في طريقي للعمل صباحا ، لاحظت اصطفاف عدة آليات هدم بالقرب من الشارع المؤدي لحي الاشعرية ببيت حنينا . منذ مدة ولم ألاحظ هذه الآليات ، ولربما تفاديت ملاحظتها ، فلقد أنهكت لسنوات وأنا ألاحظ ظهورها ، وعندما بدأت نشاطي في مجال مناهضة هدم البيوت ، فكرت للحظات للمشهد التابع لتلك الآليات والذي بات يظهر يوميا من خلال شاشات التلفاز. للمفارقة ربما، والدي كان أول ضحايا عمليات الهدم الممنهجة قبل أكثر من عشر سنوات عندما قامت قوات الاحتلال بهدم مبنى مكون من خمس طوابق بدعوى قصور في التراخيص. موضوع التراخيص ، موضوع شائك ومعقد وكان لسنوات حتى العقد الماضي كلعبة القط والفأر بين المقدسيين وبلدية الاحتلال، حتى بدأت عمليات الهدم التي طالت الأغلبية. فالقدس بقسمها الشرقي تظهر كمنطقة بيضاء في معظمها من خلال مخططات البناء لتنظيم المدينة على الخارطة في بلدية القدس(الإسرائيلية) فيما يعرف تحت مصطلح “ملكية غير معروفة” . فمنذ احتلال ال ١٩٦٧ ، والقدس كانت تتبع مع الضفة الغربية للإدارة الأردنية . إلا أنه بعد اتفاق اوسلو ، باتت القدس ضمن مواضيع الحل النهائي مما سمح للاحتلال الإسرائيلي بفرض سيطرته من كافة الجوانب والتي شملت كل ما يتعلق ببقاء وأحقية المواطن المقدسي بالبقاء بالقدس بدءا من إثبات سكنه بالقدس عن طريق دفع الضرائب المتعلقة بذلك والذي يتلوه تراخيص تبعيات هذا السكن. من المعروف أن معظم أبنية القدس قديمة ولم تكن مسجله ضمن سجل البلدية الإسرائيلية في الطابو. مما أتاح فرصة أكبر لبلدية إسرائيل بالتحكم بالأبنية. وبما أن الترخيص هو عبارة عن عملية قد تأخذ وبدون مبالغة بالحد الأدنى خمس سنوات للموافقة وعشرات السنين بالحد الأبعد إذا ما لم يكن الطلب قد رفض(على حسب المعطيات فإن٩٤٪ من الطلبات يتم رفضها) . التعقيدات الموجودة تحتاج إلى وقت كثير من فك ترابطها وتعقيدها لما بها من منهجية محكمة بالتحكم وتعطيل سبل الحياة للمواطنين المقدسيين.
لتقريب المشهد أستطيع أن أساهم ببعض الأرقام التي قد تساعد في رؤية الوضع ، فمنذ ال١٩٦٧ قامت حكومة الاحتلال الإسرائيلي بهدم ما يقارب على ثلاثين ألف وحدة بناء لأسباب تصنف بين عقابية ، إدارية، عسكرية وغير محددة. تصاعد الهدم جاء متوازيا مع زيادة بناء المستعمرات بطريقة مكثفة ومتسارعة منذ اوسلو. فاليوم زاد عدد سكان مستعمرات القدس عن المئتي ألف . ومع بداية هذا العام ، اعلنت صحيفة هآرتس الاسرائيلية عن هدم ما يقارب ال ١٥٠ منزلا فلسطينيا (في الاسبوع الاول من العام الحالي -٢٠١٧ ) وشرعت البلدية في ارسال اشعارات هدم في منطقة ببيت حنينا لما يقرب من العشر منازل .
هدم البيوت أصعب وأبشع ما يمكن أن يتعرض له الانسان المقدسي . فبعد مشاهدات كثيرة ورصد العشرات من عمليات الهدم، استطعت أن أفهم إحدى وسائل التطهير العرقي التي انتهجتها إسرائيل ولا تزال بالكثير من الإصرار والاستمتاع . ففضلا عن الخراب الذي يلحق بهدم البيت على صاحبه ، فإن الحكومة الإسرائيلية تستفيد من هذا النهج. فالمواطن المخالف يدفع قبل الهدم مخالفات للبناء تصل إلى مئات الآلاف من الشواكل في خطوة يظن بها أنه يشتري الوقت ويحصل من خلالها على ترخيص. وتكاليف التراخيص الباهظة التي تتضمن معاملات منهكة والتي من شأنها تدخل قسم التنظيم من مهندسي البلدية في الحصول على أتعاب باهظة في هذا المجال. وهناك المحاكم التي تشمل مخالفات وأحكام وغرامات عالية، ناهيك عن المحامين الذين هم بالأغلب إسرائيليون . ومما يزيد الأمور بطشا وظلما هو أن إجراءات الهدم يدفع ثمنها صاحب البيت من أجرة للآليات إلى الشركات الأمنية المصاحبة للجيش والشرطة خلال عملية الهدم.
فبين حصار للقدس بجدار فاصل وعازل ، وإحاطتها بجيوب استيطانية تسربت لتصبح في داخل الحارات والبلدات المقدسية ، والتشديد على حقوق المواطنة من تفريق بين أفراد العائلة الواحدة ، والتهديد المستمر بالتجريد من حق البقاء ،ومصادرة الأراضى وتحويل ما تبقى منها إلى شوارع رئيسية لربط المستوطنات بباقي المدن الإسرائيلية، أو حدائق عامة . يبقى هدم البيت كالمنفذ الأخير بالنسبة لهذه السياسة في محاولة التهجير.
