الامس كان يوما حافلا في اعصابنا كشعب، بدأناه بخبر اغتيال اشاب باسل الاعرج ، الذي ترك طعم المرارة في افواهنا ، بين ظلم متفشي ، وقهر مستمر ، واعظم من كل هذا ، سكوت مطلق من قبل الجهات السيادية ، وكأن ما جرى حدثا عاديا اخر.
وجاء المساء ليدب في نفوسنا ذعر الطفل يزن الشرباتي الذي فقدته عائلته في احراش عمواس ـ اللطرون خلال نزهة عائلية ، ليعيد الى اذهاننا فزع الاختطافات التي عشناها في القدس تحديدا ابان جريمة حرق الفتى محمد ابو خضير منذ عامين وما تلاها من محاولات اختطاف الاطفال . ناهيك عن ذلك الشعور المرعب بالفقدان في هكذا ظروف يكون قلق الاهل فيه متداخل ، بين خوف من ظلمة الاحراش ورعب من قطعان المستوحشين من المستوطنين.
في الحالتين كان الموقف الشعبي هو الفاصل، خصوصا في عدم الاعتماد على الجهات السيادية، فالجريمة الاولى التي حصلت فجر اليوم برام الله ، نشأ عنها شعور متخبط ولا يزال الانسان الفلسطيني البسيط يسأل، اين الموقف الرسمي؟ وعليه ، فان الموقف الشعبي اكتفى بأن يعبر على الفيس بوك وتويتر. اما في الموقف الثاني الخاص بالطفل ، فكان هناك اولا رد فعل فردي تحول الى جماعي، وذلك ليقين الناس ان الشرطة الاسرائيلية في تدخلها لن تتدخل بالامر على انه امر طاريء. حمل كل انسان مسؤولية سلامة هذا الطفل خارجا بصدق نحو الاحراش مقدما ما يستطيعه من مساعدة من اجل ايجاد الطفل.
في الحالتين هناك ام واب احترق قلبهما على وليدهما، وانتفاض الناس هكذا ، يؤكد ان هناك خير ينبض في عروق الناس، هذا الخير تقوم السلطات السيادية ايا كانت بتطويعه او تجميده او تحريكه ودعمه. ما حصل بالامس ذكرني بايام الانتفاضة الاولى ، عندما تحول المجتمع كافة الى لجان شعبية ترعى مصالح بعضها. كانت المبادرات تخرج من الحاجة وتطبق بلا استئذان او مراوغة . كانت المصلحة الخاصة مرتبطة بالمصلحة العامة.
هذا الدرس الذي حصل امامنا بالامس ، يؤكد ان مشكلة مجتمعات كمجتمعنا تكمن في سياداتها وليس في الافراد انفسهم. الافراد انتفضوا في هذه الحالة وهبوا لتقديم ما يمكنهم للمساعدة. ولا اقول ان هذا حادثا استثنائيا ولا يحصل ربما في كل يوم في اماكن مختلفة وعلى اصعدة متغايرة ، ولكن ، هذا الشعور انني كانسان مقدسي ، اعرف انني اذا لم اهب للمساعدة فسيأتي الدور علي لا محالة ، لا يوجد من هو محمي في هذه المدينة من هول الشرور المتتابعة عليها . لا اشك ابدا ، ان حملات الناس في ايام الاختطافات بعد جريمة ابو خضير قد ارهبت كل من تسول نفسه من قطعان المستعمرين المستوحشين ، وكذلك سلطات الاحتلال اذا ما فكرت ان تتستر عليهم. كان الموقف كما في الامس، هبة انسانية جماعية من اجل انقاذ انسان بحاجة لمساعدة . قلوبنا كانت مع العائلة حتى من بيوتنا .
عندما حرق ابو خضير ، حرق المقدسيون نفوس الاحتلال بهبتهم. لان وقع الظلم كان قريبا جدا لا يحمي احد.
ما جرى بالامس بجريمة باسل الاعرج ، لماذا لم يخلق هبة في الشارع برام الله ؟ ربما لأنه ليس ابن المدينة تلك ؟ هل فكر الانسان الفلسطيني انه محمي لطالما انه ليس مطلوب من قبل اجهزة امن الاحتلال او السلطة؟
هل هناك اعتقاد ان ما جرى كان عرضيا ، وحالة فردية تخص شاب اراد ان يتحرر ؟
ما الذي اختلف بين ما يجري من ردود فعل فيما بين القدس ورام الله ؟ اهو وجود السلطة؟
ربما ان الانسان العادي يتوقع ان المطلوب والطبيعي ان تتدخل السلطة في هكذا حال ، ولكن مجرد وقوف السلطة موقف الحيادي وكأن الموضوع لا يعنيها ، جعل الافراد يتعاملون بنفس الطريقة . كيف لي ان اقوم بردة فعل بينما من يفترض ان يكون هناك لحمايتي وليرد الفعل عني صامت ، بل جزء مما جرى . هل ما جرى عملية ترهيب جماعية تم التحذير فيها لكل من تسول نفسه ان يحذو حذو باسل ان مصيره الموت المحتم ، ان لم تصله الرصاصات سيتم التأكد من تسريحه من الدنيا بصاروخ؟
اين الشعب الذي خرج فرحا من اجل اراب ايدل ؟ لماذا لم نر مظاهرات ولم نشهد اي حشود جماهيرية ؟ لماذا لم يخرج شعب الاراب ايدل الذي يستحق الفرحة الى الساحات العامة مع شمعة ودمعة ووقفة للحظات من اجل روح اغتالها الظلم والاستبداد؟
شعب بوصلته مفقودة….. يتحرك بردود فعل لحظية… في كل مرة تصر القدس فيها على ان البوصلة المفقودة تلك ، هناك في نبض ابنائها …هؤلاء …الذين فقدوا الوطن منذ زمن ، ولكنهم لم يفقدوا انفسهم بعد.


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s