Monthly Archives: June 2017

للمنهزمين تاريخ يجدد نفسه

المخطوط القرمزي ـ انطونيو غالا

كم من المرات نمر بكتاب نتوقف امامه كثيرا حتى الهوس. وكم من المرات توقفنا هكذا كتب كالمرآة تعكس دواخلنا ؟ وكم من مرات يأتي كتاب ليقرأ لنا تاريخنا غير المكتوب بعد ، لنتعظ ربما؟

انطونيوا غالا في المخطوط القرمزي ، ام ابا عبد الله الصغير اخر ملوك الاندلس ، يحكي لنا في يومياته ما نحرثه اليوم من اجل حصاد قادم في تاريخنا .

اهي غرناطة وتاريخها العتيق في تشابهه والقدس ؟ هل يمكن ان يكون سقوط الاندلس هو نفسه سقوط فلسطين الذي لم نقر به بعد؟

كم من المرات قرأنا التاريخ من جانب واحد ، وكم من المرات تعلمناه؟ بل لم يكن الا مرات محددة وواضحة لتعلمنا التاريخ ، ذلك التاريخ المنقوص من الحقائق والمتوقف عند زمن رفضنا اجتيازه .

يوقفنا انطونيو غالا بملحمته الادبية هذه عند التاريخ المكتوب بلسان المنهزم لا المنتصر .

وككل مرة, ان الراوي مهما حظي من علو شأن او دنو ، لا يمكن الا ان يكسب تعاطف المتلقي ، حتى ولو كان القاريء يشهد على ارتكاب جريمة ، او التنازل عن وطن ،او اعلان الهزيمة من قبل المهزوم..كما في روايتنا هذه .

وكعادة الاعمال الادبية الرفيعة المستوى ، تتوه كقاريء بين الابداع في الحبكة بين حقيقتها وبين خيال الكاتب ، لتذوب بالنهاية مآرب الكتابة وتترك امامك كقاريء حرية القرار فيما بين الخيال والحقيقة .

وكما في كل قراءة كهذه اجد نفسي وقد التهمت الكتاب كمن يجلس على وليمة وقد تضور من الجوع . فانظر الى الكتاب ولا اكاد ادرك اوله من اخره ، تنتفخ الصفحات ووتمزق بعضها وتشت عن موقعها بعضها الاخر ، وتأخذني القراءة اضعاف ما تأخذني عادة في انهماكي بتدوين كل ما يوقفني درب عقلي اليه ، وفي هذه الحالة كان الكثير الكثير .

وهنا لا يمكن التوقف امام نص ادبي بلا التخيل او بالاحرى قراءة الواقع الذي نعيشه من خلال النصوص. كان ابو عبد الله الصغير محبا ومخلصا بطريقته ليكتب باخلاص وصدق سيرته تلك (علي حسب حبكة الكاتب) . حاسب نفسه ربما من خلال مراجعته الدائمة لنفسه من خلال مجريات احداثه . اعترف انه لم يكن مخيرا عندما صار سلطانا ، وفي لحظة صار هو صاحب القرار كانت المؤامرات كما كانت دائما لا تسعفه على اتخاذ اكثر من قرار الاستسلام . قرار الاستسلام عن غرناطة التي بها سقطت الاندلس . بسقوط غرناطة فرطت الرمانة الاندلسية بعد ثماني قرون من الحروب على تملكها .

لم استطع ولو حتى للحظات الا ان اتخيل الكاتب في شخص حاضر اليوم . لو قرر ابو مازن كتابة مذكراته ، هل سيكتبها كما كتبها ابو عبدالله ؟ والسؤال الاهم هو ، كتب ام لم يكتب ، هل هذا ما يحدث في دهاليز الانهزامات ؟

قد نقرأ التاريخ من وجهة نظر المهزوم ، وقد نحاول تفهم وجهته من الانهزامية وقد يبرر لنا الخيانات ومآرب القواد التي تبنى عليها المصالح ويدمر تحتها الشعب وتضيع الاوطان تحت شعارات القومية والدين،ويزيد المتنفذون نفوذا ويقسم الوطن كسجادة من الفسيفساء يتم خلع حباتها حبة حبة فتتشوه وتفقد كل شيء الا ما كان هيكلا يشكل حدودها وبعض الحبات التي لا تنفع ولا تقدم . او كما وصفه الكاتب

لا اعرف ان كان من يكتب يعي انه بكلامه يخلق جزء من تاريخ قادم لجيل غير موجود بعد سيعتمده واقع ويحلله ويؤوله ويحكم عليه . الا ان سلطاننا في هذه الحالة كتب بوعي لان من سيأتي لاحقا سيكتب ويقرأ باختلاف وحسب حاجته وغرضه .فيقول :

“لا يهمني ما سيكتب الذين سيكتبون عن هذه الاحداث التي نعيشها نحن . هم سيأتون بعدنا ،وبأيد نظيفة سيرسمون مربعا ومفهوما وحدودا لا خلاص منها بيننا . وسيحكون بجمل مدح او مرارة ـحسب الطرف ـكيف انهارت هذه الحدود . على الشعوب والاطفال ان تفهم كتب التاريخ :يجب ان تكون بسيطة جدا وتعلي من لصالحهم الاعلاء ، السيءهو الذي يخسر والطيب هو الذي يكسب . ثم ان من يربح هو من يحكي التاريخ”.

ولربما على حكامنا اليوم ان يتعظوا ويعرفوا انهم كما وصف ابو عبد الله وضعه ووضع من سبقه من سلاطين :

“تركونا نكذب على انفسنا ونحلم . لأننا كنا مؤقتين واي مالك جريء او اقل تفهما يستطيع ان يرمي باثاثنا في عرض الشارع . لقد تسلوا بنا كفاية ، اصطادوا وجروا كفاية ، وسئموا منا الصيد والجري، بدلوا نغمتهم . ربما كان هذا لا يرى الا من هذا الجانب هنا ، من هذا المنظور الذي يقدمه مرور القرون البطيء ، حتى ولو شوهد يوما بيوم كما اشاهده انا الان ، ما الذي يستطيع ان يفعله شعب الا ان يستمر منتصبا على قدميه،ويحاول الاستمرار منتصبا على قدميه ما استمرت حياته ؟”

وهنا ننظر الى تاريخ يقوم الصهيونيون بتزييفه ليصنعوا من الواقع حقائق لماضيهم الذي تاه منهم ، ونتركهم ليطبقوا علينا خطط الصليبيين تحت كذبة الحروب المقدسة التي احترفناها نحن كذلك ، وبدلا من التركيز على عدونا ، لا نزال نتمسك بقواعد المنهزمين القدماء بتاريخنا.

وكما فعل الاسبان بالمسلمين حينها ، يعيد التاريخ تكرار نفسه ولا من متعظ، فسياسات الاستعمار ابدا لم تنته ، فكان الانتصار دائما “بفرق تسد”.

كما يؤكد غالا مرة اخرى على لسان ابي عبد الله الصغير:

ف “سلاح زرع الشقاق كان السلاح الامضى ضدنا والاكثر اثمارا .فما ان يوضع بين ايدينا حتى نتكفل نحن انفسنا بأن ينزل فينا اكبر الاضرار. صحيح ايضا اننا نحن الاندلسيين لم نتقطع عن اسنتخدامه ضد النصارى الا عندما لم يعد لدينا امكانية لاستخدامه “.

وبنفس الطريقة نستمر في الشد الى حلفنا ولا تتغير التكتيكات الا بتغير الاسماء والازمنة ونقوم باستخدام نفس الاساليب. فيقول:

“وضع الايمان فوق الجيرة ،امن بالدين ، لكن دون تعصب، ما لم يكن التعصب لصالحه . لقد فهمه واستخدمه كشيء مناسب وعقلاني يطلب مساعدته عندما يتطلب الامر . لان الدين ، عندما لا يكون طقس حب داخلي ، يصير سرابا خادعا ، صيحة نجدة او صيحة حرب ، هكذا استخدم وهكذا سيبقى بالنسبة لكل السياسيين “.

