في لقاء متلاحق لثلاثة ايام ، تحاورت مع ميكو بيليد ، مؤلف كتاب ابن الجنرال . منذ نشر الكتاب منذ اكثر من خمس سنوات وميكو يجول العالم ليدافع عن القضية الفلسطينية تحت عنوان ابن الجنرال.

قد يكون ميكو في تشكيلته اغرب ما يمكن توصيفه في فهم تحول الانسان من حال الى اخر . من موقع الى اخر معاكس تماما . من انسان الى اخر…. في حالة الانسان اذا ما كان فلسطينيا او اسرائيليا.

يجوب العالم بلا هوادة حاملا كتابه متحزما بالكوفية وموشوما بشعار ال (بي دي اس) وكأنه جنرالا حقيقيا .

الا ان سلاحه كتابا ، وبدلته العسكرية ، وشاحا بكوفية وتي شيرتا يحمل شعارا به مناصرة ما للقضية والشعب الفلسطيني .

بدأت حديثي معه بتهكم غير مقصود . الا انه جزء من ديباجة الحوار اذا ما حصل بين فلسطيني واسرائيلي . بداخلي لا اشتري كثيرا ما يبيعه الاسرائيليون من كتبة السلام . واعرف ان اولئك المؤمنون فعلا بالقضية الفلسطينية لا يمكن لهم ان يعيشوا على كفتي الاحتلال. لا يمكن ان تكون اسرائيلي بلا ان تكون صهيوني . ولا يمكن ان تكون صهيوني وتؤمن ان وجودك لا يعني ان يكون على وجود الفلسطيني .

وافهم بمكان ما بداخلي كيف لانسان ان ينشأ على ما يتربى عليه منذ ان يأتي الى الوجود بهوية تصقله من اللحظة الاولى . فليس من السهل ان يتغير. الا انني اعرف ان “حالة” آل بيليد بها بعض الاختلاف . فنوريت بيليد ، الاخت الاكبر لميكو كتبت في نفس الفترة كتابها ، اعتقد انه اهم ما يمكن ان يستخدمه الفلسطينيون (في حال كان هناك من يفكر من السياسيين المخضرمين عندنا) في مواجهة الالة الترويجية لاسرائيل بالنسبة للتعليم . فلقد قدمت نوريت “هدية” بالغة القيمة للمجتمع الدولي وللفلسطينيين في فضح المناهج الاسرائيلية التي تدس الكراهية منذ اللحظة الاولى لدخول مدرسة ، وتكون محصلتها طبيعية في جندي لا يرى من الفلسطيني الا “اخر” يجب قتله. نوريت فقدت طفلتها ابنة (١٣) عاما في عملية استشهادية في القدس الغربية في الانتفاضة الثانية ، ولقد ذعر الرأي العام الاسرائيلي حينها عندما خرجت لتلوم اسرائيل على موت ابنتها .

تلك اللحظة لم تغير نوريت وعائلتها فقط ، بل يبدو انها كانت لحظة الانفجار التي غيرت ملامح العائلة الصهيونية الرائدة ، لتصبح عائلة تناهض الصهيونية وتعلن على الملأ ان الصهيونية شر لا ينتهي الا بالتخلص منه .

“ولماذا تبقي جنسيتك الاسرائيلية ؟ ” قلت له وكأنني احاول حشره في زاوية . رد علي ،وكان يبدو انه سمع هذا السؤال او حتى كان ينتظره بتلقائية مئات المرات . ” لانني اذا تخلصت منها ،ستتمكن هذه الحكومة من التخلص مني. فلن يسمحوا لي بالدخول الى هنا ، ولا اريد الا اكون هنا “.

سألت بتهكم حقيقي : ” اين هنا؟ ”

“فلسطين ” . اجاب بحزم. واكمل : ” لا يوجد اسرائيل . عليك فهم هذا. عاجلا ام اجلا . بل اجلا ستنتهي . وهذا اليوم قادم وقريب. ستكون هناك دولة واحدة ، ويكون الغلبة فيها للفلسطينيين. هذه دولة عنصرية. انظري ما جرى في جنوب افريقيا. هل كان احد يتوقع ان يصبح مانديلا رئيسا؟ ”

اكملنا الحديث وكنت ابدو “صهيونية” امامه . وكاد ينقض علي عندما قلب بأنني اعترف بوجود اسرائيل . فاسرائيل بنهاية الامر نتيجة قرار اممي ، ونحن اليوم نبذل كل الجهود من اجل اي اعتراف من هذه المؤسسة الاممية.”

“هراء” . رد علي وصار يبدو عليه توتره مني . ولا بد انه فكر كم سخيفة وغبية هذه المخلوقة . ولكنني اصريت : ” نحن نعيش في زمن تحجمت فيه احلام دولتنا الى ما منحوه لنا في اوسلو وما يفاوض عليه قوادنا. لم اعد اعرف شكل الخارطة التي تربيت على انها فلسطين ، وتأتي الي اليوم وتقول بأن اسرائيل ستزول. كيف ستز،ل وكل ما يجري يزيدها تعنتا وتوسع.”

رد علي واراد ان ينتي الحديث ، وكأنه سئم من حديث مطوع اخر وقال : ” اسمعي ، فلسطين ستنتصز . فتح وحماس ليسوا فلسطين . المنظمة ليست فلسطين. هذه السلطة ليست فلسطين ، وستبقى طالما اسرائيل موجودة. الا ان الفلسطينيون هم من سيكون اصحاب ارض فلسطين . هذه اسمها فلسطين . لا يوجد شيء اسمه اسرائيل . لا يمكن لدولة ان تقوم على دماء اخرين وتكون دولة سلام او سلم . في يوم ما سننتهي الى حل دولة واحدج يكون فيها لكل انسان صوت ، وحينها ستنتهي اسرائيل بلا اي شك.”

