http://www.raialyoum.com/?p=578304

أثارت المراسلات التي نشرتها غادة السمان ، من احد معجبيها السابقين زوبعة من الانتقادات ، وراح الكثيرون بين محلل ومبرر ، معارض ومؤيد بعرض وجهة نظره بالموضوع . مما لا شك فيه ان موضوع الخصوصية هنا موضوع مهم ، بين ما هو حق للمرسل والمرسل اليه . قد يكون النقاش طويلا . ولكن بكل الاحوال هي مالكة لهذه الرسائل ولها الحق في التصرف فيها . السؤال الذي يبقى عالقا بهكذا حال، هو ان الاخر بالحالتين ميت. فهو لا يملك الخيار .

نحن لا نعرف ان كانت هذه المراسلات هي كل ما كان يرسل لها من قبل الاشخاص المعنيين ، ام انها كانت تنتقي ما تقرر ان ينشر .

بوحها هنا ، مهما كان علنيا ومستحبا ، يبقى منقوصا، لانه لا يمثل الا طرفها واختيارها من تلك الحكايات.

من منا لم يقرأ او يعبر من خلال مراسلات غسان كنفاني لغادة السمان الذي جعل منها رديفا ووحيا للعشق في مخيلات الكثيرين والكثيرات.

ولكن للحظة خطر ببالي ، ماذا لو كانت هذه المراسلات، قد كشفت من المرسلين انفسهم . لو باحوا بعشقهم لها . هل كنا سنصاب بحالة من الصدمة من جرأتهم بالعشق والبوح به للاخر ونشره (فضحه)؟

ما قامت به غادة السمان بالحالتين يعبر عن قوة بغض النظر عن نواياها ، وبنواياها بالحالتين تفكير وتصرف عهدناه طبيعيا بالرجال ، فاستهجناه من امرأة.

وقد يكون تحفظي هنا …. فنحن عادة ما نترك الرجال للتحكم بخبايا النساء ، فهم من يحبون ومن يكتبون بالعشق . هم من يصفون لوعة الحب والحنين والاشتياق. هم من يناشدوا ويبكوا علي اطلال المحب . هم من يكوا بنار العشق ولوعته وسطوة المعشوق عليهم.

الرجال في ادبنا هم من يفهمون احتياجات المرأة ويحللون مشاعرها ويفهمون جسدها . الرجال (المفتون في تراثنا وديننا وتقاليدنا هم من يفتون في امور المرأة الدقيقة منها والعامة ، فعندهم الاجوبة والفتاوي المقدسة باذنهم عن كل ما يتعلق بالحياة الجنسية ، ويفهمون جسد المرأة بالحيض ويملون عليها كيفية الاغتسال ويرشدونها بالتعامل مع هرموناتها وعندهم الجواب لمكامن انوثتها بالمفاتيح لاقفالها الموصدة).

في حالة غادة السمان ، ما جرى يبقى في سياق المقبول لان العاشق الكاتب الرجل تغزل واشتاق وانتظر . فلو رأينا نفس الكلمات تخرج منها لكان الانتقاد عليها سيكون مضاعفا وسيتم اتهامها بالفسق والانحلال. قرار غادة ان تنشر ما كتب لها ، حررها من ان تكون سلعة لهواجس الرجال ، حتى لو كان ذاك الرجل عاشقا حقيقيا او حبيبا حالما . باللحظة التي قرر فيها ذاك الرجل او غيره البوح لها ومبادلتها مشاعرا ،اصبح كل ما يخرج منه اليها حقا لها . وكونها هنا حكم عليها العيش في ظلال علاقات مع رجال متزوجين (الحديث بالحالتين عن رجال متزوجين).