فبالمحصلة ان التاريخ كما يقول الكاتب:

“مجموعة هائلة من الخيانات ، من الغدر ومن استغلال الثقة ، والكلمات التي لم توف ، ارتكبها جميع شخصياته وعانوا منها ، سلسلة رتيبة من الحروب المقطوعة بسلسلة من معاهدات الصلح وكلها غير حاسمة ،مثل جولات مباراة اتفق مسبقا على تأجيل نهايتها .ما الذي كان سيتعلمه اولادي من مثل هذه الشهادة ؟ لماذا وصف ميزات السلاطين الزائلين ومدة حكمهم التي لم تدم الا اياما قليلة ، او تاريخ اولئك الذين علا العفن منهم ،عادوا ليحكموا بعد خلعهم عن العرش مرتين واحيانا اربع مرات ؟”

ويضيف :

“أستخلص من المعلومات التي اديتها للتاريخ ان البطولة كانت دائما اقل مردودا من سلب القرى والمحاصيل وفدية الاسرى . ومن التجارة (التي بقيت دون ان تمس ، فمنها كان يستفيد العدو كما نحن ) لانه اذا كان ما يسميه العدو استعادة استمرار لا يكل لصراعات دينية ـ لا من جهتهم ولا من جهتنا ، فليحرم علي دخول الجنة . فالاوراق التي تثبت ذلك حرقت تماما. “

وختاما ، كما في هذا الزمن، يتحارب الفرقاء عندنا ، بين فتح وحماس ، كان ذلك الزمن مشابها ، ولكن الاندلس كانت عظيمة شاسعة لا تقتصر الفائدة بها على مضيق صار مركز النزاع بعد قرون.

لا اجد من ابلغ هذه المقطوعة الشعرية\النثرية (فأبا عبد الله الصغير كان شاعرا حقيقيا) لنقف عند نفس التساؤل اما مفترقات حياتنا التي لم يعد بها طرقات ، في ظل وضع لا يتحسن ، وامور تأخذ بالانهيار وكأن البدايات لم تأت الا لتشكل النهايات. فيصر التاريخ ان يعيد نفسه ويجسد امامنا الحقيقة المطلقة بلا شوائب عن حقيقتنا ، بأننا لا نتعظ ويستمر هو (التاريخ) بتشكيل نفسه ويمر عنا لعل وعسى يأتي من يتعظ يوما …

“ليس المطلوب ان يحدث شيء مختلف

فسلسلة الاحداث بلغت نهايتها .

بعدها سيظهر –من يقول :

انت من اضاع كل شيء .

لكن احدا لا يعرف ما اضعت وما لن اجهر به ابدا

فعندما يخسر المرء الكثير ،يسكت عليه

ويضيع معه الكلمة والحنين والحق بالشكوى

تضيع قامته ونوره ،امه وماؤه، تعطشه وبصره ، بل والحياة ايضا

فتتساوى عنده الاشياء

كنا شعبا عريقا وجديدا في ان معا

لكن ما نحن الان؟

لا شيء ، لا شيء : مجرد شاهد ، لا فرح عنده

ويتلاشى شيئا فشيئا

عبد لا يهزم ، لانه لا يقاوم

مجرد بضاعة معروضة للبيع بثمن بخس..

كنا شعبا يملك المعارف

ونحن الان شعب لا يتعلم

شعب لا عراقة عنده ولا جدة ،

شعب بائس

لن نبكي على موتانا ،لاننا عصيناهم

ولن نبكي على ابائنا ،اذ من هم؟

وداعا نقول لمن كناهم ، وداعا لمن لن نكونهم

والان وداعا ثم وداعا لموتانا الذين تمنوا ان نكون مثلهم “.

 

 

كم نمر يوميا امام حوادث تقربنا اكثر من الموت ؟ حوادث تكون على مقربة منا ولا يفصلنا عنها الا ما نسميه لطف الله .

شوارعنا تشبهنا ، انعدمت منها الاخلاق والذوق والمعايير . ما يردع السائق فقط مخالفة تباغته ان كان على شارع تحكمه اسرائيل . فعندها تصبح دولة احتلال فاشية وعنصرية .

هل ما حدث بالامس واول امس وفي كل حادث على هذه الطرق التي اقرب الى ان تكون طرق موت لا طرق مستوطنات كما كان اصلها ؟

هل المسؤولية تقع على الاحتلال بالفعل ؟ وهل وزارة المواصلات او النقل الاسرائيلية مسؤولة عن الحادث؟

ام تقع المسؤولية على السائق المتهور الذي ظن ان وصوله قبل دقائق لهدفه سيزيد في امكانيته لتحميل ركاب جدد؟

ام المسؤولية على الركاب الذين قبلوا الصعود على حافلة يقودها انتحاري ؟

ام تصب المسؤولية في اساسها على السلطة الفلسطينية والتي تشغل في ادارتها وزير للمواصلات لا تصل اهتماماته الى ما يجري على الشارع .

 

بلا شك تقع المسؤولية الاولى على السائق ، ولكن قبل رميه بالشتائم وتحميله وزر المصاب ، لا بد ان نتوقف جميعا امام انفسنا ـ كل من يقود مركبة ، سواء كانت خصوصية ام عموميةـ  ونسأل ان كانت اخلاقنا بالسياقة وعلى الشارع مختلفة . كم يلتزم كل منا باخلاقيات السياقة ومسؤوليتنا على الشارع ؟ فوالله احيانان تخاف ان تركب بسيارة او تقود على شارع من حالة الصرع التي تجدها على الطرقات . وان نظرنا بصورة اقرب لتحميل المسؤولية على اصحاب السيارات العمومية ، فالمشهد يتحول الى ما هو اقرب للفعل الانتحاري ، فاذا ما مارت بجانبك سيارة كتلك ترتعب وتتلو الشهادتين على روحك . وويلك ان كنت احد الركاب ، فكأنك محمل بداخل قنبلة موقوتة . السائق على الهاتف المحمول يعالج قصص حياته ويتصارع مع الهواء ويتسابق ويقف في اي لحظة ليكمل حديث الامس مع سائق اخر اذا ما التقى به على احدى الطرقات . والراكب لا حول له ولا قوة .

 

واعود الى المكان نفسه الذي بدأت منه، لا يمكن تحميل السائق في هذه الحالة اكثر مما يمكنه ان لم يكن يملك الاخلاق الكافية التي تحمله المسؤولية ، وهنا تكمن المسؤولية التي تقع على كل انسان يجلس خلف مقود سياقة . وبما اننا نفتقد الى هذا الحس الاخلاقي الجمعي ، فنحن بحاجة الى قانون يطوع هذا الحس في اطار يجبر الانسان على الالتزام بقوانين الطرق .

فما الذي يجعل السائق في مناطق اسرائيلية (وهنا اتكلم عن اللوائح الصفراء) ملتزما بقواعد المرور ، في حين يكسر هذا السائق كل القواعد في لحظة دخوله الحاجز؟ هل يتجرأ احد منا ان يقود كما نقود لو كنا امام سيارة شرطة اسرائيلية ؟ لماذا لا نتجاوز ولا نسرع ولا نقف في منتصف الطريق ولا ندخل في الطريق الممنوع ولا نتجرأ بقطع الطريق امام الشارة الضوئية الحمراء في الاماكن الاسرائيلية ، ونتبجح في المناطق الفلسطينية ؟

انه غياب القانون . غياب المسؤولية من قبل صناع القرار الفلسطيني واصحاب السلطة . فالمواطن الاسرائيلي اذا ما غابت عنه السلطة وسيادة القانون في مناطقه سيتصرف تدريجيا بهذه الغوغائية .

ما الذي ينقص السلطة الفلسطينية في فرض القانون وتفويضه في الشوارع ؟ هل سيرفض المواطن الانصياع ؟ هل هناك نقص في الكوادر البشرية فلا يوجد امكانية لتأهيل قوات شرطة ؟ اليست الشرطة جزء من الامن الذي يتم دفع اكثر من ثلث مخصصات السلطة عليه ؟ فان قصرنا بشيء فان هذا الموضوع ليس به قصور . والحمد لله البطالة تزداد يوميا ، فلو تم تأهيل المنتظرين لفرصة عمل في قطاع المرور لخرجنا بشوارع اكثر تنظيما بكم الكوادر المحتملة .

