“سامح خضر و”العدو بساق واحدة

 

نظرت الى العنوان للوهلة الاولى، وكان يذكرني بشيء ما، بدا قريب من كتاب ما. بلحظات سريعة ذهب ذهني الى “ساق البامبو” . قبل تلك اللحظات، كنت قد التقيت بسامح خضر ورسمت له صورة تشبه المظهر الذي رأيته فيه، شاب وسيم، انيق، لدغته بالكلام تجعلك تظن انه لا يعرف التكلم ، فتتفاجأ عندما يسترسل بالحديث بكم ثقافته ومعرفته. كما موقعه بمتحف محمود درويش، تظنه اسقاطا سلطويا متعارف عليه، حتى تنتبه الي تواضعه ودماثته وتواضعه الواثق، فتجده لا يمت للسلطة الحالية بصلة. ثم تظن انه يحاول اضافة شيء ما الى مركزه الثقافي فقرر الكتابة، الى ان تبدأ بقراءته وتصاب بصدمة حقيقية . اي ترابط ورصانة وتسلسل يخاطبك مباشرة بلحظات وبنفس تلك اللحظات يجعلك تقرأ بانفصال وتركيز مع الشخصية. شخصية يوقعك بشركها . فضمير الغائب هي الطريقة المنتقاة ولكن هذا الغائب يحضر بقوة اليك.

كنت دائما من محبي صيغة الانا في الكتابة ، فأشعر ان الكاتب يواردني فاتماهى معه . وطبعا تلك الانا اسهل للكتابة، خصوصا اذا ما اردت ان تحاكي واقعك الخاص، فهي تخرجنا من مأزق بلورة الحبكة وتحديد مسارها . الا ان هذا النهج بالكتابة الذي يجعلك تتعاطف وتتماهى مع ذلك ال”هو” او ال”هي” يقدم بلا شك وليمة للقاريء تجعله يتناول المحتويات بأمن مطلق. يعرف انه عندما ينتهي من رحلة الكتاب هذا ، سيجري بعض التساؤلات الشخصية ويعي تماما بالمقابل ، ان الشخصيات المستوحاة مما يبدو خيال الكاتب لا تخرج عن الصفحات ، موقنا انها بالرغم من تأكيد انها خيالية ، ليست الا حقيقة تشكل اصحاب تلك القضية.

في الرواية الاولى التي قرأتها لسامح خضر ،” الموتى لا ينتحرون” ، شعرت بنفسي ادق خزان تلك الحقيقة المخبأة بمجتمعنا بين زقاق القرى والمدن ، في الغرف المغلقة وخلف الابواب الموصدة . تلك الحقيقة التي نعرف عنها ولكننا نفضل ان لا نتعاطى معها ، لانها بالنسبة لنا لن تصلنا . الا انها قريبة جدا منا ، ونفضل ان ننعم بالنكران.

بينما بدأت بتقليب الصفحات الاولى، حضر امامي وبقوة ذلك الشاب في” ساق البامبو” . فهمت على الفور لماذا اخترقني العنوان عنوة.

ولكن ، كعادة سامح خضر باحترافيته بالكتابة التي مرة اخرى تفاجيء القاريء ، هناك استقلالية مطلقة . فكأن كل كلمة يكتبها تخرج من هوامش قاموس لغته العربية الثرية بلا تكلف ولا تردد. وقع الكلمات يأتي كالرصاص.

منذ اول كلمة ، شعرت وكأن مسامات جلدي قفزت من مكانها ولم افهم لماذا ، كان الكاتب لا يزال يقول يا هادي. واذ بي افهم بالطبع كيف يخترقك كاتب عنوة ، بلا تردد وبرحمة مباغتة، يطبطب عليك.

يروي سامح خضر في هذه الرواية شهادة جيل كامل من العائدين مع حلم اوسلو المتعثر الخطى منذ لحظة تشكله.

جيل كامل ، قريب من جيلي ، لطالما تهكمت على اقحامه لمساحاتنا في وطن ظننت انني ابنة الانتفاضة الاولى جزء من تشكيل ما سيصبح عليه من وطن . وطن قبلت بأوسلو ان تشكل ملامحه املا في تحرر قد يبدأ بمدينة ليصبح وطنا مقيد بتنسيق يرتدي بزته العسكرية جندي فلسطيني يأخذ اوامره بتنسيق من حاكمه الذي لا يتحرك خطوة بلا التنسيق من الاحتلال .

تلك الفكرة عن العائد الذي جاء بكرش منفوخ وبدلة من امجاد الثمانينات السخية على المنظمة والفلل التي ملأت رام الله وحولت مدينة غزة الى منتجع سياحي يديره وليدي النعم.

لم يخطر ببالي قبل تلك اللحظة ان هناك عالم اخر من اللاجئين والمهجرين الذين عادوا من المنفى، بذكرياته الخاصة ، خصوصا لاولئك الذين ولدوا وكبروا به، مع حلم العودة، على اول قافلة ليتنفسوا حلم العودة. ليرجعوا للوطن، لفلسطين تلك التي هجروا وسلبوا وتشردوا من اجلها.

