في يوم الميلاد …شهداء وقمع مسيرات وغاز مسيل للدموع

 

منذ أسابيع وتستعد مدينة بيت لحم بفتح أبوابها لعيد الميلاد ، ووتسابقت هذه السنة رام الله لتحتفل في ميلاد المسيح. فتزاحمت الشوارع فرحة ولهفة ورافق زينة الشوارع وشجرة العيد في ميدان المهد كما في ميدان المنارة.

المشاهد في بيت لحم توحي  بأن الناس والمدينة بشوارعها وزقاقها المؤدية دائما إلى مهد المسيح، تقتنص الفرصة لسرقة البهجة والأمل من فاه الظلام الموحش المرافق آلام وأحزان ومتاعب ومواجهات أنهكت قوى الناس وطاقاتهم وقدرتهم على التحمل من شدة بطش الإحتلال التي اشتدت بالسنة الماضية أكثر؛ فبيت لحم كغيرها من مدن فلسطين لا تزال تبكي شهداء تم تسليم جثامينهم  بعد تسريح سلطات الاحتلال لجثثهم من الثلاجات بعد سجن اكثر من سنة حتى للموت. تسع امهات لم تجف دموعهن منذ استشهاد فلذاتهن ، وكأن الاحتلال يشدد من كسر الفرح وينغص اجواء العيد ، باختيار دخول الميلاد ليسلم الجثامين . ليخلق بلبلة مزدوجة ،بين محاولات لفرح وكظم حزن لم يزل لاحباب ،فقدوا ، ودفنهم صار هو المبتغى .

وفي وسط ازدحام الإستعدادات الأخيرة ، وتدفق الناس نساءا ورجالا وأطفالا بالشوارع والبازارات لاقتناء ما تبقى من مستلزمات العيد وجلب الهدايا للأقارب والأصدقاء ،وفي مسيرة سانتا المنددة للجدار في محاولة رمزية لكسر بطش البوابات الحديدية والجدار الاسمنت المنيع ، داهم صفوة  السماء فجأة غيوم من الغازات المسيلة للدموع ، واعتلت أصوات الطلقات والأعيرة النارية فضاء المكان .

 توقفت الجموع المحتشدة قليلا ، وتناثرت فجأة في محاولة للإختباء من صوت الطلقات التي لا يعرف مصدرها تحديدا ، مغطين وجوههم تلافيا لاستنشاق غاز أكثر.

في جهة ما مقابلة في الساحة امتزج  صوت جرس سانتا المحاط بالأطفال بصرخة أبعدت عنه الجموع بصرخات وهروب مريب ،ليقوم من كان سانتا قبل لحظات عدة بخلع الرداء الأحمر حاملا لحيته البيضاء وجرسه ويمشي على رجل واحدة صارخا من كثرة الألم.. أصيب سانتا فاستنشق الغاز المسيل للدموع ورأيناه ممددا مخنوقا يتلوى علي الارض.

فهذه لم تكن المرة الأولى ، فمنذ إضاءة الشجرة وتجوال الشباب المتنكرين بزي بابا نويل باللباس

 

وكأن مشهد المواجهات أصبح جزءا من الحياة اليومية ، وكأننا نعيش في اليابان مع هزات أرضية شبه يومية . نتوقف لحظة ونكمل الحياة وكأن شيئا لم يكن

يزداد احتشاد الناس في الميدان في انتظار موكب البطريرك القادم من القدس..

كم تبدو القدس بموكبها وضيوفها القادمين للمهد بعيدة….

فمنذ القرن التاسع عشر ، تنطلق مسيرة كنسية  تقليدية في اليوم الرابع والعشرين من ديسمبر،بموكب يخرج من البلدة القديمة بالقدس الى كنيسة المهد ببيت لحم بما يعرف بموكب البطريرك ، والذي أصبح تقليدا رسميا يحرص المسيحيون بتطبيقه في كل عام ، إلا أنه بات تحديا في السنوات الأخيرة أمام إجراءات الاحتلال التي تزداد في التعقيد والإنتهاكات.

فمدخل بيت لحم يواجهه بوابة محاطة بجدار الفصل العنصري الخانق، مغلقة طوال العام . يمر الموكب عبر البوابة التي تفتح فقط يوما واحدا  وهو يوم الرابع والعشرين، ليمر بقبة راحيل  وتنتهي المسيرة في ساحة كنيسة المهد  .

إلا أن بيت لحم تتحضر لميلاد المسيح بانتظار زوارها من كل البقاع رغم أنف الإحتلال . ففرق الكشافة المختلفة تقف منتظرة لموكب البطريرك ،الذي يتوقف تاريخيا عند كنيسة مار إلياس على مشارف المدينة ويكمل مسيرته حتى قبة راحيل باستقبال رسمي من وجهاء المدينة من رجال دين وشخصيات عامة وسياسية، لتختلط في لحظة واحدة بيت لحم بمسيحييها ومسلميها من كافة الأطياف استقبالا للموكب، وتزداد الحشود المتوائمة مع الجدار وكأنه رسم ليحدد الحركة في خط متعرج ملتو  ، وتبدأ بيت لحم احتفالاتها كالعروس استعدادا لزفتها . ليلتقي الجموع في ساحة المهد في احتفالية تمزج الترانيم فيها السماء لأيام تغني بهجة وسلاما ميلاد السيد المسيح.