ثم يأتي السؤال الاهم ، كيف يحصل السائق على رخصة سياقة في السلطة ؟ والسؤال الاهم هو كيف يحصل سائق المركبة العمومية على رخصة ؟ ثم نأتي ايضا لسؤال مهم واهم ، هل المركبات مؤهلة لان تكون على الشارع ، وخصوصا العمومية منها . والعمومية ليست فقط تلك الصفراء او البرتقالية ، فظاهرة الفوردات لم تنته ولا تزال مستخدمة وبوفرة في الكثير من الاماكن.

لا اقول ان على سائق المركبة العمومية ان يجتاز امتحان الطب من اجل ان يصبح سائقا عموميا . ولكن ، لننظر باتجاه جيراننا الاعداء ونتعلم على الاقل منهم . فالسائق اليوم عليه ان يكون مؤهلا وكأنه يجتاز امتحان جامعة .  

المسؤولية بالكامل تقع على السلطة الفلسطينية ، ربما من اجل هذا ارتأى ابو مازن ان يعلن الحداد اثر الحادث الاخير والذي ذهب ضحيته عائلة مكونة من ام وخمسة اطفال ، بالاضافة الى شخص سابع . ولا بد ان الرئيس علم كذلك عن الحادث الذي سبقه بأيام قليلة واودى بحياة ام واطفالها على طريق ليست بعيدة من ذلك الشارع . ولم تكن هذه الحوادث الاولى ولن تكون الاخيرة . لانه من الصعب ان نعلم الناس الالتزام والاهم من المستحيل تعليم الناس الاخلاق . فهذه امور يتم التنشئة عليها ، وهنا نرجع الى دور السلطة . فلو ذهب هذا السائق الى مدرسة تعلمه المسؤولية لفهم ان حياة الناس ليست بلعبة . ولو تعلم الركاب في المدارس انهم مطالبون بعدم السكوت عن الخطأ لما رضوا بأن ينكل بهم سائق ويقتلهم . هناك انهيار بالمنظومة الانسانية التي تشكلها لنا السلطة ، تبدأ بالمدارس وتنتهي بالشوارع ، وما يجري بينهما من مسار حياة قد يحمله ستر الله وقد لا يحمله بالاغلب.

فالموضوع ليس مجرد استهتار سائق ؟ فلو كان هذا السائق مؤهلا لما قام بهكذا تجاوز دمر حياته وحياة عوائل اخرى الى الابد . ولو كان الركاب مؤهلون لما رضوا بأن يركبوا بهكذا حافلة .

هل تتخيلون كم من هكذا حوادث تقترب على الحدوث في كل ساعة ؟ ويعيد الركاب الكرة بالركوب لانه لا يوجد حل اخر . ويستمر السائقون بالاستهتار لأنه لا يوجد قانون يردع او يحاسب .

فقبل ان نلوم الاحتلال كذلك ، والقول بأن السلطة لا تحكم في تلك الشوارع ، اقول بأنه لولا وجود الاحتلال في تلك الشوارع لكانت الحوادث الدامية الكارثية في كل ساعة .

في ظل هذه المنظومة السلطوية المنهارة ، فانه من الطبيعي ان ينهار المواطن ويكون مستهترا بحياته وحياة الاخرين . فلا قيمة للانسان ولا اخلاق فردية يمكن التعويل عليها في غياب الاخلاق الجمعية التي تبنى بالمؤسسات العامة بدأ بالمدارس.

فالمحصلة حياة ارخص ما فيها هو الانسان .  

 

تعدد الزوجات ومسلسلات رمضان : هل هي قضية ام ازمة ام شرع الله ؟

 

انتهى رمضان بمسلسلاته الكثيرة والرسائل المختلفة التي تركت لنا كمشاهدين في سوق الاستهلاك المتكامل . وبطبيعة الحال لا يمكن اللحاق بالمعظم ولكن عند غربلة ما تم غربلته من المناسب مع الاقرب للذوق الخاص ، اردت التوقف عند ظاهرة ترددت بالمسلسلات التي يمكن وصفها بالجيدة .

بالعادة تتسم المسلسلات بوضع المرأة بصورة محددة نحو شيطنتها المطلقة او تبعيتها العمياء . ومن اجل الحق هذا العام ليس الشر مطلقا بالنساء ولا المسكنة والطاعة العمياء . ولكن… هناك مركزية تزداد بدور الرجل حتى ولو كنا امام مسلسل تقوم امرأة ببطولته المطلقة.

موضوع العلاقات الانسانية وتركيبتها بلا شك موضوع من الطبيعي التطرق اليه كما هو . التغيرات التي تطرأ على المجتمع في علاقاتنا نتيجة السوشيل ميديا. الحب الطيار وازمات المشاعر وسهولة العلاقات ببدئها ونهاياتها ، كذلك الكذب في عصر الشبكة العنكبوتية اصبحت حباله قصيرة جدا .

ولكن يبقى الموضوع الاهم والمتكرر ، ولا يبدو ان اللباس الغربي وادخال المصطلحات الاجنبية والتعري وانفتاح العلاقات وتعدديتها وظهور المرأة بأدوار اكثر قيادية منها تلك التابعة فيها ، لم يغير من مبدئية ان الكل يجري وراء الرجل . بغض النظر عن دوره الخير او الشرير . هناك رجل وامرأة تريد الفوز به ، وفي معظم الحالات تتعدد تلك النساء . فيكون سباق اكثر من امرأة على رجل واحد.

والرجل طبعا ، لا يوجد ما يؤرقه او يؤثر على ضميره ، فهو دائما عندما تتزاحم عليه النساء فحقه الشرعي بالتعدد يصبح امرا عاديا جدا.

يعني نرى رجل سعيد في حياته الزوجية ، وامرأته كانت شديدة التدين لدرجة انها تنقبت (احمد فهمي و نيللي كريم ) او رجل زوجته شديدة الطبقية والانفتاح وزوجها يشتاق الى البلدي ( اياد نصار وحنان مطاوع (البلدي)) و (٣٠ يوم) وغيرها . المهم عندما تدخل المرأة الثانية ترى الرجل لا يتردد في التعدد، وهو يقوم بوظيفته الشرعية . وهي تزاحم الاخرى باخذ مكانها او مشاركتها بلا ادنى تردد. فلا يوجد اي ازمة اخلاقية تواجهه عندما يأتي القرار الى الزواج . والمرأة الثانية لا يساورها اي ازمة ، فهو يقوم بحقه الشرعي.

باللحظة التي يوزع الرجل قلبه وحياته على اثنتين تنتهي كل المآزق الاخلاقية ، وترى المرأة المتأزمة من المبدأ تتعامل مع الموضوع كذلك على انه حق الرجل.

فكرة التعدد فكرة تدميرية للرجل ، وبالتالي للمجتمع الذي تنهار امامه المعايير الاخلاقية المبدئية امام كلمة “شرع” . فكرة ان الرجل في لحظة الخيانة لا يعبأ حتي بالتفكير كثيرا ولا يتأزم اخلاقيا ، فهو دائما يستطيع الزواج بتلك الاخرى .

وينطبق نفس المبدأ على ما يسمى بالعلاقات غير الشرعية ، فنرى الرجل يعيش مع امرأة بلا زواج ، وبلحظة تركه ، لانه يتأزم اخلاقيا عندما تطلب منه تلك الزواج ، نرى بالمقابل ان اخته او امرأة اخرى تدعمه وتحضره لعلاقة شرعية ما .

هذه الازمة بعدم التأزم الاخلاقي بالعلاقات الانسانية توطد مرة اخرى ازماتنا الحياتية التي نختبيء بالدين من خلالها . وهنا نتكلم عن مجتمع يتم تصويره على انه غير متدين بالعموم او على الاقل بأحد اطرافه .

شرع غريب يترك الرجل يتحكم بشريعة الخلق ، يطبق القوانين على حسب احتياجاته ، ويكون الدين والاخلاق ما ينطبق على المرأة وهو الامر الناهي في هذه الوضعية الاجتماعية الاخلاقية.