بلا شك ، ان الحوار هنا سيأخذنا الى مكان اخر في فهم المسألة وتحليلها ، والمساءلة كذلك. فلهؤلاء الرجال عوائل من زوجات وابناء القارئ لغادة السمان يعتبرها جريئة الطرح ولقد اخذ عليها منتقدوها بانها تتناول مواضيع الجنس ، الا انه لا يمكن ابدا قراءتها سواء احببنا او استسغنا كتاباتها ام لم نحب ولم تعجبنا ، بأنها كاتبة مخضرمة اديبة . وما نراه من جرأة في مواضيعها لا يخدش الحياء ولا يدخل في المحاذير والممنوعات. ومع هذا الانتقادات عليها في هذا الشأن لاذعة.

اما لو نظرنا الى كاتب اخر ، فلو قرأنا يوسف زيدان وتوصيفه للعلاقات ما بين الرجل والمرأة وتصويره لمشاهد تعتبر جنسية في مشاهد مختلفة من كتاباته ، لرأينا انه تعدى حدود المقبول في حال غادة السمان بكثير ، ومع هذا لم نقرأ نقدا على هذا ، على العكس تماما ، نسمع اشادات من قبل الرجال والنساء على بلاغة توصيفة وعظم نقله للمشاعر الانسانية.

ولكن ان بقينا في سياق غادة السمان وقصص مراسلات المحبين لها ، نرى ما يتم تداوله كذلك الان وفي نفس الاطار ، ما ادعاه في حينه ناصر الدين النشاشيبي عن حب غادة له . والذي اقر في احد حواراته ان فصل كاتبة الليل في كتابه المرأة تحب الكلام كان عن تفاصيل علاقته بغادة السمان . وبدا النشاشيبي مستاء عن كنفاني الذي كان قد شبع موتا حينها لنشر رسائل غادة له . في المكانين هنا ، كان ناصر الدين النشاشيبي شهيرا بعلاقاته الكثيرة متفاخرا بها بكتاباته المختلفة ويعلنها بلا توجس ولا تحفظ. والقارئ منا لا يجد في هذا حرجا او عيبا . فناصر الدين لم ينشر مراسلاتها الساخنة على حد تعبيره له (بعد) (ولقد توفي قبل وصوله للمراسلات المحفوظة في بيته بلندن) ، الا انه استباحها في كتابة فصل عنها معلنا للجميع انها هي المقصودة. ولم يجد القراء حرجا ولا عيبا في هذا . ولم يجد هو عيب في ان يتكلم عن علاقاتها هي المتعددة مع اخرين .

اما هي ، فبلحظة اعلانها عن علاقة ما ، توجست العيون واحتجت العقول . ولم افهم بالحقيقة لم كل هذا التحسب والانزعاج ؟

واليوم ، نشترك جميعا في تجريم او تأنيب غادة السمان في مكاشفتها لعلاقة ، لا تدعي بها انها كانت بريئة منها ، فهي كانت تتلقى الجوابات وتفتحهم وتقرأهم وتحتفظ بهم كل هذا الزمن ، حتي بعد زواجها وبعد مماتهم! في ما تقوم به مكاشفة لنفسها على الرغم من اتخاذها القرار لوحدها ، وهنا الاخر مرة اخرى ليس مؤهلا وليس موجودا اصلا ليعترض او يقبل .

قد تكون هذه العلاقات شكلت ارقا لها ، او لربما تريد التحرر منها ، وهذه طريقتها في التعامل مع امورها الخاصة . او لربما نحن جمهور الشعوب المفصومة نخاف من هكذا بوح يكشف خبايا علاقاتنا المزيفة. اولئك الرجال المتزوجون المغرمون في امرأة اخرى ، الم تدفع هذه الاخرى كذلك ثمنا لهذا ؟ لما لا يحق لها التباهي ؟ او لربما التحرر ؟


One thought on “البوح والمكاشفة في ما تصرح به المرأة : غادة السمان مثالا
  1. Nice to see you back….how is the book tour going? I wish you lots of luck….be safe and well…chuq

    Liked by 1 person

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s