بما ان حياتنا محصلة لجرائم مرتكبة في حقنا من كل الاتجاهات ، جريمة في رام الله قد يكون احدى الجرائم . الجريمة الاولى في منعها والجريمة الكبرى في اندفاعنا الى قراءتها لنعرف ما هو خدش الحياء الذي خدشه الكتاب.

 

كان احد الاصدقاء قد اخبرني عن الرواية ، وابدى تحفظه على الكاتب قائلا ان بالرواية ايحاءات جنسية . فاثارني الفضول نحو تصنيف الايحاءات في رواية فلسطينية . لم يثرني كثيرا عنوان الكتاب الذي قاربته بوهلته الاولى لعنوان اخر ” جريمة في القدس”للكاتبة الاسرائيلية باتية جول. الا ان “جريمة في القدس” اقرب الى كتب الاثارة البوليسية على غرار اغاثا كريستي.

وجدت الكتاب امامي في معرض القاهرة الدولي للكتاب وتناولته ، مع جملة كتب كثيرة ، كان سيكون دوره بالقراءة ربما بعد شهور قادمة . الا ان الزوعة التي اثارها قرار مصادرة الكتاب ومحاكمة صاحبه الى اخره وردود الافعال ، جعلتني اترك ما بيدي ،بعد ايام ممتعة بصحبة جورج اورويل “لماذا اكتب” ، مدفوعة بعض الحماس نحو حرية التعبير وحب الكتابة .

لكي اكون منصفة ، لم تكن قراءتي منصفة ، وكانت مرتبطة توقعات قرأتها من ردود الافعال منذ الامس. اهم ردود الافعال كان لوزير الثقافة ، الذي احترمته بسبب رأيه الذي شجب ما جرى وقال انه سيذهب لشراء الكتاب. ورأي مدير الهيئة المستقلة لحقوق الانسان الذي فاجأني بالفعل بما كتبه معترفا بأته لم يقرأ الكتاب وانه كتاب لا يريد لابنائه ان يقرأوه وان ما قرأه من مقتطعات تم تداولها كافيا . وهنا مشكلة ممثل الهيئة المستقلة الذي لجأ الكاتب اليها كجهة اعتراض والتماس لقرار النائب العام . فاضحى التماسه محكوم عليه بالفشل بمجرد ان يعلن مدير الهيئة المستقلة لحقوق الانسان برأيه بهذه السلبية .

قد اعترف ايضا ان اكثر ما كان مثيرا في الكتاب هو تلك التكهنات بشأن ما كتبه الكاتب. ما الذي جعله يخدش الحياء لهذا الحد؟

كان هناك اقاويل انه انتقد السلطة ومن اجل هذا وجدوا له منفذا في خدش الحياء في نصه . وفكرت كم من النصوص المكتوبة والمترجمة المليئة بالايحاءات والافعال الجنسية التي تعدت الحياء وخدشته منذ قرون بعيدة ولا نزال نتداولها ، والكثير منها يأتي تحت اسم الشرع . وكم يتعرض ابناءنا في كل يوم ،بل لحظة لفيديو كليبات في اهون تقدير على محمولاتهم الخلوية او وراء شاشات الكمبيوترات والتلفاز يدمن عليها المراهقون والمراهقات تحت اعيننا وندعي انها جزءا من مواكبة العصر. فكم من الحياء ممكن لكتاب ان يخدش في زمن هيفا ماجيك وهيفا وهبه ورولا ياموت وكلينك وغيرهم الكثيرون مما لا يد لمعرفتنا كأهل بهم. وكم يتزاور الشباب على شبكات الافلام الاباحية ، وكم يخدش الحياء في العلن والخفاء في بلادنا كل يوم .

قبل القراءة كان علي ان اواجه كذلك افكاري المسبقة بالنسبة للنصوص التي تستخدم كلمات اباحية وايحاءات توصيفية يستخدم بها كلمات مباشرة ، فقبل وقت ليس ببعيد تعرض كاتب مصري لنفس المشكلة ، ثار بها الرأي العام غضبا على كبح حرية التعبير . فأنا من الاشخاص الذين لا يستسيغون الاستخدامات الجنسية في الكتابة ، ولكني لا استطيع رفضها . واقر في نفس الوقت ان النص دائما ما يحكم. هناك كتابات كانت من روائع الادب ولاقت نجاحا وتقييما ونقدا منقطع النظير في التعبير عن مشاهد او علاقات او ايحات جنسية . ولكن المشكلة ، وهي في الاغلب ، ان استخدام هذه اللغة تبدو في معظم الحالات لاستقطاب قراءة اكثر ، تشمل تلك الناقدة اللاذعة كذلك . فبنهاية المطاف ، يريد الكاتب انتشار الكتاب ، وبالنسبة للكثيرين قد تشكل هذه خبطة …. كما جرى في “جريمة برام الله” .