غياب الاخلاق من الرجل وضعي ومؤقت ، اما المرأة فغلطتها انحطاط وخطيئة . والحساب يجري على المرأة في اي خطيئة والرجل يستمر بحياته بلا ادنى محاسبة . ولا اريد الخوض في الدين هنا ، ولكن ، لا بد من التوقف امام المنظومة التي تهيئ كل شيء للرجل ، وتخضع وتذلل له كل شيء واي شيء . وهنا نحن لا نتكلم في اقل من امور مبدئية . امور مشاعر الانسان التي تشكل كيانه . فالموضوع لا يرتبط بالرجل نفسه ، بل بتلك المنظومة التي تذلل له كل شيء حتى الخديعة في مشاعره تحت مسميات “شرعية” . باسم الشرع والحق الالهي يسمح الرجل لنفسه ان يقسم مشاعره ويحتال على نفسه وعلى قلبه . والمجتمع امامه يبرر ويسهل له هذا الانفصام ويباركه .

فكيف نتوقع من الرجال الاخلاص ونحن نؤهلهم منذ ان يبدأوا بالشعور بأنهم يستطيعوا تجاوز مشاعرهم والتلاعب بها . فبالنهاية لهم الحق في المثنى والثلاث والرباع وما ملكت ايمانهم ان ارادوا .

والمرأة بدورها جزء لا يتجزأ بهذا الانفصام ، فالاخرى هي دائما امرأة ، والقابلة لهذا الوضع هي كذلك امرأة .

تبقى المأساة بهذا الزمن الذي ترى هكذا “عادة شرعية” فيها مطبقة بمجتمع او من قبل رجال ونساء يدعون الانفتاح وليسوا بالضرورة متدينون. الا ان الدين بهذه الحالة يغلب ويجعل المجتمع بأكمله مذللا لهذه الواقعة. “شرع الله ” .

وتبقى الطامة الكبرى مرة اخرى بالازمة الداخلية التي يقف امامها الرجل بهذه الحالة . عندما يقرر ان يقيم علاقة بأخرى ، فلا تساوره اي من مشاعر تعذيب الضمير او التساؤل باخلاقية عمله . وعندما يشك هذا الرجل بزوجته ان كانت هي اخرى على علاقة . تنهار امامه كل المنظومات ويساوره الشك القاتل وتخضع رجولته لامتحان وجودي . “كيف تتجرأ على خيانتي ؟ ” ولا يفكر للحظة ان ما قام به كان خديعة تفوق الخيانة . لان الزوجة عليها ان تفهم تلقائيا ان “خيانته” بزوجة اخرى كان شرع الله . حتى ولو تعرف على الاخرى ببار وكانت تلك الاخرى نتيجة اغواء او سكرة، او انها كانت علاقة ممتدة من الخيانة قرر تتويجها بزواج شرعي .

واختم للتأكيد ، ان الموضوع ليس موضوع دين او شرع . ليس موضوع فهم صحيح او خاطيء للدين. ولكن الموضوع موضوع ازمة اخلاقية مجتمعية ، قد يكون الرجل هو المظلوم الاكبر فيها ، على الرغم من كونه صاحب القرار بالفعل . الا ان المشكلة هي بالمجتمع نفسه الذي يجزئ اخلاقياته ويفصلها ويختار ما يريد منها على حسب هواه . وعليه يبقى موضوع التعدد ناقوسا يدق دائما خطورة انهزام هذا المجتمع الذي يواري خطاياه بالزواج . الزواج نفسه الذي خلقه المجتمع لصلاحه . هو نفسه يتم استخدامه لخرابه .

 

 

في ظل ما يجري من تسارع بالامور وخلطها ،ليصبح حابلها ونابلها متداخل ولم يعد يفرق معنا من الحابل ومن النابل. فالسلطة على ما يبدو تمسك بذيل ما يجري على الساحة الاقليمية والدولية لعلها تبقي لها مكانا وسط التغيير المذعن تطبيقه بالمنطقة ، وبينما هي بوضع المفعول به كما دوما ، تريد التأكد من ان تظل مفعولا به باي طريقة ممكنة حتي ولو انتهى الفعل ولم يعد هناك داع لمفعول .

زيارة ترامب جلبت لنا ويلات مؤكدة باذعان السلطة اللا منتهي . بدأت الامور بالظهور منذ بدء الحديث عن قطع رواتب الشهداء والاسرى . فكان هذا هو انتهاء اضراب الاسرى لاكثر من اربعين يوم ، سلطة تزيد من الظلم الواقع في السجون لتدركه للاهالي الصابرين المنتظرين فرج الله .

وقد يقول قائل ،ان السلطة في اذعانها مضطرة ولا من سبيل اخر للدعم الامريكي بشروطه الكثيرة الا الاذعان ولربما محاولة الالتفاف عليهم لاخذ المعونات ومن ثم يجدون طريقة لدعم عوائل الاسرى والشهداء.

وفي خضم كل هذا انشغلنا في موضوع حجب المواقع الموالية للدحلان وحماس. ولنقل كذلك ، “بالناقص” وبالمحصلة قانون الحجب فقط يعطي للمحجوب تواجد اقوى . فالمتلقي يبدأ بالبحث عن سبب الحجب فتصبح هذه المواقع اكثر طلبا.

وكالعادة بانشغالنا عن الامور المهمة والتي لم تعد مهمة او بالاحرى معرفة لنا . فنحن لم نعد نعرف ما هي اولوياتنا . ما الاسوأ مصالحة حماس لدحلان ام قطع الكهرباء عن غزة ؟

ما الاسوأ محاصرة دير ابو مشعل  ام قطع رواتب اهالي الاسرى ؟

ما الاسوأ فتح المعابر على غزة ام فصلها واعلانها دولة منفصلة ؟

ما الاسوأ اعلان الشهداء ارهابيين ام ازالة ميدان يحمل صرح شهيد؟

هل لنا ان نعترض او انستاء عند رؤية الجرافات الفلسطينية تقتلع صرح الشهيد خالد نزال من الميدان في جنين ؟

هل نغضب امام ازالة حجر في وقت لا يزال الشهداء باجسادهم محتجزون في ثلاجات الاحتلال ولا مطالبة من قبل السلطة باكرامهم بدفنة ؟

هل نغضب من اجل حجر والمستوطنات صارت امرا واقعا ، والتنسيق الامني هو الشعرة التي تحافظ على وجود السلطة وتأمن نفسها وتأمن اسرائيل من خطر الشعب اذا لم تقوضه قوانين الحجب والردع والاذلال المتلاحقة ؟

خالد نزال استشهد ولقي من يضع له نصبا او صرحا ودامت ذكراه لتقتلعها السلطة بامر من الاحتلال ، ولكن ابناء دير ابو مشعل لم يجدوا من يقول الرحمة لارواحهم . ابو باسل وجد نفسه تحت هراوات الامن الغاضب من استشهاد ابنه .

وكل تلك الامهات التي نحثها لتطلق زغرودة لاستشهاد ابنها طعنناها في صدرها مرة تلو المرة، وها نحن نخرس امام دموعها وخسارتها ونسكت امام ظلمها مرة اخرى.

كم من المرات علينا ان نخرج عن صمتنا … عن سكوتنا … عن اذعاننا هذا الذي صار تراكميا ، فلم نعد نبالي .

فليسقط كل الشهداء امام تصريح عبور الى اسرائيل .

ولتسقط كل الشعارات والميادين امام مطلب لنتانياهو الذي قد يستفزه اسم شهيد ارهابي رفعت صورته او شيد له صرحا في ميدان.

وليمض الاسرى في معتقلاتهم ، فالسجن للرجال ،امام المساعدات الامريكية للتنمية فبتلك المشاريع تدوم السلطة ورجالاتها المطوعين .

فلتقطع الكهرباء عن غزة فلم يحتاجونها ،فالديون المستحقة على الضفة بالكاد تسمح بحجز مستردات الضرائب .

وقضية اموال الضرائب المستحقة صارت هي القضية الوطنية الاولى.

والمفاوضات بلا شروط وبالوضع القائم هي الطموح الاكبر .

وحسن نوايا امريكا ومبعوثها اليهودي الصهيوني الداعم الرئيسي لجيش الاحتلال هو الطريق المخلص للسلام العادل.

وتأجيل نقل السفارة الامريكية الى القدس انجاز عظيم .

