هل تفرد درويش بايقاع شعري لم يتناوله من قبله الا امرؤ القيس؟

في عنوان مثير لكتاب زخم بالحجم والمضمون لكل من يحب الابحار في سفينة تجوب بحور الشعر للموسيقي الفلسطيني خالد جبران في بحثه الجدلي عن ايقاعات القصيدة العربية ، يبقى السؤال الاهم هو عنوان هذا المقال .

الكتاب المكون من اكثر من ٨٥٠ صفحة بعنوان “اذان في بحور الشعر :امرؤ القيس ـمحمود درويش و١٥٠٠ سنة” ، يظن القاريء ان المسافة الزمنية ما بين امرؤ القيس الى محمود درويش هي مضمون هذا البحث. الا ان الكاتب يقر على تأكيد ان المقصود انه منذ امرؤ القيس لم يتفرد احد بايقاع صوتي في الشعر العربي الا محمود درويش.

عندما تسمع الكاتب في جدليته الممتعة عن محمود درويش ،وتحيزه المطلق له ، تبحر معه بانسجام بمجداف يتحكم ببزاعة في ايقاعه ، فتسمعه يردد ايقاع محمود درويش الذي عهدناه ، مما جعلني اتفق معه بنعم كبيرة ، ان ايقاع صوت محمود درويش متفرد ، ولكن كيف لنا ان نعرف كيف كان ايقاع امرؤ القيس بصوته؟

ما نعرفه عن امرؤ القيس ان لكلماته نفسها ايقاع يمسك بالقاريء فيبصر وبسمع ويجوب في انحاء ذاك البيت ويطوف فينا بقصيدة كمن يتعرف على مدينة بزقاق واصوات واشخاص.

ولكن بما اننا على يقين بأننا لم نعرف ايقاع صوت امرؤ القيس بصوته ، فلا يمكننا ان نقارن الايقاع الصوتي بنفس الدرجة ، فنحن عاصرنا محمود درويش ، كما صوته تم تسجيله وتناوله . فعن اي ايقاع كان قصد الكاتب؟

وهنا بدأ التساؤل ؟ هل فعلا نستطيع ان نقول ان ما بين امرؤ القيس ومحمود درويش فراغ في ايقاع الشعر بتفرداته ،فلم يأتنا بجديد احد الا محمود درويش؟

افهم اننا ننحاز احيانا لشاعر او كاتب او فنان او غيره ، ولكن هل هذا حق بأن نلغي ارث كامل من الشعر في هذه الحالة ونجعل من محمود درويش متفردا في ابداع الشعر كما تركه او اينما توقف امرؤ القيس؟

من ناحية ، يحتاج المرء ان يكون متبحرا في عالم الشعر والبلاغة ليفهم اكثر ، ولكن الكاتب هنا ومنذ البداية اكد لنا ان قاريء الكتاب لا يحتاج بالضرورة ان يكون شاعرا ولا اديبا ولا عالما بالفن. مثله هو الذي لا يعرف عن الشعر شيء عندما يأتي الموضوع الى تفاصيل تركيب الكلمات والبلاغة . انما هو فنان ويلحق ما تجذبه اليه اذنيه . وهنا سحره درويش.

ولأني لست بشاعرة ولا افهم الشعر واعترف بأنني لا استمتع الا بالقليل منه ، ولكني اتذوق عذوبة الكلمات وتستهويني البلاغة بعجائبها واحترافية نحوها .

فأفهم مثلا ان ” قفا نبكي من ذكر حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل ” تجعلني اشعر بايقاع الكلمات واتصورها ، وقد اسمي هذا ايقاع بصري، فانا استطيع ان ارى كيف يقف الشخص ويبكي وصديقه الخ… واستطيع اذا ما سمعت هذا البيت من قاريء جيد ان استمتع اكثر واتذوق ايقاعات سمعية في تلك الكلمات. فالبيت يتفتح امامك وكأنك تدخل في معزوفة موسيقية عظيمة . ف” مكر مفر مقبل مدبر معا كجلمود صخر حطه السيل من علي” اتخيلها منذ تعلمناها في صفوف الاعدادية كما اتخيلها اليوم ، استطيع ان اسمع وقع اقدام الحصان وتتبغثر رمال الصحراء وغبارها لدى ترديدي للكلمات . استطيع ان ابني مشهدا كاملا من تلك العبارة حتى انها قد تأخذني الى حالة متكاملة من تصور متتابع لما هو اقرب من الملحمة التاريخية.

