الموتى لا ينتحرون لسامح خضر

بين جريمة (استهلاكية) في رام الله وبين جرائم ترتكب يوميا سفاحا

 

 

بعد كل ما اثارته رواية جريمة برام الله من ردود افعال لدى من قرأها ، وانا من جملتهم . تيقن الجميع بلا شك ، ان العمل الادبي الجيد يدافع عن نفسه مهما تم ردعه او اخفاته ، كما العمل الرديء ، يتهاوى ويتساقط مهما تمت محاولة رفعه وترويجه.

نحن نعيش في مجتمع مركب لدرجة الهشاشة . هذه صفة المجتمع الذكوري مهما تركبت تعقيداته ، هشاشته ترتبط بوجوده على قاعدة تربية تمجد الذكورة ، وقمة سقفها احتلال يحدد لك سطوتك وجبروتك لدرجة طمسها ، فتكون هشاشتها هي المكون الوحيد الممكن تمييزه.

وفي مجتمع قاعدته ذكورية تقليدية عفى عنها الدهر وسقفه احتلال ، لا بد ان تكون مشاكله في رصدها وحلها ، او طمسها واخفاؤها متساوية . ومن اجل ذلك ، فإن طرح المشاكل الاجتماعية الكثيرة حاجة يجب الاستمرار دوما في طرحها ودق الخزان عليها لكي لا ننسى كذلك في موتنى.

ما استفزني في جريمة برام الله ، لم يكن موضوع التصويرات الجنسية المبالغة بها وتصوير المجتمع كأنه عبارة عن مجموعة من الذكور المنشغلين بأعضائهم الجنسية ويستبيحون انفسهم واقرانهم وكل ما يقترب منهم . فتتساوى الاجناس والقضايا ولا يلبث هناك وطن به قيمة ، ولا قضية ممكن الدفاع عنها  او التعرض اليها بعد كل هذه الاستباحة التي قدمها ذلك العمل .

ما استفزني كان استلاب الحق ممن يملك قضية يريد الخوض فيها ولو لم تلق اتفاقا او حتى كانت محور اختلافنا كمجتمع ، تحت مسمى عمل فني حر ، واستلاب حريتنا في التعبير ازاء غياب الحكمة عن المؤسسة السلطوية التي لجمت حرية التعبير في وقت كان من الممكن ان يكون القاريء هو الحكم الاهم والاخير .

عندما بدأت بتصفح رواية الموتى لا ينتحرون ، وكان الكاتب قد اسر لي هامسا ، انها عن سفاح القربى ، قلت في نفسي ، يا ويلي ، ما الذي سآنتظره ، ايكون عملا استهلاكيا اخر؟

اقول دائما ، ان اهم ما يمكن لكاتب ان يقدمه هو الصدق في تناول القضية ايا كانت . وكنت متحسبة في قراءة رواية بها ضمير الانثى في بعض اجزائها من قبل كاتب ذكر ،رافقني بلا شك لحظات كثيرة استثار بها مشاعري كأنثى . مشاعر الانثى تلك ، الا انني في لحظاتي الاخيرة من صفحات الرواية رأيت نفسي مجهشة بالبكاء وكأنني ” حياة” بطلة الرواية . شعرت بنفسي وكأنني اتحسس اقدام امها وابكي معها . مشهد انساني بجدارة ، لربما لرجل تريد معظم الفتيات ان تراه في حياتها ، بعد كل اخفاقات الزمن عليها .

الموتى لا ينتحرون ، هن تلك الفتيات تحديدا ، اللاتي تسفك دماؤهن بالحياة كما بالموت تحت جبروت رجل ينظر العالم الخارجي اليه وكأنه الحامي .

كم تحدث هذه الحكايات يوميا في مجتمعنا ؟ في مدننا ؟ في قرانا ؟ في حاراتنا؟ ولربما في بيوتنا؟

كم من المهم اثارة هذه القضية والحديث عنها بلا خوف او رعب او تستر ؟ كم مهم محاولة فضح الاجرام في هكذا جرائم متستر عنها بين جدران البيوت ، يطلق السفاح فيها العنان لاقتراف جرائمه ولا رادع له ، وضحية تلو الضحية مسكوت عنها، تعاقب وتحاسب ، وان كتب لها النجاة يكون الموت حليفها.

 

وفي عودة الى النص ، بحبكة تخلو من التعقيدات والفذلكات ، بها من البساطة ما يساهم في التركيز على صفات شخصياتها والاقتراب منهم اكثر. هناك بلا شك عذوبة في التوصيف في اماكن كثيرة ، واستخدام لكنايات تؤكد فيها عمق الكاتب . تستوقفك في لحظات كثيرة في جولتك بالرواية عبارات فلسفية وكأنها تجبرك على اخذ استراحة للتفكر ،قبل الغوص من جديد في رحلة الضحية . رحلة تأخذ بها انفاسك الى انقطاع ما ،بينما تغوص فيك ببحار  انسانية نظنها في اغلب الاحيان قد غرقت .

الموتى لا ينتحرون ، تأخذك الى قعر بئر الحرمان والعذاب الذي تقضي به الضحايا ، وترفعك الى عالم الامل برجل تخطى الذكورة وتصرف برجولة تعدت ،بل كسرت اقفال التستر واصرت على محاسبة المجرم….مجرم لم تكن ضحيته واحدة ، وبين من مات وبين من عاش منتحرا تبقى اصداء جريمته تذكرنا بأن هؤلاء لا يجب التستر عليهم.

 

سامح خضر …..كاتب جريء ، كلماته بها من الاعتداد باللغة عذوبة ورصانة تحملك من البداية الى النهاية على سطور من ادب، يستحق ان يحمل اسم ادب فلسطيني نصبو اليه…..او نحاول بلا رياء تقديم فلسطين من خلاله بقضايا مجتمع انساني ، لا تخدشه فظائع المجرمين ولا المنحرفين. فالقضايا الانسانية هي انسانية اولا واخيرا.

 .

 

 

 

 

 


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s