فبالله عليكم …. لم التذمر من جرافة سلطة تهدم صرحا من ميدان يحمل اسم شهيد؟

فالدبابات الاسرائيلية والقناصة يدخلون ويقتلون ويهدمون بتنسيق امني مقدس البشر منا فهل سنغضب اليوم من اجل نصب تذكاري لشهيد قديم..

اخ«ي ما اخشاه ان يعلن الشهيد ارهابي وكل من يعترض سيكون في عداد المحجوبين   . .

فيروز لمين

 

 

من الصعب الكتابة عندما يتعلق الامر بفيروز . فتاريخها يتم كتابته باستمرار ، وصوتها لا يزال يدلي بشهادته لذلك التاريخ العتيد .

فلا يهم ما يخرج من فاه الفيروز من كلمات ، ولو كانت بضعها، بسؤال لمين، الك او الي او مش لشي او لا اي شي . فالمهم ان فيروز هي التي تقول هذه الكلمات وبصوتها الفيروزي الذي لا يزال يغرد بنفس الانسياب وكأنه قطرات غيث لا تكف عن ري الارض العطشى لغيث يرويها لا يغرقها .

اذكر قبل ما يقارب على الثلاث عقود عندما عادت فيروز بعد غياب بكيفك انت ، والتي كانت كالثورة في عالم الطرب الذي لطالما سمعناه او تعودنا عليه من فيروز. وكأنها تركت درب موليها ومشت في درب ابنها واثقة انه المستقبل ، والمستقبل يحمل ما لم يعد هناك في زمن سابق والفن جزء منه. كانت اشبه بثورة فيروز نفسها على تاريخها .

وعلى الرغم من الانتقادات ، بقيت كيفك انت واستطاعت بلا عناء ان تؤكد ان التغيير ومواكبة العصر ليست مشروطة ولكن تبقى بخطى الواثق الاصيل .

بدون شك ، لقد اخذتنا الاغنية الجديدة على غفلة ، في وقت تتزاحم فيه الاحداث وتتفاقم وتتعقد . قد تكون هكذا اغنية ببساطة الكلمات وقلتها او ربما شحها ، اهم ما يمكن ان تقدمه لنا فيروز ، بهدير صوتها وسط وعر هذا الواقع الذي نعيشه .

هل هناك ما يقال اكثر ؟ وهل هناك داع لقصيدة جديدة ، فلقد قدمت لنا فيروز بصوتها من قصائد وموشحات واغاني على كل مستويات الطرب. فلماذا نعترض عندما تأتي الينا وبعد ثماني عقود من حياتها قدمت فيها على مدار اكثر من خمس او ست عقود للمستمع العربي والعالمي ما هو خالد . فمجرد غناءها ووقوفها وراء ميكروفون بداخل استوديو هو جزء من خلود شخص بحجم فيروز وصوتها الذي لا يزال يقدم للمعزوفة لحنا اخر وكأنه يخرج من اوتار القيثارة .

مشروع فيروز الذي بدأه الاخوين رحباني يكمله اليوم الابنين رحباني ليؤكدوا ان المشروع الفيروزي هو مشروع مستمر ، لا يرتبط الا بفيروز نفسها ، بصوتها الذي لا تتعبه السنين. لانها لم تعد مشروع احدهم بل هي بصوتها واستمرارها ظاهرة .

تأتينا فيروز لتضيف نغمة جديدة للموسيقى وللطرب في وقت اتعبنا الصراخ والنشاز …ستسهر النجمات لطالما فيروز تطلق بصوتها شهبا في السماء . فهي بهذه الاغنية توكد من جديد ان الانسان يكبر وليس بالضرورة ينتهي . فهو يستطيع العطاء لطالما لا تزال تخرج منه الانفاس. فمش لشي ولا اي شي …يكفي ان نسمع فيروز بصوتها الشجن الان .

فيروز تقدم لنا دليلا حيا ، ان الفن من الممكن ان يبقى ومن الممكن ان يستمر بالعطاء بنفس القدر . فالموضوع ليس موضوع كلمة ولا لحن . والموضوع ليس موضوع تمسك بارث قد يعفي عنه الزمن ، ولكنه موضوع استمرار بقدر اللحظة نفسها .

فنحن نشاهد في كل لحظة على الشاشات ما يثقب طبول الاذان ويعمي العيون من شبه المطربين والمطربات. الفن صار ملوثا .

فظهور فيروز بهذه الاغنية يقول لنا من جديد ، ان الزمن لا يولي صاحبه ، بل الانسان نفسه هو القادر على البقاء او الانتهاء بكل مرحلة .

ولكن في زمن انعدام الذوق من الطبيعي الا يتذوق المستمع صوتا اسمه فيروز …في زمن تعلو فيه الاصوات صارخة لا مطربة . غاضبة محتقنة لا هادئة اقرب الى الطبيعة التي نشتاق اليها في بساطتها .

بساطة الكلمة حتى ولو لم تحمل الكثير من المعاني . وبساطة اللحن ولو كان مجرد استحداث لكل ما سمعناه .

نحن بحاجة الى صوت اصيل لا يزال يطربنا ولربما يذكرنا انه لا زال هناك املا في بعضنا .

 

 http://www.wattan.tv/news/207613.html

 

لا اعرف كيف يمكن البدء بهذا الموضوع. ما هي الطريقة التي يمكن ان نصيغ فيها الكلمات بلا ان نجرم الضحية او نبرر فيها الموت . ولا اعرف كيف اصف بكلمات تعبر بالفعل عن ردود افعال الكثيرين التي لا يمكن وصفها الا بالمخزية .

كل ما اعرفه هو ان هناك ابناء بذلوا حياتهم وهي في ريعانها من اجل قضية لا تزال تمثلنا حتى ولو صارت هذه القضية بالنسبة لما تبقى من دم يخلو من اي نخوة في عروقنا مصلحة ما قد لا تتعدى في الكثير والكثيرمن الاحيان تصريح عبور ، وفي هذه الحالة في شهر رمضان وليوم واحد الى القدس.

هؤلاء الابناء الذين ودع كل منهم امه في ذلك الصباح ليلقى ربه في طريق كانت اقرب من الطريق الى المسجد. هل كان عملهم خاطئا ؟ وهل اختاروا الوقت غير المناسب ليقوموا بعملهم هذا؟ هل حرضهم محرض ، وهل دفعهم احد على هذه الفعلة ؟

هل يحتاج الفلسطيني اكثر من محاولة العبور عن حاجز ويمنع لكي يقرر ان هذه الحياة لا ترقى الى درجة الحياة المزعومة هذه؟

نعم ، في كل مرة يستشهد احد ابناء هذا الوطن نخسر . نخسر انسانا فقد الامل في هذه الحياة ومن فيها واختار الطريق الاخر . ذلك الطريق الى اللامنتهى حيث اللا معلوم افضل من اي ما يقدمه المعلوم في هذه الحياة . تلك الظلمة التي يحتمها الموت تبقى بالنسبة لاولئك افضل من فضاء هذه الارض القاتمة الظالمة الملتهبة .

لا يمكن ان نصفق لانسان انتهت حياته برصاصة ظلم احتلال حتى ول وكان متسلحا بسكين او سلاح اخر ابيض او رمادي. ولا يمكن تبرير قتلهم ظلما وبدم بارد من قبل الاحتلال . فنحن لا نعرف الا قصة الاحتلال في كل حادثة او عملية لا يهم كيف نسميها . ومهما كان سلاحهم ، فانهم بالمقارنة عزل امام ثكنات العسكر التي تجتاح شوارعنا .

ولكن ان يخرج تافه ويساوي الضحية بالجلاد فهنا نكون قد وصلنا الى مرحلة ” اللي استحوا ماتوا ” . اكثر ما اثار اشمئزاري في غمرة التعليقات احد السفهاء كاتبا “بان ثلاثة خربوا على جموع المسلمين بتصاريحهم الى القدس من اجل قتل امرأة .”