عندما علمنا بهدم مبنى والدي ، لم نذهب لرؤيته. كان الخبر بالصحف المحلية وحرصنا على أن لا يراها والدي . ودائما تساءلت عن قدرة هذا الرجل بتحمل هكذا مصائب ، مشاهداتي فيما بعد ، جعلتني أفهم كذلك أن هذه الأمور تصبح وسيلة حياة.
كانت المفارقة أن أكون ضمن وفد كان يطلع على الأحوال على الأرض ،ليكون مبنى والدى أحد الأمثلة التي تعرض لتجسيد ممارسات الاحتلال بموضوع هدم البيوت. بالرغم من مرارة الشعور ، إلا أن ذلك المبنى كان خسارة استثمارية، وليس مأوى حياة.مشهد هدم بيتك أمام عينيك ، مع كل حركة تحصل ، مع كل دكة من تلك الآليات في ما كان قبل لحظات المأوى والأمل والحلم . تقف عاجزا وأنت ترى ذكرياتك كلها تهدم ، وتصبح في لحظات ركاما ، كل ما تستطيع عمله هو الاقتراب منه بعد ساعات لترى ما يمكن لملمته من حياة كاملة باتت بلحظات ركام . لتجلس أنت وعائلتك على أنقاض ما كان غرفة جلوس ربما أو غرفة نوم أو مطبخ . ملابسك في مكان ما تحت ذلك الركام . دفاتر وكتب المدرسة ، مذكرات المراهقة التي كانت قبل قليل بجانب سريرها . أسرار كبيرة وصغيرة كنت تظن بأنك تخبؤها في زوايا ما كان خاصا بك ولك .
تنظر حولك وترى ما تبقى من باب أو شباك . تحاول سحب سجادة أو فراش . ملابسك وأطفالك ، مقتنيات سنوات ، أثاث اشتريته بالتقسيط وأردت تزيين منزلك بما هو أفضل للتباهي أمام الجيران والأقارب . تغمض عينيك والمنظر يقتحم كل ما تبقى من ذاكرة تحيا بها . تصم أذنيك وتبقى أصوات دك الآليات تدك في رأسك ، وترعش كل شعرة في جسدك المنهار أمامك بكل ضعف وهوان . تواسي نفسك أم زوجتك أو أبنائك أم جيرانك ؟ أين تذهب ؟ ماذا تفعل؟ أين ستنام وعائلتك الليلة؟ ماذا ستقول لأطفالك عند عودتهم من المدرسة؟ كيف ستنظر إليهم ؟ إلى زوجتك… فلقد خسرت في هذه اللحظات كل ما كان يمكن أن تملكه …وتعجز في هذه اللحظات عن أبسط ما يمكن لرجل العائلة أن يؤمنه …المأوى ..
هل تبقى ؟ هل ترحل ؟
مشهد يتكرر…
يعرض عليك البعض مبيتا ، ويحضر لك البعض خيمة ، لتجد نفسك ناصبا خيمتك مما تبقى مما كان منزلا قبل لحظات .
تبدأ ببناء وطن جديد على ركام ما كان وطنا قبل لحظات . ترى حياتك أمامك من جديد ، نكبة عاشها والديك وأجدادك من قبلك قبل سنوات ليست ببعيدة …
وتفكر من جديد … هل تبقى ؟ هل ترحل ؟
ولكن نكبتك لا تزال نكبة وطن رحل غصبا مؤقتا ليعود قبل عقود ليست ببعيدة ، ولا يزال يحمل أصحاب البيوت مفاتيحها بانتظار الرجوع .
لا يزال مفتاحك معك ، ولكن الباب تحت الدمار الحالي … ولكنك لا تزال موجودا … بالرغم من الدمار والركام .. بالرغم من التشريد والتتشتيت ….على ركام بيتك ..بجانبه …. حوله … بخيمة …لا يهم …
ولكنك لن ترحل من جديد …
لأن الوطن إذا ما تركته لا يعود. ولأن النكبة لم تنتهي بهروب أو لجوء …استمرت وتستمر… بك وعائلتك وبوجد حياة لفلسطيني على هذا الوطن .
هدم بيتك انهارت به الذكريات الجميلة ، ولكنه أحيا نكبة لا بد مفروضة ،وكل ما تستطيع فعله هو الصمود . الرباط أمام ما كان منزلا قبل لحظات ..لأنك لن ترحل ….إن النكبة لم تنته بعد … وصمودك هو ما سيبقى بالرغم من كل محاولات التهجير والتجريد والتطهير.
وإن كنت متفرجا ، وسواء كان هذا المنزل المهدم أمامك لجارك أو قريبك أو كنت مشاهدا عابرا لسبيل مثلي ، لابد أن تصلك أنت الرسالة التي يستمر الاحتلال في غرسها بداخلنا . فأنت مهدد أيضا . فإن لم يكن بيتك أنت اليوم ، فهو بالغد القريب دورك. وإن لم يكن دورك بهدم بيتك ، فهناك أمور أخرى يستمر الاحتلال بالتأكيد على أن تصلك … فالموضوع واحد ومستمر : تهجيرك والتخلص منك بأي طريقة أو سبيل ممكن أو غير ممكن . قانوني ،شرعي أم مستبد قصري وجائر . فأنت تعيش في منظومة صممت للتخلص منك بكافة الطرق ، بالأمس، اليوم وغدا .


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s