على انتهاء العدوان ، لا يزال الجوع والتشرد والفقر وعدم الايواء هو العنوان للكثيرين من السكان .

تجرفنا غزة فيما بين اصرار لا يمكن الا ان تراه بينما تجول في شوارعها . عمار رغم الدمار ملفت . الناس في الشوارع تعيش وكأن كل يوم جديد هو يوم حياة يجب ان يخطف ،كمن يخطف اللقمة من فم السبع. البنات والشباب يحلمون بحياة افضل ، يحبون ويكرهون . يتزوجون ،يتطلقون، وينجبون وينجبون . يطمحون بالبناء والاستثمار والتشغيل . يتعلمون ويفكرون في السفر . يتسلى البعض منهم في صيد الاسماك صبيحة الجمعة بعد اسبوع عمل شاق . ويقتات البعض الاخر من رزق البحر يوميا .يتثاقفون ،يفكرون ،يخططون… يتناقشون في ما يجري خارج بؤرة غزة المغلقة المسيجة المحاصرة بتفاصيل العالم حولهم ، يحللون السياسات الخارجية والداخلية ، يتأملون ويتأهبون من الرئيس القادم بأمريكا ، واراحهم تعيين رئيس في لبنان ،و مؤتمر فتح القادم طبعا يعنيهم ، بين التشبث والتشرذم ، بين الخوف والتأهب ممن هو قادم . وتبقى حماس في النقاش حاسمة لقاعدة الحياة ففتح ونزاعاتها واقتطاعاتها لا تؤرق الشارع كثيرا كما في الشق الاخر من الوطن .

بين نقاشات مختلفة لا تنتهي . في غزة الاحاديث لا تتوقف .يتكلمون وكأن الكلام يخرج مع ثاني اكسيد الكربون ليتفاعل من جديد ويصبح اكسجين . قسوة الحال بلا شك جعلهم متزاحمون على اثبات الوجود . الا بين هذا كله هناك مأساة لا يعيشها الا اصحابها ….اولئك النازحون منذ ما تعدى السنتين على امل ان يأويهم بيت من جديد. لكثرة القصص وتزاحمها تكاد لا تميز اي شيء . فالاعمار واعادته جارية . والكثير من النازحين عادوا . ومحاولات تشغيل الشعب الهائم على وجهه مستمرة . والشعب نفسه مل ويعيش يومه برضى متمنيا ان يأتي يوم لفرصة خروج بلا عودة.

تفاجأت بجدية قصص الشباب الذين يحاولوا الخروج من غزة للحاق بمراكب الموت . كما تفاجأت من احتضان غزة للاجئين سوريين ( في الخبرين لم يسعفني الوقت للاستقصاء والمعرفة اكثر) .

هناك حال متراكم لا يختلف عن الحال الفلسطيني العام في التذمر وصعوبة الاحوال وفقدان الامل بالحلول السياسية والمؤسسة القيادية . الا ان ما لا يمكن ان نغض الطرف عنه هو ذلك المكان من المجتمع الذي يتعدى الفقر والبؤس مستويات الانسانية . حال محزن ومغضب بنفس الوقت . وكأنه وبالرغم من كل هذا الخناق لا ينكف المجتمع ان ينقسم الى فئات ودرجات متعددة من البؤس. بالنهاية لا يمكن ان تنظر الى غزة كمكان طبيعي . الحياة بها عادية ،ولو اغرانا للوهلة منظر البحر وبعض الفنادق الجيدة والابنية الجديدة والفلل حتى في اماكن مختلفة. حتى ولو رأينا الشوارع مزدحمة بالناس والرجال والنساء على الشواطيء يمشون ويتسامرون . في النهاية نحن متواجدون في بقعة مغلقة بالمطلق الا من بعض الزوايا والخنادق. حتى الدخول الطبيعي من ايريز لا يجردك من الاحساس والتأكيد بأنك في صدد الدخول الى سجن كبير .

يبقى حال الالاف من النازحين المنتظرين لرحمة بتوقيع أوراق ليصبح اسماؤهم على القائمة القادمة من المدرج اسمائهم للاعمار. حالة البؤس لا يمكن تحملها ، ولا يمكن الفهم كيف يمكن لاحد ان يعيش في ظل هكذا وضوع متردي من المعايير الانسانية . الكرافانات في احسن احوالها معدة لتأوي اشخاصا معدودة لبضع شهور .لا لعوائل تمر علىها السنوات بين جدران لا هي خشبية ولا حجرية ولا حتى حديدية واسقف منهارة وارضية متهاوية .

الحشرات تختلف عليهم باشكالها وانواعها واحجامها . الامراض والاوبئة تهددهم كما يهددهم المطر المقترب بانجراف نحو هاوية اعمق من تلك المنحدرون فيها .

والمشكلة لا تبدو منحصرة بشخص بعينه او جهة بعينها . كحال الفساد المتشرذم في اوصالنا الفلسطينية ، اصبح الفساد كالارهاب ، لا دين له . فالفساد تراه في كل القوى المتجمعة على اعادة الاعمار . الانسان النازح المنتظر للفرج ، كما المنتظر للغيث ، لا يعرف ان كان خيرا ام سيل جارف محتم . فالاموال المغدقة على الاعمار متعددة المصادر والممسكون عليها متعددوا الاتجاهات ، والكل كالعادة محق في طرحه ، وصاحب الحق الاوحد واليد البيضاء الناصعة . كل يوم تمكثه يصادفك مؤتمر للاسكان والحق في السكن وتوزيع الامور وفرزها والحكم الرشيد فيها ، تنظر حولك وتفكر في كم النفقات المستخدمة لاعادة الكلام والتنظير في حين انه على بعد مسافة قصيرة جدا من اي اتجاه وكل اتجاه هناك بؤرات يتجمع فيها النازحون على امتداد غزة وقطاعها يتضورون للقمة تشبعهم وزاوية في ذلك الكرافان المأساوي تكمل عليهم سترتهم.

تنظر الي ذاك الكم من الاطفال ول اتستطيع الا ان تفكر بالمستقبل المنتظر لهم . كيف يكون تحت جوع وفقر وعري وبلا مأوى يستر عوائل من شتاء قادم …قد تجرفهم بلا مبالغة مع اول قطرة غيث …. 


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s