استطيع ان افهم الايقاع بهذا المضمون ، ولا احتاج بالضرورة لان اسمع امرؤ القيس يلقي بيت الشعر لاشعر بايقاعه والحق به.

ولكن عندما يقول محمود درويش (وفي هذا الصدد انا استخدم امثلة تناولها الكاتب في حواره) “يطير الحمام ، يحط الحمام ،اعدي لي الارض كي استريح. فاني احبك حتى التعب”.فلا اعرف بالحقيقة ما ذا اتخيل من تلك الكلمات اكثر ما اسمعه بايقاع قراءتها باي طريقة الا بتلك التي يقرؤها محمود درويش بنفسه.

لا استطيع ان انكر ، ولا يمكن ان انكر عبقرية محمود درويش وكذلك قيمته الادبية الشعرية. بل اقول ان محمود درويش ابدع في حالة متفردة في انتاجه الشعري ، اهم ما تفرد به هو ايقاعه الذاتي . طريقة القائه كانت مكملة لكلماته . فجعلت منه اقرب الى الشاعر الساحر . وفعلا ايقاعه الصوتي لا يمكن خدشه بنقد.

ولكن ان نقول ان التاريخ الشعري لم يشهد احد ما بين امرؤ القيس ومحمود درويش بتفرد ايقاع شعرهم فهذا ظلم بالغ.

ولا يحتاج الموضوع الى ضلاعة بالشعر و ويكفي مرور بنزار قباني لتقريب معاصرة ايقونات الشعر في زمننا الحديث. اتفق ان القاء نزار لاشعاره لم يكن بايقاع مميز ولا حتى قريب من التميز ، ولكن هل يختلف اثنين على ان نزار قباني ترك مدرسة لا يمكن ان ننكر ان محمود درويش احد ابنائها النجيبين ؟

ماذا نقول في جبران وادونيس ؟ ناهيك عن العشرات من الشعراء المتفردين فعلا بما قدموا للشعر ؟

عندما اسمع تميم البرغوثي على سبيل المثال اشعر بالخشوع بين وقع كلماته وايقاع القائه ، الا يمكن ان نصف تميم بالمتفرد بكلماته واشعاره وايقاعاته السمعية والبصرية والطربية ؟

اعترف انني لا انتمي لمدرسة التمجيد ، واقر انني مع اعطاء الحق لكل انسان ترك بصمة ،منهم محمود درويش. فما قدمه للشعر العربي يدرس. ولكن من المجحف بحق الشعر العربي ان نمسح ارثا حقيقيا شهدنا به وتعلمنا منه الكثير ، وكان درويش وغيره نتاجا لهذا الارث. فهناك العشرات في القرن العشرين وهذا القرن الذين تركوا بصمات خالدة في عالم الشعر ، فكيف يكون الامر بشأن اولئك السابقين من زمن المعلقات مرورا بالمتنبي وابو النواس وغيرهم. في تلك العصور كان النثر اكثر ايقاعا من شعر اليوم . فيكفي ان تقرأ في مخاطبة للنفري لتغرق في عوالم حسية غير ملموسة لا تفهم سحر الكلمات تحملك وكأنك في حالة سكر او هذيان.

بلا شك ان جهد خالد جبران كان عميقا وحثيثا ،وشغفه نحو محمود درويش مستحق.

ولكن لا يمكن القبول بفكرة ان ما بين امرؤ القيس والالف وخمس مئة سنة كان من الفراغ الابداعي حتى جاء محمود درويش لملء تلك الفجوة .


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s