كعادة كل سنة اتوقف في استراحة امام مسلسلات رمضان ، انتهي منها بضغط نفسي يجعلني اترك شاشة التلفزيون لستة كاملة اخرى .

هذا العام بدأ الضغط النفسي بالايام الاولى ، وكعادتي اصر بهوس ان استوعب واستشفي من هذه المشاهدة بعض العبر. وهذا العام النتيجة منذ البداية محسومة. فهناك حالة من الابتذال والانفصام تؤكد ان وضعنا المتردي لا يزال بالانحدار .

فما نشاهده خلف الشاشات لا يمثل الا انعكاسا لحقيقة حياتنا امامها . نحن اناس نعيش بانفصام بين ثقافة نحمل منها عرفها وحولنا كل شيئ بها الى دين وويل من يمسه . وبين تطور اجتماعي يشهده عصر التعولم لا نفهم منه الا انحطاته ورتوشه .

المحصلة كما البداية تأخذنا الى مكان واحد : الكل يريد خلع اصله ويتزين باصل جديد ، ويستخدم ذاك الاصل للاستهلاك ، لانه موضة لها سعر في عالم العولمة الجديد. وبالنهاية المستهلك وهو المشاهد في حالتنا ، لا طعم له ولا ذوق . فلقد فقدنا حاسة الذوق منذ زمن . او ربما لم نملكها اصلا.

سأستخدم المسلسل الذي يبدو الافضل حتى الان، فبه كل مواصفات التسويق المطلوبة لنتسمر امام الشاشة ، كيف لا وهيفاء وهبة هي النجمة. وقد تستحق هيفاء وهبة بلا شك لقب النجومية ، فهي اشتغلت على تحويل نفسها من مجرد عارضة جسد فتنت به قلوب رجال العرب الى فنانة تنافس افضل النجمات . فهمت السوق الفني ولعبت ضمن احتياجاته وحافظت على جسدها كسلعة اساسية للتسويق واجبرت المتفرج ان يشاهد اداءها الخارج عن ذلك الجسد. وطبعا ، مصر محطة النجومية ، وهنا ، اتقنت “تمصير” لهجتها ، وقد تكون محظوظة هنا لان امها مصرية ، فلم تبذل الجهد الذي يبذله الاخرون في “تمصير” لهجتها ، فينتهوا بالتركيز على اللكنة بدل التركيز على الدور . فالممثل السوري واللبناني يبذل جهدا في محاولة اثبات انه مصري على الشاشة تؤدي الى كارثة بحق ذلك الذي كان فنانا يملأ الشاشة في المسلسلات السورية قبل سنوات .

 

واذا ما اخذنا مسلسل هيفاء وهبة “الحرباية” كنموذج ، نستطيع ان نفهم المأساة اكثر ، الانحطاط الشعبي الذي يريدونه للمتفرج ، الطبقات الاجتماعية المبتذلة التي تحولت من ارستقراطية الى صاحبة اموال يختلط بها الانجليزي ليثبت رأسماليته ، ولا نفهم السبب . ثم الحارة الشعبية التي تصور كمعقل المخدرات والجريمة . وهناك هيفاء الجميلة ودينا راقصة النخبة يتمايلن بجمالهن وسخونتهن بشوارع الحارة وكأنهما المنظر الطبيعي الخارج من ذلك المكان . يحاول القائمون على الانتاج وصناعة المسلسل اخذنا الى شعبية المكان ويقوموا بنفس اللحظة بتشويه المشهد البصري بلحظات متضاربة . فهل الحارة تلك يمشي بها هكذا اشكال ؟ كيف يمكن ان نضع هيفاء وهبي في هكذا تركيبة . وبعد حالة الابتذال والاستهلاك غير المنقطعة ، علينا نحن المشاهدين ان نرى دينا الخمسينية وهيفا الاربعينية بعمر عشريني في اقصى تحديد ، خصوصا ان الازواج او العاشقين لا تمر سنوات اعمارهم عن منتصف العشرين . ولكن كل هذا لا يهم ، فوجه هيفا وبعض من قوامها وصدرها يكفي لنسلم امامه كل الفروقات العمرية الواضحة. فالبوتوكس وعمليات التجميل والمكياج وكشف الاجساد لا يمكن للرجال بنفس العمر ان يقدموه .

ودينا الراقصة التي تبدو على استعداد الى التعري المطلق بلا حاجة لبدلة رقص لتذكرنا انها راقصة ، فتقدم لنا دورا اقرب الى الاباحية ، فجأة تسقط ارجل دينا على المشاهد من خلال العباءة ولا تفهم جدوى المشهد. وطبعا نحن في “بولاق” والطبقة الاجتماعية في اسوأ احوالها كما نراه من المسلسل ، لا تفهم كيف تخرج حقيبة دينا وهيفاء مباشرة من ال”ديزاينر” حتى وهي في اسوأ احوالها وفقرها وحاجتها .

لا اعرف ما هي عقدة الحقائب في كل المسلسلات ومع كل الممثلات . الحقيبة دائما تنال حصة من المشهد ، كأن هناك اتفاق ما بين الشركة المصنعة والمنتج .