بدأت القراءة حتى ما بعد السبعين صفحة ، وانا لا افهم اين الحياء المخدوش. اولا ، لغة الكتابة جميلة جدا ومتقنة ، عذبة الايقاع ،ولكن لا ينتهي الكتاب او اي كتاب بهذا . الحبكة كانت بها متاهات حاولت التركيز فيها او تتبعها ، ولم انته الى شيء . يبدأ كل فصل بالرواية بخبر ما بجريدة تظن انه سيأخذك الى ربط ما ، وتتفاجأ في الصفحة الاخيرة اقحام لخبر يربط القصة نعم ، ولكن لا يمس الاخبار المقتطعة الا بتلك الخاصة بالجريمة . فلا نفهم ان كان هناك رسالة محددة ما يريد توصيلها . لا بد ان هناك رسالة ما ، ولكن الحبكة لم تتشابك مع بعضها جيدا . حبكة الرواية تبدو مقبولة ، الا انها كذلك تتوهك ، وربطها في بعض المواقف يصبح عقيما . فهناك الشخصيات المحورية : رؤوف ونور . ثم هناك وسام الذي يصبح محوريا ولكن ليس له علاقة الا بالجريمة التي تقع . على الرغم من انه لو كان هناك براعة بالحبكة لتشابكت الشخصيات والمشاهد سوية ، الا ان المشاهد كانت تتقاطع وكأنك تشاهد فيلما رخيص الانتاج .

اين خدش الكتاب الحياء ؟

لم يكن الموضوع هنا موضوع سلطة . فالكاتب كان ناقدا من خلال الشخصيات لكل التركيبة السياسية واحزابها ، ولم تكن لتثير احد . فكل شخص من ابطاله ينتمي بخلفيته لحزب ما مباشرة او غير مباشر . كان هناك محاولة لاحتواء المجتمع الفلسطيني بتركيباته الحزبية المختلفة ضمن الايقاع الطبيعي للمجتمع ،بين انتماءات العائلات في اماكن معينة او قرى او جامعات لحزب دون الاخر .

وهناك ذكر للاحتلال ، لا يهم كثيرا ، الا ما يمكن ان يترك خيالنا في عملية اقحام بالصفحة الاخيرة ، عندما نقرأ المقطع الاخير من خبر بصحيفة ما .

عنوان الرواية نفسها ، ومجريات القصة كذلك لا ينسجمان . الجريمة تقع في الفصول الاخيرة ، وتبدو كشيء عارض ، ويبقى كذلك ، لاننا لا نفهم اي شيء عن حلها ولماذا . وقد يكون هذا مقصودا ، ففي مقدمة الناشر على طرف الغلاف ، يخبرنا الكاتب او الناشر ان الجريمة شغلت البلد بأكملها ، ولكن لم يأبه احد بمعرفة الحقيقة . وقد تكون هذه الفقرة مهمة لقراءة الرواية ، وبها من الحال المجتمعي الكثير . ولكن في قالب الرواية ، تبدو الامور كالتلفون المتقطع ، تبذل جهدا كبيرا في محاولة الفهم ومحاولة ربط الاحداث والاشخاص وتصاب بفضول نحو موضوع ما كثيرا ، متل “دنيا” الشخصية المركزية في حياة احد الابطال في اول صفحة ، والتي تطاردنا مع الكاتب حتى نهاية فقرات البطل “رؤوف” ، وفجأة في الاجزاء الاخيرة تظهر وتنتهي بومضة.

كيف يصبح رؤوق مطلوبا امنيا ، لا نفهم الا من عنوان الجريدة . الكثير من الاحداث والحبكات المختلفة غير المتراصة .

لنرجع لموضوع خدش الحياء ….