ثم نرى اخرى تتساءل اين المؤسسات الشبابية التي تترك الشباب الى حتفهم هكذا

لا اظن ان هكذا تعليقات استفزتني لهذا الحد من الغضب منا وعلينا . ام نحنفعلا وصلنا الى هذا الحضيض الانساني ؟ كيف يساوي عاقل بمجندة مؤججة بالاسلحة باي امرأة ضحية ؟ كيف يجرؤ انسان بعروقه بعض الدم بمساواة حياة انسان بتصريح من اجل مصلحة تاجر او من اجل دعاية نؤكد فيها امام العالم ان القدس ليست مهجورة ..او عربية من اجل اولئك الذين يستخدمون العروبة والاسلام شعارات ، تسقط في لحظة اعتراض المصلحة .

اي توقيت يريده اولئك المتفرجون المنتظرون للتخلص من الاحتلال للشهداء ؟ هل يريدون تنسيق مناسب وصيام الشعب وافطاره واحركة التسوق في الاسواق؟

ما هو نوع الحراك الشبابي من قبل المؤسسات المطلوب من السيدة المحترمة ؟ كيف نعلم الابناء التعامل مع الذل اكثر ؟ كيف نتصور الحواجز وكيف نقبل القتل ولربما تطور السيدة رحلة ميدانية للحواجز او للقواعد العسكرية المنتشرة وتقدم ورودا لجيش “الدفاع” الاحتلالي؟

ما الذي يجري لهذا الشعب ؟

نعم…. هؤلاء الشهداء ظلموا انفسهم وظلموا اهلهم واحباءهم وكل من يرى من دمائهم ارتواء لارض هانت على اهلها فجفت وتهالكت بقضية لم يعد لها اهل ولا اصحاب . ولكن هل نقتلهم فوق قتلهم ؟ الم يأخذ العدو المحتل “حقه ” منهم بلحظة قتلهم ؟ الا يكفي ان هناك عوائل واحبة يبكون وسيبكون دما لايام وسنين لن تجف فيها دموعهم على هؤلاء ؟

هؤلاء الشهداء الذين سيبقوا بدمائهم التي لا يتوانى الاحتلال عن اراقتها نبض الحياة الميتة فينا نحن اشباه الاحياء .

هؤلاء الذاهبون الى موتهم متطوعين لا يذهوبن حبا في الموت ولا ابتغاء الحور العين . هؤلاء يتركون هذا البلاء مدركون ان الشرالقادم على اهلهم اعظم ومع هذا يتركوا احبتهم منكوبين الى الابد . هؤلاء مثلنا جميعا . مثل كل من يعيش من اجل حرية حقيقية وصلوا الى الدرك الاسفل من الاحباط، من الامل، من الابما بأن هناك حل على هذه الارض في ظل احتلال لا ينتهي وسلطة تنسق مع الاحتلال من اجل السماح “ان زهدت” لهؤلاء امثالهم العبور من اجل الوصول الى القدس … الى القدس ان كانت القدس بهذه الاثناء رمزا لما تعنيه الحرية من الاحتلال للفلسطيني .

نعم هؤلاء كانوا يستحقون ان يكونوا في حياة افضل . كانوا ليكونوا بناء لمستقبل اجمل لو بقوا. لان الحياة الحقة تريد احرارا لا عبيدا .

رحم الله الشهداء … اعان اهلهم على مصابهم وفقدانهم .

وان كان هناك ذرة احساس متبقى ..فما علينا الا العمل من اجل انهاء الاحتلال. فطالما هناك احتلال ،فهناك ظلم . ولطالما هناك ظلم سيبقى هناك اناس يخرجون من هذه الارض ليرفضوا هذا الظلم ولو كان الثمن حياتهم…. في سبيلنا …. نحن الذين اخترنا الذل على الارض طريق حياة.

 

19225031_10209819807466982_4628562800398464991_n

نتكلم كثيرا عن الثقافة ، ونربطها بتاريخنا وحضارتنا . فهي بالنهاية انعكاس لحاضرنا الذي نحمل عليه ما ادركناه من التاريخ .

ولكن في خضم ما يجري من خلط لكل معايير حياتنا بين دين وتدين . بين عرف وتقليد . وبين ثقافة وعادات . ادى هذا الخلط فقط الى انحدار اكبر في قيمنا ومعاييرنا نفسها . وبطبيعة الحال ، فان حالة الانحدار التي وصلنا اليها لم تأت من فراغ . اتت من تفريغ الثقافة التي بنينا عليها امجادنا من مضامينها وتركها متأرجحة على املاءات قواد هذا الزمان .

وصلت الى بريدي الخاص قبل ايام صورة لمجموعة من الشابات اخذت في الستينات من القرن الماضي ، في باحات قبة الصخرة . صورة عند رؤيتها ذكرتني بأمي وبسنوات عمري التي اخذت على مدارها صورة كهذه بنفس المكان وابنتي التي في عمر الشابات في ذلك الزمن من الصورة . الا ان هذه الصورة اختلفت عن اي صاورة ممكن ان نراها في السنوات او العقود الاخيرة . فالشابات “عاريات” ،”كاسيات” ، “متبرجات” في تلك الصورة ، “مخلات” بقانون وعرف المكان المقدس. في مقابل تلك الصورة. فكرت ببناتي اللاتي يغتنمن فرصة زيارة المكان والتقاط الصور . ارتدائهن لغطاء الصلاة واللباس المغطي للجسد من اوله الى اخره بفضفاضية واجبة والتحسب من ظهور اي خصلة للشعر . لأنه وفي لحظة ظهور شعرة ما ، او قطعة من الجسد لا قدر الله ، سيهجم متطوعي المطوعون الذين لا تعرف من اين يخرجون عليك ليردوك الى طريق السترة والحشمة.

ولم استطع ايضا الا ان ارى نفسي بتلك الصورة الجماعية الحالية بينما احوال ان وبناتي التقاط الصور وابدأ بمراهقتي المتأخرة في محاولة الظهور جميلة بالرغم من الغطاء المفروض على رأسي لأسترق بعض الخصلات من شعري ، فتنهال بناتي علي بالتحذير والتصويب خوفا من ان يقترب مني مطوعا او مطوعة فينهالوا علي بالشتيمة .

وعودة الى الصورة التي تظهر منظرا عاما في فترة الخمسينات والستينات ، تشبه ما نراه بالافلام من تلك الفترة . تشبه كذلك الصور لفتيات جامعيات بنفس العمر بمصر وسورية وكابول والعراق ، عندما لم تكن الساق الظاهرة حرام ، ولم يكن الشعر فتنة ، ولم تكن الاماكن المقدسة حكرا على دور الافتاء، ولم يكن الازهر فيها مدعوما بعد من الخزينة الوهابية.

ولأني ادعي بعض التخصص الشحيح في هذه الخاصية ،بسبب دراستي وبحثي في مووضوع المرأة بالقدس تحديدا في بداية القرن العشرين من خلال صورة بعينها ، وجدت من هذه الصورة فرصة لاضاءة عن اهل هذه البلاد في وقت تجوب المكان صورا لنساء يعرضن صور طبيخهن في ساحات هذا المكان .

كيف تحولت الحالة الثقافية في صورة المرأة من متحررة، متعلمة، مستقطبة لفرحة مستقبل بالحياة (كما في تلك الصورة)، الى ربة بيت ، محجبة،تجلس واولادها على باحات الحرم ، تقوم بواجبها تجاه الله والعائلة بلحظة واحدة.

والصورتان وللمتلقي قدمتا نفس الفكرة المتعاكسة عن سبب عرض الصور ، ان الصورة الاولى “اقرب الى الاباحية، لمجرد انهن غير محجبات يرتدين تنانير بذلك المكان ) تعكس طبقية واستهتارا ، والثانية تعكس بساطة الطبقة الكادحة والمرأة المسلمة التقية.

عندما نظرت الى الصورتين بالوهلة الاولى، توجست من تلك القديمة لفكرة كيف تم اخذ صورة هناك هكذا “بتبرج ” وبلا غطاء . ولكنني عندما امعنت بالصورة ، اخذتني الى مكان ، كانت به الحياة هكذا . لم يكن الدين تدينا اعمى . كانت الثقافة بمفهومها الاصيل لا تنعكس على المرأة التي كانت تنطلق نحو تحررها بعد سنوات عجاف عالمية واقليمية كباقي نساء العالم والمنطقة . لم يكن الدين فيها مخيما على الرؤوس والعقول ، وكان خيار اللباس شخصيا لا فريضة ، وكان ابعد تمييزاته بذلك الذي يخص المدينة عن القرية لا غير. كان الموضوع موضوع عادة لا عبادة . فكل يلبس على حسب عاداته.