وطبعا هناك الحرباية الخضراء التي تخرج فجأة لتذكرنا بالعنوان ، وتقوم هيفاء بمشهد بصري يعكس وجهها بالحجاب والحرباية التي تحاول ان تمشيها على يدها وكأننا في فيلم كاوبوي ، ولا تفهم كيف تكون هذه الحرباء الخضراء هكذا في مكان كهذا . حرباية نيجيرية او جنوب افريقية لا تناسب حربايات بلادنا لا باللون ولا بظروف الشارع والحائط المتسربة منه .

 

اما المسلسلات الاخرى ، فهناك ايضا بعض ما يميزها ” النجم” بغض النظر عن عمره وعن تغيرات جسمه فهو يقوم بنفس الدور وكأنه عشريني ووسيم وعضلاته مفتولة وبارزة ، نحن كل ما علينا استخدام خيالنا بتذكره قبل عشرين عاما. لا تناسق بين الاعمار والاختيارات ، نحن نشاهد المسلسل باسم الممثل. فاحمد السقا بطل الاكشن دائما .

والظاهرة الاخرى المحزنة قد اسميها في رمضان ، هي النجوم السوريين. قد تعجبني هيفاء وهبي واستطاعتها بالاندماج ، لكن هيفاء بكل احوالها لم تكن نجمة او فنانة من قبل (وليست سورية) ، كانت نجمة استعراضية اجتهدت لتصبح الفنانة التي تتصدر المسلسلات . ولكن لا افهم لم يقوم فنان سوري او فنانة سورية له او لها تاريخ من النجومية التي تدرس ، بالقبول باداء ادوار باللهجة المصرية ، هذه الحالة ساعدت الممثلين المصريين بلا شك ، ليبرزوا بصورة افضل. فترى الفنان السوري متلبك في محاولة التركيز على اثبات انه يتقن اللهجة المصرية ، فيضيع الدور من مغزاه ومن مقدرة ذلك الفنان الذي شهدت اعماله السابقة بحرفيته .

هناك نجوم شابة تستعرض نجوميتها ، كباسل الخياط مثلا الذي يجيد التمثيل وحضوره كحضور هيفاء وهبي مثير . ولكن عندما تشاهد باسل الخياط باداء سوري ، ترى فنانا في محاولة التشكيل ، الا ان ادواره بالنجومية المصرية حولته الى نجم وفقد صفته كفنان . لا افهم بحق لم على الممثل السوري تغيير لهجته . فالمشاهد المصري يعرف انه سوري ، ويحبه او يشاهده لانه سوري ، اشعر عندما اشاهد الفنانين السوريين على الشاشات بادوار مصرية كالمسلسلات المكسيسكة بامريكا عندما تكون بالانجليزية .

ان ترى بمسلسل كقصر العشاق مجموعة كبيرة من نجوم مصر الافلين والتي هوت نجوميتهم منذ زمن يقومون بأدوارهم كنجوم ، ثم نشاهد “ميسون ابو أسعد” التي كبرت تدريجيا بصناعة نجوميتها بسورية على مدار اكثر من عشر سنوات لتكون بهذا المسلسل : “لاول مرة ميسون” . وبلا شك تنظر الى المرأة الجميلة وتركز بشكلها ،ولا تفهم ما هي مشكلة ادائها لتتذكر فيما بعد انها الفنانة الافلة “ميسون ابو اسعد” تحاول وبجهد حفيف ان تصبح النجمة “ميسون” المصرية فقط ، لتقدم اداءا مبتدئا مبتذلا ولاول مرة .

وكنده علوش في محاولاتها المستميتة على ان تصبح مصرية ، ومن قبلها جمال سليمان الذي رمى تاريخ نجوميته الى اقرب سلة نفايات ليصبح نجما بمواصفات مصرية.

والحقيقة لا افهم ما هو سر البحث عن السوري بلهجة مصرية ، الا انه يساعد على تقديم الممثل المصري الصاعد بطريقة ابرز . فيبدو المصري \ المصرية محترفا ومجتهدا اذا ما قارننا بنظيره السوري الذي يجهد نفسه ليثبت انه قادر على ان يكون مصريا في ذلك المشهد.

فيبقى المتيم تيم حسن والجميلة ندين نجيم افضل ما تقدمه الدراما بالرغم من ابتذال المسلسل والادوار واعادة ديباجة المسلسلات التركية في حلة لبنانية سورية ، وعلى الرغم من اننا في كل عام نرى ندين وتيم في نفس الدور ونفس الاداء ولربما يعيدون استخدام نفس الملابس. ولكن لا يمكن للملابس ان تعيد نفسها ، فهي اهم مزايا التسويق . القصد اعادة تدوير الممثلين . وكأنها “شلة” واحدة تقرر ان تمثل من جديد لان “اللمة” السابقة لقت نجاحا . وبالرغم من فراغ المضمون وابتذال المشاهد الا انه مجرد ان تيم ونديو مجموعتهم يمثلون انفسهم ويعكسون حلما ما بحياة ما على الرغم من المبالغة بها الا انها تبقى اقرب الى الحقيقة .

وانتهى بحقيقة مؤلمة اكثر ، نرى فيها فنانا بحجم جهاد سعد وادواره التي كسرت الشاشات على مدار العقود ليقف امام ميرفت امين بلا تطفيء الشمس ولا نرى منه الا دورا ثانويا بدور من المفترض انه اساس تلك الرواية … فتطفأ الشمس وتتربع النجوم


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s