لم اترك اي انطباع ايجابي بلا شك امام ابن الجنرال الصهيوني السابق. لم اكن اعرف عنه الكثير ، الا ما اتابعه من خلال تعليقاته ومقابلاته . وكنت قد قابلته في اكثر من مرة في محاضراته ولكني ظننت انه اسرائيلي اخر يريد ان يصبح جنرال سلام .

حصلت على الكتاب بالعربيةبعد زيارة له في منزله. وبدأت بقراءته لأدخل رحلة غريبة . بدأت بذهولي ربما . في قراءة عادية كنت سأترك لخيالي العنان في التفاهم والتفاعل مع الاماكن والتفاصيل . الا انني شعرت وكزنني دخلت في مصيدة ما . فلقد كنت قبل يوم جالسة في هذا المنزل الذي خاض اصحابه صناعة جزء من تاريخ هذا المكان. تاريخ كان هو يسمي فيه نكبتي استقلالا ونكستي انتصارا ، وكان في ذلك البيت يتزاور زعماء الصهاينة الذين قتلوا وشردوا وبعثروا وستتوا ما كان لي من وجود.

تاريخ تربى كل واحد منا في مكان موازي على ان يقرأه من كتب مختلفة بمصطلحات اقرب الى التوأمة . ففي تاريخه ما كان يقوم به والده كان يسمى مقاومة وما تربى ليعيشه كان تحريرا وكان والده كذللك يقاوم الاحتلال البريطاني!

وفي نفس تلك الصالة كنا نجلس ، وكنت انا بصمت اقرب الى الاضمحلال افكر ، ليس بعيدا من هنا سقطت القدس باستشهاد عبد القادر الحسيني . وبينما انا اليوم افكر بأن لاسرائيل وجود بقوتها امام انهياراتنا ، كان دوي صوته يردد في رأسي الفلسطيني هو اصل هذا المكان ، واسرائيل ستزول .

“اسرائيل دولة عنصرية ” اعادها مرارا وتكرارا. “اسرائيل تمارس التطهير العرقي وتقوم بالمذابح “.” نعم بمنهجية وطريقة ذكية. وكنها ستسقط. ستسقط بفعل المقاطعة . لا يمكن ان تستمر” .

استمع اليه وافكر من جديد، وارى نفسي اسأله بينما يتردد السؤال في رأسي : ” قل لي ، كيف تزول ، ولقد كان مصطفى البرغوتي (وهو ليس فتح او حماس) على سبيل المثال قبل ايام يطلب من الاتحاد الاوروبي الاعتراف بفلسطين؟ الا اتفهم اننا لا نقوى على فعل شيء . نحن لا نستطيع ان نقوم بانتخابات ” .

وفي كل مرة كان يحاول قمع جبني ، كنت افكر بهزلية الموقف . اسرائيلي حفيد احد صناع دولة اسرائيل وابن جنرال قاتل في حروبها المدمرة ضدنا . يقول لي اننا سننتصر على الكيان الاسرائيلي . يؤمن بحق ان فعل المقاومة والمقاطعة سيكون هو السبيل للضغط الاخير على اسرائيل .

بينما غرقت بقراءة الكتاب ، اصبحت اقرب لفهم ايمانه القوي بما يروج له . فلقد حصل في حياته تحول لا يمكن الرجوع منه . تلك اللحظة التي كسر فيها صوامع العسكر الذي صنع حياته وقضى على حياة ابنة اخته ، ودخل الى ذلك العالم الممنوع وتجرأ ان يتحدث الى الفلسطني وبراه ويتعامل معه ، اكتشف الكذبة الكبرى في حياته كلها . تلك الحياة التي عاش فيها يسمع فيها عن العدو في الشارع او الحارة او المدينة المقابلة ، والذي بلحظة اقترابه منه سيقتله . تلك الكذبة بأن الفلسطيني ان لم تقتله قتلك . تحطمت امامه عندما تحدى الخوف وبدأ برحلته الى الجانب الاخر. وكأنه دخل في رحلة تحرر من اعماقه جعلته يواجه الحقيقة بتصالح لم يكن ليكون لو لم يحاول . لو لم يتغلب على خوفه .

كم هناك بهذه الحياة .بمصادفة بحتة …تماما وبالقرب منا ، اناس يشكلون مثالا للانسانية كما يجب ان تكون . في تلك الجهة المقابلة والمعاكسة تماما ، يخرج اناس ليصبحوا ابطالا بطريقة ما . مختلفة تماما .ولكن بلا شك تكون درس حياة .

كيف تأثر ميكو بوالده ،وكيف احب حياته وتفاخر به وبعائلته وتربيته الصهيونية ، وكيغ تمكن من تحقيق حلمه بأن يكون جنرالا كأبيه .

في يوم ، قريب اتمناه كما يراه ميكو ، سيصبح اشخاصا مثله ابطالا يدرسوا في المناهج . اطال لم يحملوا السلاح ليقتلوا . ابطال حاربوا بالفعل من اجل الحق والعدل والمساواة .

ابن الجنرال … يجب ان يقرأه كل من يبحث عن الحقيقة ولا يترك لغير طريقها طريق له.

ميكو بيليد جعلني اخجل من نفسي . جعلني اخجل من هذا الانصياع والتطويع الذي اعيشه تحت مسميات سلطة وجودها تكريس للاحتلال .


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s