وفي الصورة الاخرى للمرأة التي تقلب طنجرة المقلوبة وترى اطفالا بالخلفية وصحن الصخرة بقبتها زاهيا ومشرقا ، تبتسم للوهلة الاولى لانها تعكس حقيقة صرنا نألفها في المكان وشكل المرأة الحالي. محجبة ، تقوم بواجباتها الدينية والدنيوية على اكمل وجه.

وفي المحصلة ، ان احدى الصور هذه تمثل انحطاطا للمرأة ، والاخرى تشكل رفعة لها .

وبالنسبة للمتلقي الماسك بثقافته ( بعرف التقليد ) فان صورة المرأة بدون غطاء رأس في ساحة قبة الصخرة هي صورة منفرة من زمن الانحطاط. وصورة المرأة بطنجرة المقلوبة هي تعبير عن عفة وبساطة المرأ ةالمسلمة .

 

وبطبيعة الحال في الوضع الطبيعي ، يجب الا تمثل اي من الصورتين اكثر من خلفية الصورة وزمانها وحال الواقفين امام الكاميرا . في وضع طبيعي يحمل الانسان دينه وايمانه في قلبه ، ويمارس طقوس عبادته في خلوته . الا اننا نعيش في زمن صارت فيه العبادة عبودية لاعراف جمعية لا يفهم المتلقي فيها الا التلقين والترديد . والتاريخ المختلف عن اي صورة نمطية يتم بناؤها اليوم هو اما تاريخ مزيف محرف ، او تاريخ منحط خلصنا الله منه .

فلم تعد هناك ثقافة ، ولم نعد نستطيع العيش بلا اعراف وضعية صارت هي عنوان صلاحنا او فسادنا . الدين حسب ما يرونه هو فقط الطريق الحق ، واي خارج عنه يكون مرتدا او من الروافض او الخوارج …بكل الاحوال قتله مبرر.

فالخارج عن العرف خارج عن طريق الله الذي اراده اتباع بن عبد الوهاب لنا .

 

 

احيانا تخرج الى رأسي مصطلحات لا تمت لما اريد ان اكتب بصلة، عند بدئي بالكتابة. اختيار العنوان قد يكون السبب، وفي هذه الحالة وبينما بدأت بالعنوان تساءلت ” شو خص طز بمرحبا؟ ” وعدت الى العنوان واكدت لنفسي، “طز ومرحبا بهذه الحالة مترابطان.”

لماذا اربط رمضان وعشره الاواخر او الاوائل بحالنا البائس؟ ما ذنب رمضان وشعبان وباقي الشهور ببؤسنا ؟ ربما لأننا شعب بائس ينتظر الخلاص دائما، فتكون الشهور كذلك ضحيتنا . ففي وضع لم يعد انتظار “المخلص” بهيئة صلاح الدين ممكنا، لا بد من انتظار يوم او شهر فرج يفتحها مفرج الحال امورنا البائسة.

اعرف ان كلمة بؤس ترددت حتى هذه الفقرة عدة مرات منذ العنوان، ولكن عذرا، فالوضع بائس.

رمضان الخير والمحبة والانسانية . رمضان العبادة والتقرب من الله والانصراف عن متاع الحياة والتفكر في خلق الله.

تمشي في القدس صبيحة هذا اليوم ولا تزال مخلفات اليوم السابق من عجيج الناس ونفاياتهم تخترق المكان بالرغم من محاولات عمال النظافة اللا منقطعة من التنظيف استعدادا مرة اخرى ليوم جديد. اعرف ان كم البشر الهائل القادم الى القدس ليس بقليل، ولكن الموضوع هنا، موضوع يمس كل شخص. كل انسان يدعي انه مسلم يمشي بالشارع الى الصلاة (في هذه الحالة) ولا يعبأ بالنظافة او الوساخة التي يراها او لا يراها امامه. ولست بوهيمية هنا ولا مسلمة كما علمني الاسلام بأن “اماطة الاذى عن الطريق صدقة” . فاذا لم تمط الاذى وليس سهلا بهذه الحالة طبعا ، فلا تشارك بالاذى وتخلقه . كيف تمشي امرأة بابنائها وترمي المحارم امامهم؟ كيف يمشي رجل مع ولديه ويبصق على الطريق بلا اكتراث؟ فكيف لا يتصرف هؤلاء الابناء كأهلهم ؟

وبعد الافطار يتحول المشهد الى مزري بكل الحالات ، وكأنك في مجمع نفايات . اولئك كلهم كانوا صياما قبل ساعات .

وتصل الى الاقصى ، اذا ما استطعت الوصول ،وتشعر بهول المنظر . اهي حديقة عامة ام ملهى ام مطعم ؟ وتقول في نفسك لا بأس: ” العالم تأتي دعما للمكان من شدة الهجمة عليه.” فأذكر نفسي من هول المشهد . ” اي هجمة؟” .فتذكرني نفسي المصدومة : ” المستوطنين يا غبية”.

يا الهي اي مستوطنين. اذا ما قرر هذا البشر الذي على ما يبدو لا تردعه الحواجز للقدوم الى القدس ان يأتي يوميا الى القدس لهرب المستوطنين وكل بني اسرائيل بعد سنة . هذا الكم البشري المجتمع لن تقوى عليه قطعان المستوطنين ولا مستبدي الجيش اذا فقط قرر القدوم الى هنا . مجرد الوجود والحضور في محاولة رمزية للوصول الى الاقصى به من القوة التي لا يمكن ردعها .

وهنا اقصد اهل المدينة او سكانها الحاملين للهوية الزرقاء واهل المدن التي احتلتها اسرائيل سنة ١٩٤٨ والحاملين للجنسية الاسرائيلية .

اما اهل الضفة الغربية ، الذي يقدم لهم يوم الجمعة من رمضان “هدية” من الاحتلال في السماح لهم بالعبور للقدس ، فاستثنيهم من هذا . وهنا لا يمكن الا التوقف في مشهد اخر . بؤسه محزن وشعوره اقرب الى المقت . ولكن اي مقت ؟ هل هو الغضب على ما يسمى سلطة جاءتنا لتحررنا من الاحتلال فحولت الاكثر بؤسا منا الى متسولين ؟

كم الناس المتسولة اشبه بما نراه في زنقات المزارات في القاهرة ، والمتسولون في مواسم الحج بالسعودية .

هذا المجتمع الذي لم يتكن هذه الظاهرة به قبل اوسلو ،تحول الى مجتمع متسول بالتدريج حتى عشنا لنشهد القدس مكانا تستغله النسوة والرجال للتسول في فرصة اشبه بالنادرة بالدخول الى القدس.

في السابق كان المشهد ذلك الذي يملأه الباعة المتجولين والفلاحات بمنتجاتهم والبسطات والالعاب على الطرقات . اليوم ترى مشهد المتسول وكأنه جزء من الاكسجين الذي تتنفسه اثناء مرورك بين الشوارع.

وهنا المشهد مبكي ، فكل واحدة بورقة وقصة ، تستجدي او يستجدي النظر اليها\ه وسماع قصة لا اشك انها قد تكون حقيقية . قصص شعب يشحذ في غياب الامان والخدمات الحقيقية التي تقدمها السلطات المحترمة . امرأة تستجدي شواقل معدودة من اجل دواء او مستشفى او مرض سقيم .

ثم ترجع الى ذلك المشهد لدى وصولك الى باحات الاقصى وتفكر ، اذا ما استطعت التفكير طبعا ، هذه النسوة بطناجر الطبخ والاولاد الكثر وتلك المراهقات المنزويات بين الشجرات البعيدة وعلى الدرجات المظللة ع نالعيون اذا ما تمكنن من ذلك ، “اولاد بلد” ، اولاد المكان. كيف تمكنن من نقل المطبخ الى هنا ؟

ثم اعود لاذكر نفسي : ” اهدئي ، نحن نقاوم الاحتلال هكذا . نحتاج الرباط هنا.”