 

هذا العام انتظار عيد الميلاد لا يزال  مختلفا ، على الرغم من أنه ومنذ مد الجدار حول المدينة كالأفعى العملاقة ، بات المشهد أكثر ألما ، وأقرب إلى ما يمثله المكان من تجسيد معاناة المسيح . وكأن الاحتلال عن سابق قصد وترصد يعيد إحياء الماضي الذي صاحب المسيح بعد ميلاده بطريق آلامه التي انتهت بالقدس.  فهزلية المنظر لا يمكن تلافيها ، فعند مشارف بيت لحم ، تقابلك إشارة زرقاء كبيرة   محمولة على مرصد مراقبة لجنود الاحتلال بين بوابة وجدار، كتب عليها سلام بالعربية والعبرية والانجليزية تتوسطها حمامة بيضاء. ليستقبلك جنود بوجوه عابسة قاتمة يتفننون في إذلالك وإهانتك قبل الدخول إن سمحوا لك ،بعد العبور خلال بوابات حديدية وكأنك داخل الى سجن . وما تلبث أن تنتهي من اجراءات التفتيش التي لا تزال تفيض عليك بسببها مشاعر بالعجب والاستغراب الممزوج بالغضب والذل ، إلا وتجد نفسك أمام جدار خلف الجدار يرسم حدود المدينة وكأنك دخلت بتلك اللحظات إلى سجن حقيقي.

ومع مرور السنوات تحول الجدار إلى جدارية يرسم عليها النشطاء والفنانون إحباطاتهم وآمالهم الحبيسة وأحلامهم الدفينة ، ليصبح الدخول إلى بيت لحم بداخل الجدار وكأنه رحلة ساخرة في قلب متحف خارجي . فتصادف إن دخلت الشارع الموازي للجدار دائما مدخلا يصده جدار اخر ، لتتفاجأ انك داخل بيت لعائلة أصبح الجدار سور بيتها . وتعود معتذرا تفتش عن الطريق الصحيح. `

إلا أن هناك سلم ما في هذه المدينة ، كأن السلام بميلاد سيدها عم منذ تلك اللحظة وأصبح جزءا من هوائها . فتأخذك الشوارع المزينة على طول الطريق بدون استعجال إلى طريقك الأخيرعند كنيسة المهد ، مستمتعا بالمحلات التي تعج بالقطع الفنية المصنوعة من خشب الزيتون والزخارف والتطريز الفلسطيني . لوحات لميلاد المسيح من مغارة ومريم العذراء تحمل بيديها الطفل المسيح ، ويوسف الى جانبها  وحمارعلى المدخل ، زاد عليها اليوم مشهد الجدار حتى في اللوحات الفنية من خشب وخزف وآلوان . شرفات المنازل وشبابيك البيوت تتدلى منها الزينة وتتصدرها شجرة العيد . 

تصل الى ساحة المهد المكتظة ….ترافقك بهجة العيد ولهفة الشعور بلمس لحظة سعادة. لتصبح جزءا من تحضيرات  لاحتفالات ، استقبالات ، شخصيات دينية من كافة الفئات ، مهرجانات ..أطفال برداء سانتا . سانتا بأحجام مختلفة يصادفك بجرس وقطعة حلوى أو هدية لطفل من كل الاتجاهات .

ولا يزال الأهل بانتظار تصاريح أحبتهم وأقاربهم من مسيحيي غزة بالوصول ، وقد لا يسمح لهم الإحتلال بالدخول للمدينة حتى بعد إصدار التصاريح…انتظار ولهفة لقاء ، قد تساهم إضاءة شمعة في كنيسة المهد في هذه الأيام المقدسة، باسم شهيد أو جريح أو رفع دعاء الى الله في فك كرب شعب تتوالى عليه النكبات 

العيد هذا العام مرسوم ببهجة يتعمد الفلسطينيون رسمها على وجوههم بالرغم من الجروح والأوجاع التي لا تزال تثكل القلوب وسط مصائب وفواجع مستمرة…فكم من شهيد سقط ، وكم من بيت دمر ، وكم من عائلة شردت …..

 وكأن الفرح صار وسيلة مقاومة للإحتلال. وكأن الإحتلال يصر على نزع حتى الفرحة الواهية من الوجوه بعد أن نزعها منذ زمن من القلوب .

يآتي عيد ويعود عيد…. ولا نزال نحلم ونأمل ونصلي من أجل عيد قادم مع حلم تحقق وأمل بحرية وسلام …

وبين عيد وعيد … بين وداع لسنة حافلة بالاوجاع والاحباطات ، من الصعب التفكير في فرحة وام شهيد اليوم ثكلت في كبدها ، احمد الخروبي   وام الشاب احمد الريماوي الذي غدرت به رصاصات الاحتلال قبل ايام . الصبر للسلوان لامهات الشهداء.. فمريم لم تقتصر مسيرتها على المسيح الذي ضحى بجسده ليكسر ظلمة العالم . فلا تزال مريم الفلسطينية تروي بدموعها ضحل الحياة.

 

 


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s