“قاسم”  في “يعدو على ساق واحدة” يقدم شهادة لمخرجات اوسلو التي كانت منذ لحظة ولادتها مكبا لا حضنا للوطن. كيف يعدو الوطن اكثر قسوة من المنفى في المشي قدما نحو حلم، لا يمكن تركه لانه نشأ معك منذ لحظة وجودك. تأتي الى الوطن ولا تجده . تلجأ الى ابناء جلدتك وتراهم اكثر قسوة من اولئك الذين ذاقوا مرارة ان تكون مهاجرا في دولهم. تلك الشعارات من عروبة واخوة تراها تذوب في وقائع حياة الفلسطيني في المنفي . وتمسي كقطرات ندى في يوم شديد الجفاف عندما ترجع الى ما  تمنيته وتمسكت به وتحملت الهوان من اجل ان تكون فيه …الوطن.

كيف يرجع الانسان من المنفى ساعيا للحرية ، فيجد نفسه اسير مجتمع مليء بالمفارقات لم يتقدم به الزمن مع هول الاحتلال. ففي مكان لا تستطيع الا ان تتخيل امال ذلك الشاب الذي نشأ بالقاهرة وهو ينتظر لحظة التحاقه بجامعة القاهرة المواربة لطريق بيته ، فيجد نفسه بجامعة غزة لاجئا اليها كمخرج من زقاق شبه البيت في مخيم جباليا الذي منحه له الوطن، ليصطدم بواقع مركب من العادات التي ظن ان الزمن عفى عنها وبلحظة يصير المنفى السابق حلما جميلا بكل تفاصيله .

لم استطع الا ان اتخيل اخته “ليلى” التي كانت بلا شك تلوذ بنفسها حول نفس الدوامة . صرت “ليلي” في مكان ما وانا احاول استدراج خطوات “قاسم” بالجامعة التي ينقسم الدوام فيها الى ورديتين احدهما للذكور واخرى للاناث.

تستطيع ان تشعر بايقاع انفاسه وهو ينقل لنا خذلانه واحباطاته ومحاولاته البائسة بالتكيف مع مكان يتقن رسم تفاصيله للقاريء .

اوسلو ومخارجها التي اغلقت على هذا الشعب مرافق ما يمكن ان يكون من حياة بها حرية. افاقها لا تتعدى ايجاد بقعة لك تؤكد فيها على بقائك . تكبر وتضمحل على حسب امكانياتك والاكثر على حسب قربك لتلك السلطة.

سامح خضر ، كان يعدو بساق واحدة منذ تلك اللحظة التي دخل فيها الى فلسطين. تشعر بخطواته العرجاء في البداية في مشي بين زقاق . لشاب كان من المفترض ان يكون سليما، ولد ببنية سليمة. تلك الرحلة من وطن منفي الى الاخر ، من غزة الى رام الله . وقوع وارتطام والتقاء بالحضيض، حتى صار العدو بساق واحدة هو احتراف .

ذلك الشاب الذي نراه اليوم يقف كنجم في باحات محمود درويش حاضنا لامسياته الثقافية .

هذه الرواية هي شهادة حية للعائدين.

كيف تعدو غرية الاوطان بعد الرجوع من المنفى . ذلك الوطن الذي عشت لتكونه فيصبح هو

منفاك .

غربة لا تنتهي من منفى الى مهجر الى وطن. عندما يصبح الوطن هو الكابوس. عندما يصبح الوطن هو المكان الذي يضيق بك . تمسي كما تصبح ايامنا بحرقة مولعة..

كما في كل مرة، توقفني هكذا قصة امام نفسي . نفسي تلك المدللة ، التي اظنني بها الوحيدة التي عاشت مأساة ما كامرأة امام ويلات الحياة. لاقف مرة اخرى امام نفسي لافهم ان الانسان يأتي محملا بويلاته الخاصة . فكم كبرت ويلاتي بنفسي لاعرف بان هكذا ويلات ليس لها مكان امام آلام التشرد والمنفى والغربة والمهجر في وطن لا نزال نحلم به . وطن نحلم ان نعيشه.ويكبر خذلاننا في عيشه مع كل لحظة. وطن يتدارك منا كما تداركناه .

عندما يصبح المنفى هو مكان وطن الذكريات الحالمة.

بين كلماته الحية وانعكاس صوته بالكلمات ، تحول الاحلام الى اوهام وابعد .

قدرة الانسان على التكيف من اجل البقاء في  ذلك الصراع اللا منتهي

عندما تصبح الاحلام اوهام وابعد….

شجون وتوق، قد يلتقي بهما، اولئك الذين ذاقوا مرارة الصراع من اجل ان يكونوا…فيصبحوا بنهاية الامر بتحدياتهم وايمانهم الحقيقي بأنفسهم.

 

هناك حقيقة يوقعها امام مسامعك. تدق بك فجأة . تنتهي منها ولا تفهم ما الذي جرى لك.  ولكنها لا تشعرك بالارق او الغضب او اي شعور سلبي. هناك انسان ما يحكي قصه حقيقية بقالب روائي بلا اي تردد ومع ذلك بلا اي خدش لمشاعر  اي كان من يقرا. يحافظ على الحقيقة بلا غضب . بتصالح ربما، قام به مع نفسه منذ زمن، لانه لا يمكن ان تكتب بهذا الكم من الصفاء بدون ان تكون قد تصالحت مع  نفسك اولا.

 

ومع هذا تبقى الحقيقة مدوية بالعبارات.  هناك تماهي لا يمكن للقارىء الا ان يشعر انه جزء منه .  

سامح خضر يجسد الصمود الفلسطيني في سباق الوجود،  في عدوه بساق واحدة.


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s