رمضان هذا العام اكد ان الشيطان الوحيد الموجود بيننا هو نحن .

لسنا بحاجة لشياطين توسوس في صدورنا ، فنفوسنا امارة بسوء تربوي ، فاقد لثقافة وانتماء ولا يفهم من الدين الا طقوس حولناها الى تقاليد واعراف خالية من المعاني ، شكلية ، منفرة في احسن احوالها.

وتتوقف من جديد وترى المشهد من مكان ما بالخارج ، وتفكر ، كيف سيكون هذا المشهد لو لم تكن “سلطات الاحتلال” التي لا تتواري عن قتلنا واضطهادنا والاستبداد والتنكيل بنا يوميا متواجدة لتنظم بعض التنظيم وتفض الاشتباكات والطوش والمشاحنات التي صارت منذ بدء الشهر بعد الافطار يومية ؟

 

في الذكرى العاشرة للانقسام …مصالحة دحلانية ام نكسة عباسية؟

 

في ذكرى النكسة الحقيقية واغلاق خمسين عام منذ احتلال اسرائيل لما تبقى من فلسطين ، يبدو ان بوصلة السلطة الفلسطينية الحالية نكست اعلامها ليس بانتكاسة الاحتلال ولكن بتنكيس انقسام الوطن بين فتح وحماس وتكريسه رسميا لتصبح غزة عنوان نكسة لا ينحصر فيها الانقلاب الحمساوي على السلطة ولكن كذلك الدحلاني ، لتعلن غزة منطقة انقلاب او اكثر ، منطقة انتكاسة ، لم تجعل السلطة تعلنها خلال الحروب الاسرائيلية المتكررة ولا الحصار الخانق ولا الظلم المميت ولا انقطاع سبل الحياة البديهية في بساطتها بغزة، لكن بمصالحة حماس بدحلان .

هكذا يجتمع قطبي العداوة ليشكل انتكاسة بالنسبة للسلطة المتسلطة على رام الله. فلم يعد العدو متمثلا بحماس واخوانها ، بل صار مركبا في دخول دحلان الى اتفاق غزي مع حماس، العدو التاريخي لفتح بشقيها الدحلاني والعباسي.

من راقب المشهد منذ خلع دحلان من اراضي سلطة رام الله لم يستغرب ما يجري اليوم في غزة من مصالحة بين العدوين التاريخيين . ومقدرة الدحلان على تحويل عدوه الاكبر الى حليف للمرحلة القادمة تحسب من جديد له .

فلا يخفى على فلسطيني الحقد الحمساوي الدحلاني والغزي المتبادل ، الا ان الدحلان لم يكل ابدا عن الاستثمار في منطقة سقوطه . ليس سهوا بل دهاء وحنكة. منذ اللحظة الاولى كان الرهان على سقوط الدحلان رهانا خاسرا . ومحاولة اغتيال الدحلان سياسيا ورمي اتهامات الفساد والقتل والاغتيالات عليه مسحت من خطاياه الحقيقية في غزة امام العقلاء . فكيف لرجل يكون في هذا القرب من صناعة القرار، ويتم انتخابه بضمن اقوى رجال فتح في وقت كانت التهمة الموجهة له اغتيال الرئيس عرفات ، يتحول فجأة متهما بكل هذه التهم ، اذا ما كان الفساد والجرائم متداخلة فان كل من هو في تلك الدائرة جزءا من هذه الجرائم. كيف يمكن لرجل تثبت عليه تهمة اغتيال رئيس رمز ان يكون عضوا في مركزية فتح بعلم المقربين ، ولا يتم تداول هذه المعلومة الا بعد محاولة اغتياله السياسية . ان يحمل رجل واحد كل جرائم السلطة وفسادها وخطاياها كان بالنسبة لامثالي طوق نجاة دحلان .

ولا يمكن اعتبار دحلان المخلص ولن يكون. فدحلان بنهاية الامر هو جزء من التركيبة الفتحاوية التي اوصلتنا الى هذه المواصيل ، وقد يكون مستحقا لاي انجاز يحققه ، لانه بلا شك رجل لا يكل ويغير تكتيكاته ولا يخشى مصافحة اعدائه والتصالح معهم عند الحاجة ، فهو بنهاية المطاف سياسي ، والسياسة فن الممكن ، التي تتصالح فيها المصالح ، حتى مع الانداد.

ومما يحسب للدحلان هو ما قام به بغزة مند خروجه منها او بالاحرى منذ خروجه من رام الله مخلوعا من مناصبه الفتحاوية السلطوية. فلقد عمل من الارضية واسس قاعدة قد يكون تعلم من انداده في حماس هذه الطريقة من العمل التي جعلتهم يستحقوا الفوز بالانتخابات السابقة (الوحيدة) . وقد يحسب لدحلان على عكس غيره من رجال السياسة الاقوياء في هذه السلطة ، بأنه يستثمر برجاله ويبنيهم ولا يغدر بهم او يرميهم عند الانتهاء من الحاجة لهم.

ولانني لا اريد ان اكون جزء من دعاية دحلانية في هذا الوقت او غيره ، الا انني لا استطيع الا احترام حنكة الدحلان وبراعته وتحيته على نجاحه بالمصالحة مع حماس في وقت كهذا تحديدا .تخسر به حماس حلفائها بالمنطقة بخروج قطر من لعبة التحالفات المؤثرة والفاعلة، ويشتد الخناق به على غزة من كل النواحي ، بعد ان شالت السلطة يدها عن المعاشات والكهرباء بالاضافة الى الحصار الذي يزداد خنقا ، ففتح المعابر ليس نقاهة ولا تمرير احتياج ترفيهي للشعب هناك . وحق اهل غزة ببعض ما يشبه الحياة الطبيعية حتى ولو لحين هذا انجاز وللشعب الحق بان يتنفس الصعداء .

وقد يختلف معي الكثيرون بأن دحلان لن يكون هو الخير لغزة. فيديه ملطختان بدماء ابنائها ، ولا اخفي ولا انكر ذلك ، ولكن هل كان الدحلان امر نفسه حينها ؟ ام كان جزءا من المنظومة التي اعطته الاوامر ليقتل ان قتل ؟

نعم ليست يد دحلان بيضاء، وسوداوية يده تشارك فيها ايادي كل من يجلس على كرسي سلطة. ولكن الدحلان سياسي وجزء من هذه التركيبة في كافة تعقيداتها وجزء من مكوناتها ، ومصالحته لحماس بعد عشرة سنوات ومحاولات غير منقطعة من تشكيل الحكومات الانتقالية للمصالحة الكاذبة تحسب له .

ولكن بينما احسب ما احسبه من اجل الدحلان ، اتمنى ان لا ينتهي الدحلان ليكون مجرد سياسي فتحاوي البنية فقط ، سيرضى بكعكة غزة وبعض من سيناء وميناء مؤقت وجزيرة . ويقرر القبول بوطن مؤقت كما حصل في اوسلو من قبل .

وبكل الاحوال ومهما كانت النوايا ، فان المصالحة ما بين حماسو الدحلان هي مقدمة خير ، لان هذه المصالحة هي مصالحة اخوان لا مصالحة اعداء . فكم هو هزلي ان نتأهب من هكذا مصالحة ولا يؤرقنا وزير المالية الاسرائيلي الذي يخطط للقدوم الى رام الله للمرة الثانية للتنسيق معرئيس الوزراء بالاتفاقات الاقتصادية . ولا تؤرقنا الاتفاقات السرية مع اسرائيل ، بل اكثر ، لا يتحرك لنا جفن عندما نشاهد تسريبات من قبل مسؤولين فلسطينيين لاسرائيليين من اجل قطع الكهرباء على غزة.

في وقت تتأهب اسرائيل فيه عندما يظهر تقرير اممي جديد في ذكرى النكسة يتهمها بالعنف والضرر الاقتصادي والقتل والاضطهاد ، ولا تحرك السلطة ساكنة ، ولا يؤرقها الا دحلان الذي دخل غزة مصافحا لاهله واهلنا فيها … لتعلن سلطتنا الموقرة هذا التاريخ تاريخ النكسة الحقيقي.وتعلن التأهب وحجب المواقع في محاولة فاشلة اخرى بتغطية الشمس بغربال .