الموضوع وبكل بساطة ان الرواية تتناول المثلية الجنسية بين ابطالها . بين من هو مخلوق بجسد رجل واحاسيس امرأة ، وبين من هو متخبط ، كان الشذوذ مرحلة من مراحل حياته ، وقد يكون هناك تسليط للضوء على مشاكل المثليين الاصيلين متل شخصية “نور” ولكن هنا ايضا لا اظن ان الكاتب كان موفقا . فنور هذا يكتشف مثليته ، والكلمة لا تذكر ابدا في كل الكتاب. فالكاتب يباغتنا بعلاقة نور ورووف. نبدأ الرواية باستعداد لتقفي اثر “دنيا” التي هوست رؤوف وقلبت كيانه ودمرته بالمطلق ، مع انه لم يرها الا لحظات معدودة في حياته وعاش سنة ام سنوات يبحث عنها ويرى كل النساء فيها ، وندخل الفصل الخاص بنور ، لنجد ان نور يتكلم عن عشيقه (لم يذكر كلمة عشيق كذلك) رؤوف الذي اختفى عنه .

هل كان التوصيف خادشا للحياء ؟ لا اعرف كيف اقيمه ، فالكاتب اخذنا الى عالم ذكوري بالمطلق ، اعترف ان هناك ما كان مهما لي كقارئة وانثى فيه . كل ما يجري بحياة الذكر عند المراهقة وتحوله كما في حال نور الى مثلي. ولكن قد يكون هناك مبالغة بالتوصيف في اماكن كثيرة كان الكاتب يستطيع ان يستغني عنها . نفس الامر في توصيفه لامور اخرى كثيرة .

اما الشخصية التي تنتهي الى ان تكون المركزية هو ارني الفرنسي ، الذي نتأكد من مثليته بالنهاية ، ولا نفهم او ربما نفهم انه عندما ساعد “نور” على الخروج من البلاد كان يحبه ، لأنه كشف له وشما على يده بالحرف الاول من اسمه . ولكن تنتي الرواية بان تكشف لنا الصحافة ان ارني هذا كاتبشهير كشف النقاب عن رؤوف المتهم بتخطيط ارهابي وسيقوم بتقديم شهادات صديقه نور. فلا نفهم هل كان ولها بنور ام كان يستغله ليأخذه الى فرنسا وتحويله الى فيلما وثائقيا.

بلا شك ، اصبح جليا سبب اعتبار الرواية خادشة للحياء في مجتمع لا يرى المثلية الجنسية على انها جزء بغض النظر عن توصيفه موجود بالمجتمع .

لو كان عنوان الكتاب جريمة في تل ابيت ، هل كان هذا سيغير الحكم على الرواية بأنها خدشت الحياء العام ؟

هل تبلى الراوي في روايته على المجتمع ؟ في كل الاحوال الرواية لا تعتبر حقيقة . لم يقل لنا الكاتب بأنه يرصد احداثا حقيقية للمجتمع . قد يكون كل ما كتبه من وحي خياله هو فقط. قد يكون رأي هذه الحالات في المجتمعات الاخرى ورأي انها حبكة جيدة في وضعها في مكان كرام الله .

فمهما اختلفنا او اتفقنا مع الكاتب ، ان اختياره لما اراد الخوض فيه في الرواية حقه الخالص. سواء كانت هذه الظاهرة موجودة بالفعل ام كانت فقط تجليات خياله .

ان يكون هذا الموضوع قد ارعب النائب العام وهرع الى منع الكتاب فهذا يقول شيئا واحدا فقط. ان هذه الظاهرة موجودة . فما الخطأ في رصدها من خلال رواية .

ما المطلوب بالضبط من الكاتب ؟ ان يكتب ما يريده المجتمع ويصور المجتمع بمثالية ليست موجودة به ؟

اذا ما نظرت الى الكتاب كعمل ادبي ، فلم اكن لاكمله لولا الضجة التي اثارها . وعليه ، يبقى للقاريء الحق في القراءة او الابتعاد. في النقد او التصفيق . ولا يمكن ان يكون مقبولا مهما كان الاختلاف على موضوع الرواية او لغتها بان يتم مصادرتها ومنعها . ان كان هناك ردة فعل خاطئة ، ادت الى ترويج الكتاب وجعله الاهم بين يدي من يحب القراءة ومن لم يقرأ من قبل ، فهو ردة فعل المسؤولين الذين قاموا بمنع الكتاب . حرية التعبير يجب الا تمس ، بالعمل الادبي تحديد ، وبكل ما يخص الحريات عامة.


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s